المؤتمرات الدولية تحرسها الشرطة ويرعاها الزعماء السياسيون **
معارك مثقفي السلطة هدفها تعطيل الإبداع **

حسن حنفي
الثقافة الخائفة هي إحدي أنماط علاقة الثقافة بالسلطة. ليست الثقافة المبررة للسلطة، وليست الثقافة المعارضة للسلطة، وهما النمطان الشهيران، بل الثقافة الهامشية التي تسير بجوار السلطة وعلي حافتها. لا تبرر ولا تعارض، لا تثبت ولا تنفي، بل تجعل الثقافة منفصلة عن السياسة والواقع، عالما مستقلا بذاته، لا ينفع ولا يضر طعام »لا يسمن ولا يغني من جوع«. وظيفته ملء الفراغ وإظهار أحد مكونات الدولة الحديثة. هي ثقافة المؤتمرات الدولية التابعة للدولة والتي يُعد إليها إعدادا جيدا من الناحية التنظيمية، فنادق الدرجة الأولي، الانتقالات المنظمة بعربات الرئاسة أو وزارة الثقافة، الاستقبال، إعداد الأوراق وطباعتها قبل انعقاد المؤتمر... الخ.
موضوعاتها نظرية خالصة، علمية جامعية، مستقاة من أعماق التاريخ مثل الإيمان والعقل، الدين والعلم. طرف من عندنا وهو الدين والإيمان، وطرف من عندهم العقل والعلم لإلحاق القديم بالجديد، والماضي بالحاضر، والتقليد بالتجديد تأكيدا علي الهوية والإيمان أمام الجماهير. فالنظام السياسي في حاجة إلي سند شرعي من الدين لكسب الجماهير التقليدية في الداخل.

ملء الفراغ
وهو في حاجة إلي تحديث وتجديد وعصرية لكسب ثقة المثقفين العلمانيين في الداخل، ورضي النظم السياسية في الخارج. العلم من التاريخ. والفكر محايد موضوعي لا ينحاز لشيء وإلا خرج عن الموضوعية.
يعتني بالكم دون الكيف، مادام الكم غير مؤثر، والكيف غير وارد. المطلوب المهرجان والغطاء العلمي علي الواقع السياسي. ليس له هدف ولا غاية إلا ملء الفراغ السياسي والثقافي. جمهوره صغير من العلماء المتخصصين في الداخل والخارج. يفتتحه رجال الرئيس، وزراء الثقافة والتعليم والشئون الدينية. وصورة الرئيس بملابسه الرسمية ووشاحه وأوسمته وعصا المارشالية التي ترمز إلي السلطة والأمن والجيش والشرطة. فالعبد يقرع بالعصي والحر تكفيه الملامة. وفي خطب الافتتاح الرسمية يستشهد بأقوال الرئيس. فهو العالم الأول في كل الموضوعات. يعرف كل شيء. ويوجه كل نشاط. ويقترح كل موضوع. ويدعو كل ضيف. يُذكر اسمه مع أفلاطون وأرسطو، والفارابي وابن رشد، وديكارت وكانط، وهيجل وماركس من القدماء، ودريدا وديلوز من المحدثين. والفنادق علي أطراف المدينة، لا يشعر بها أحد. ولا يقف المتظاهرون علي الأبواب بلافتات عن حقوق الإنسان، والمطالبة بالحريات العامة، ومناهضة أمريكا وإسرائيل لتعطيل حركة المرور وسط المدينة أو لإثارة الشغب بفعل المندسين العملاء. معارك في الهواء، دخان يملأ الجو. فالثقافة غطاء وليست كشفا، تعمية وليست إيضاحا. الثقافة لا تنقد الوضع القائم بل تضع فوقه ركاما من النظريات والمنقولات من القدماء أو المحدثين. يقوم بذلك موظفون في الدولة من أساتذة الجامعات أو وزارات الثقافة أو رجال الإعلام. وكلهم مرضي عنهم من النظام. وأساتذة من الخارج يشاركون في هذه التمثيليات الثقافية للإبقاء علي الوضع القائم إمعانا في تغريب الثقافة بدعوي الموضوعية والحياد ضد الشغب السياسي والاختيار الأيديولوجي، وبيع الثقافة وشرائها في سوق السياسة. يتوجس جميع المشاركين خيفة من أن يفلت اللسان، ويعبر عما يجيش في القلب. ويضع المثقف الوطني القيود علي لسانه، والحواجز علي قلبه، والإغلاق علي ضميره حتي يستطيع أن يتكلم بما لا يعتقد، ويقول ما لا يؤمن به، ويتفوه بالمطلوب منه قوله وفعله بالعربية وهو النادر أو بالفرنسية وهو الشائع حتي يشارك الأجنبي لغته، ويبعد عن نفسه شبهة العروبة والإسلام في الداخل. فهو غربي فرانكفوني كما يريد النظام السياسي والقوي الخارجية. يقود عربته وفرامل اليد مرفوعة حتي تسير ببطء ويتحكم في سرعتها حتي لا تنطلق العربة علي سجيتها. ويعيش ازدواجية الخارج والداخل، القول والضمير، الكلام والاعتقاد، "تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها".

