|
|
|
الواقعية السياسية أم الاستقلال الوطني ** الشرعيةالدولية أمام استحقاق المراجعة والحساب ** حسن حنفي في الزيارة الأولي والأخيرة التي قام بها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لقلب الوطن العربي في مصر وفلسطين المحتلة وفي شرقه في شبه الجزيرة العربية، الوسط والأطراف، عبّر في أول محطة له في إسرائيل عن أن الحل النهائي يتضمن إعادة النظر في خطوط الهدنة عام 1949 والتي رسمت الحدود بين الكيان الصهيوني المغتصب لأكثر من 78% من أرض فلسطين بالقوة في حين أن قرار التقسيم ينص علي تقسيم فلسطين مناصفة تقريبا بين الفلسطينيين أصحاب الأرض والغزاة الجدد. وهو موضوع المحللين والقادة السياسيين ولكنه أيضا موضوع تحليل المثقفين الوطنيين للتعرف علي تصورات الرئيس الأمريكي للعالم.تقوم تصريحاته في أول محطة له علي "الواقعية السياسية "Real Politik ضد "المثالية السياسية". وتعني قبول الأمر الواقع، ليس فقط زرع الكيان الصهيوني في 1948 علي أربعة أخماس فلسطين بعد استيلائه علي صحراء النقب بعد توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار. ثم تقوم ثانية علي الاعتراف بالاستيطان وجواز الاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة كما تم في حزيران »يونيو« 1967. بالإضافة إلي المستوطنات، حوالي 5% من أرض فلسطين وضمها إلي الكيان الصهيوني، والاعتراف بالجدار العازل والاستيلاء الكامل علي القدس، وعزلها كلية عن باقي فلسطين. ولا يعني تبادل الأراضي إلا أخذ المناطق المأهولة بالسكان وإعطاء مناطق صحراوية خالية يسهل استردادها بالقوة في أي عدوان قادم. فالاستيطان هو خير وسيلة للدفاع. انسحاب قوات الاحتلال وهو ما يتناقض مع الشرعية الدولية التي لا تجيز احتلال أراضي الغير، ومناقض لكل قرارات الأمم المتحدة وآخرها 242 الذي يدعو إلي انسحاب قوات الاحتلال إلي ما قبل خطوط الرابع من حزيران »يونيو« 1967. بل هو مناقض أيضا لخارطة الطريق التي تنص علي الانسحاب من الأراضي المحتلة. وهو ضد مبدأ الأرض في مقابل السلام التي قامت عليها اتفاقيات مدريد وأسلو، وضد كل المبادرات الدولية لحل النزاع العربي الإسرائيلي. وآخرها مبادرة السلام العربية، انحساب كامل في مقابل تطبيع كامل. وهو التصور العنصري نفسه القائم علي التطهير العرقي وإحلال سكان مكان سكان، يهودا بدلا عن العرب. يعترف بالتوسع في أراضي الغير بالقوة وبطول الزمن. ويقوم علي أنه لا توجد حدود دائمة ومعترف بها دوليا للكيان الصهيوني، والتسليم بتوسعه كلما حانت الظروف. فإسرائيل دولة بلا حدود. حدودها كما اعترف موشي بن ديان من قبل مدي ما تستطيع أن يصل إليه جيش الدفاع الإسرائيلي، وطيرانها ذراع إسرائيل الطويلة، أواسط آسيا وإفريقيا وأوربا. والآن حدودها مصلحة إسرائيل من الصين شرقا حتي الولايات المتحدة غربا، وأوربا شمالا حتي إفريقيا جنوبا. إسرائيل هي كل العالم، بؤرته ومركزه، لا فرق في ذلك بين الصهيونية والمحافظة الجديدة في السيطرة علي العالم كله باسم العولمة والعالم قرية واحدة. وهو نوع من النازية التي قامت علي ضم كل الأراضي بجوار ألمانيا لأنها شعوب جرمانية أو لأنها تتحدث الألمانية أو لأنها المجال الحيوي لألمانيا. وهو نفس ما فعله النظام العنصري في جنوب إفريقيا بزرع الأقلية البيضاء وسط الأغلبية السوداء والفصل بينهما في الواقع الاجتماعي والسياسي. هذا هو ما يسمي بالواقعية السياسية. وتعني الاعتراف بالأمر الواقع. فقد هزم العرب في 1948. واحتلت إسرائيل أربعة أخماس فلسطين، وما علي المهزوم إلا الاستسلام للأمر الواقع. وهزم العرب مرة ثانية في 1967 واحتلت ما تبقي من فلسطين، وعلي المهزوم قبول الأمر الواقع مرة ثانية. وطرد شعب فلسطين وتحول إلي لاجئين في لبنان وسوريا والأردن ومصر وبلاد المهجر في أوربا وأمريكا واستراليا وسيلحق بهم عن قريب عرب إسرائيل منذ 1948 لإقامة دولة يهودية قومية خالصة. وعلي العرب تقبل الأمر الواقع ما داموا غير قادرين علي استرداد حقوقهم طبقا لمبدأ "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة". فحرب أكتوبر ــ تشرين 1973 استثناء من القاعدة. لم تحرر إلا سيناء منزوعة السلاح وشريطا حدوديا في الجولان وعاصمتها القنيطرة. وكل ذلك يعارض الشرعية الدولية وقرارات محكمة العدل الدولية ومواثيق الأمم المتحدة والبداهة والواقع التاريخي. حركات التحرر الوطني فلم تفرط الدول المحتلة في استقلالها الوطني باسم الواقعية السياسية. واندحر الاستعمار الفرنسي في الجزائر بعد أن استوطن فيها ما يقرب من مائة وثلاثين عاما. كما استطاعت حركات التحرر الوطني في الوطن العربي والعالم الإسلامي وفي كل شعوب العالم الثالث القضاء علي الاستعمار، وإنهاء الاحتلال. وعادت فرنسا إلي حدودها الطبيعية بعد هزيمة نابليون في واترلو. انتهي الاحتلال الفرنسي والأمريكي لفيتنام. وقاوم الزعماء الوطنيون الاستعمار. وبرزت أسماء مثل سيمون بوليفار وديجول ونهرو وعبد الناصر وسوكارنو، وجومو كنياتا، وسيكوتوري، وموجابي، ومانديلا، ومحمد الخامس وبن بللا وعمر المختار، وفي فلسطين عز الدين القسام والشيخ ياسين وفتحي الشقاقي وأبو مصطفي ويحيي عياش من كل الاتجاهات الوطنية، إسلامية وقومية وماركسية. فالدفاع عن الاستقلال الوطني وتحرير الأوطان واسترداد الأراضي المحتلة ليست "مثالية سياسية" في مقابل "واقعية سياسية"، تقضي باستسلام المهزوم والاعتراف بشرعية الاحتلال بل هي واقعية سياسية أيضا تستند إلي حقائق التاريخ والبداهة. وفرضت المقاومة مبادئها علي مبادئ القانون الدولي في "حق تقرير المصير". وصاغت المواثيق الدولية مثل اتفاقيات جنيف مبدأ "عدم جواز الاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة". الاستقلال الوطني أيضا واقعية سياسية. والمقاومة حق مشروع للفلسطينيين منذ 1948 حتي 1967 وحتي الآن. ولا يوجد شعب قاوم كما قاوم شعب فلسطين في أصعب الظروف مثل شعب الجزائر وشعب فيتنام. ووحدة التراب الوطني مبدأ مقدس مهما طال عهد الاحتلال. وصواريخ القسام والعمليات الاستشهادية أيضا واقعية سياسية. فلا تعني الواقعية السياسية فقط الاستسلام للأمر الواقع بل تعني أيضا رفض الأمر الواقع ومقاومته. فالشرعية لها الأولوية علي اللاشرعية. والحق قوة معنوية قادرة علي مواجهة الباطل كقوة عسكرية. إن إقامة دولتين في فلسطين يتعايشان جنبا إلي جنب، دولة فلسطينية قابلة للحياة ومتصلة الأراضي ولها حدود معترف بها يتناقض مع الواقعية السياسية التي تقوم علي التسليم بالاستيطان فوق أراضي الدولة الفلسطينية. الجدار العازل ولا تعترف بحق العودة لفلسطيني الشتات وتعوضهم ماليا وكأن الوطن للبيع. ويتعارض مع الجدار العازل الذي أقيم في الدولة الفلسطينية وقسم قراها. ويتعارض مع الاستيلاء علي مصادر المياه واحتلال القدس واعتبارها عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل. لقد فقد الرئيس الأمريكي صفة القاضي العادل، والحكم المنصف بأخذه صف الجانب الإسرائيلي وتأييد ادعاءاته في الأمن والاستيطان، ووصف المقاومة بالإرهاب، وعدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض معه. مع أن أمريكا قاومت الاحتلال البريطاني. وظهر أبطال للتحرر الوطني فيها جسدوا روح الثورة الفرنسية مثل جورج واشنطن ولافاييت. وحارب لينكولن الانفصال بين الشمال والجنوب من أجل تحرير العبيد دفاعا عن وحدة الأوطان. وهو ما تفعله المقاومة الفلسطينية وكل حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار بجميع أشكاله. والآن يقوم السلوك الأمريكي علي المعيار المزدوج في الصراع العربي الإسرائيلي. يعطي إسرائيل كل ما تريد ولفلسطين لا شيء مما تريد. يعطي لإسرائيل الأفعال ولفلسطين الأقوال. يقدم لإسرائيل الواقع ولفلسطين الوهم. خطاب صادق لإسرائيل وخطاب كاذب لفلسطين. ليست الغاية الحقيقية لزيارة الرئيس الأمريكي هو دفع عملية السلام المتوقفة منذ اجتماع أنابوليس وإلا كان اجتمع مع الطرفين، إسرائيل وفلسطين في اجتماع ثلاثي لإيقاف الاستيطان وهدم الجدار العازل وإبقاء القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، وتأكيد حق العودة والسيطرة علي مصادر المياه في مقابل الأمن الإسرائيلي. فلا أمن مع الاحتلال. إنما الغاية تحقيق نصر وهمي في النزاع العربي الإسرائيلي لتغطية فشله في مستنقع العراق. كما أن الغاية هي حملة من العلاقات العامة لصالح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم. والغاية أيضا تجنيد العرب ضد إيران ومساعدتهم لضربها. فالأسطول الأمريكي قابع في الخليج. ومصر والسعودية ركيزتان أساسيتان في القرار العربي. الغاية إيهام العرب بأن الخطر عليهم قادم من إيران وليس من إسرائيل. الحرب ضد إيران والسلام مع إسرائيل. وستبقي أمريكا في العراق عشر سنوات أخري حتي يتحول الوطن العربي إلي ولاية أمريكية صهيونية جديدة. Azzaman International Newspaper - Issue 2892 - Date 16/1/2008 جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2892 - التاريخ 16/1/2008 AZP07 HSHN |