مثقف السلطة
ويصول الحضور ويجول بالفرنسية أكثر من العربية. فهو لا يقل حماسا عن المتحدثين. والكل لديه غيرة علي العلم والحقائق العلمية حتي وإن غاب الوطن. وينفعل بتلك النظرية أو تلك لإخفاء انفعالاته الحقيقية بواقع الأمة وغياب حرياتها العامة، وديمقراطية الحكم، والتعددية السياسية، وحق الاختلاف، والرأي والرأي الآخر. وتظهر القدرات اللغوية للفرانكفونيين استجداء لإعجاب الأجانب، واستعلاء علي باقي الباحثين الوطنيين الذين ساروا في التعرب نصف شوط وندموا علي ما فعلوا بعد أن ولي عصر العروبة وكاد يولي عصر الإسلام في حضور العولمة الطاغي في نظم التبعية لأمريكا وإسرائيل. ولعل أحد المسئولين يكون حاضرا فيلمح مثقفا جديدا يمكن تجنيده كمثقف للسلطة، يجمع بين الثقافة والسلطة بدلا من الصراخ في الهواء الذي يفيد فقط في جذب الانتباه وإن لم يفد في توعية الناس. وكما بدأ المؤتمر الدولي بمبادرة من الرئيس كذلك ينتهي بإرسال برقية شكر وتأييد للرئيس علي رعايته للمؤتمر، وعلي فكرته العبقرية التي لولاها لما عقد مؤتمر، ولا تم نقاش، ولا فُتح فم، ولا سُمع صوت. وقبل انفضاض الحفل يكافأ المدعوون بيوم سياحي في آثار الدولة المضيفة رومانية أو عربية. فالقديم له بريقه وإن انطفأ بريق الجديد. والماضي له عظمته وإن ضاعت عظمة الحاضر. ويقبل الضيوف الأجانب الدعوة. فالعلم سياحة، والسياحة علم. أما الضيوف العرب فيسارع أكثرهم بالرحيل. فالمشاركة في أحد فصول المسرحية أخف وطأة علي النفس من المشاركة في باقي الفصول حتي إنزال الشعار وسماع تصفيق الحضور. كل ذلك نشاط ثقافي مصطنع لا يخرج من القلب ولا يؤثر في قلوب الناس. إنها ثقافة ملء الفراغ. وحتي يبدو الرئيس إمام المثقفين وليس سجانهم وجلادهم. أهم ظاهرة فيها مشاركة الأجنبي، أولي الأمر بالأمس، ومبادرة الرئيس، أولي الأمر اليوم. والشعب في كلتا الحالتين مأمور بأولي الأمر، مطيع لهم. يقلد الأولين. فالمغلوب مولع بتقليد الغالب كما قال ابن خلدون من قبل منظّر ثقافة البلاد. ويخشي الآخرين لما للسلطان من رهبة في القلوب، وعسس حول المنازل والقاعات، وبصاصين في المجالس والمنتديات. وتظهر معاملة البسطاء المزدوجة للعربي والأجنبي. فالأول بخيل في الإكراميات، والثاني كريم.

قيم وطنية
الأول يدفع بالعملة المحلية، والثاني بالأجنبية. الأول لا يصرف كثيرا في مشروبات ومأكولات إضافية، والثاني ينعم بالحياة. فقد أتي عالما وسائحا. والسياحة المصدر الرئيسي للدخل القومي وليس الزراعة أو الصناعة كما هو الحال في النفط في الدولة الريعية. ومهما حيا العربي بلغة الضاد قارئا السلام التقليدي أو التحية الحديثة "صباح الخير" و"مساء الخير" قيل له "بون جور" و"بون سوار" حتي من عاملات النظافة، وخادمي المطاعم، وعاملي المصاعد حتي يكونوا علي نفس مستوي الأجنبي. فلم يعد للوطن قيمة في ذاته، لا في السياسة ولا في الثقافة، لا في الوطن ولا في الفكر بالرغم من مشاريع العالم الثالث عن الثقافة الوطنية وعن الاستقلال الثقافي للشعوب.

Azzaman International Newspaper - Issue 2709 - Date 30/5/2007

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2709 - التاريخ 30/5/2007

AZP02
HSHN