|
|
|
البعد التكنولوجي لجريمة كلية الهندسة في فرجينيا ** العنف في المجتمع الأمريكي يعمق الخلاف علي دمج المهاجرين ** د. حسن حنفي العنف الأمريكي ليس في الخارج وحده، العدوان علي العراق وأفغانستان، والسودان وليبيا من قبل، وتهديد لبنان وسوريا وإيران والصومال بالتدخل. فهي شرطي العالم الذي يفرض قانونه بالعصا علي كل من يشق عصي الطاعة علي "فتوة" الحي. وما يحدث في الخارج من عدوان علي الشعوب يحدث في الداخل أيضا بالعدوان عليه من مواطنيه. فالمجتمع مفرغ من الداخل. وبقدر ما تستعمل الولايات المتحدة الأمريكية القوة ضد الخارج، القوة المنظمة بالجيوش وأسلحة الدمار الشامل، تستعمل القوة ضدها في الداخل بنفس العدوانية وقتل الأبرياء. الجريمة المنظمة في الخارج تقوم بها الدولة، والجريمة المنظمة في الداخل يقوم بها الأفراد. هذا ما حدث منذ شهر تقريبا في ولاية فرجينيا في كلية الهندسة بمدينة بروزبرج عندما أطلق مهاجر أمريكي من أصل كوري جنوبي النار علي الطلاب والأساتذة فقتل اثنين وثلاثين من الأمريكيين والأجانب بدم بارد مع سبق الإصرار والترصد، وتسجيل العملية منذ بدايتها بالصوت والصورة في مجتمع يعشق الإعلام ويقدسه. اندماج المهاجرين حتي من الجيل الثاني لم يتحقق. وبوتقة الانصهار التي أرادتها أمريكا مجرد أسطورة. فالمجتمع مازال فسيفساء من المهاجرين طبقا للون والأصل العرقي وعلي مراتب كما هو الحال في نظام الطبقات في الهند. أعلاها الأنجلوسكسونيون البيض البروتستانت الذين هاجرا أول مرة من بريطانيا واستقروا علي الساحل الشرقي حيث السلطة والمال. ثم تتراتب الطبقات من الأعلي إلي الأدني، الألمان، والإيطاليون طبقا لطبقاتهم الأصلية في أوربا. ثم يأتي في ذيل القائمة الأسبان ثم السود. مع أن الأسبان هم الذين اكتشفوها، والسود هم الذين بنوها بعد أن تم اصطيادهم من أفريقيا عبيدا ليحلوا محل الملايين من السكان الأصليين الذين تم استئصالهم. ومن تبقي منهم وضعوا في محميات للسياحة ولاستوديوهات هوليود. لم يندمج القاتل من أصل أسيوي في المجتمع الأمريكي. وشتان ما بين أمريكا وآسيا، بين العالم الجديد والعالم القديم، بين قارة الذهب والمال، وقارة الديانات والحضارات. والطالب في كلية الهندسة أي في كلية عملية تقوم علي العقل والعلم. عاش الطالب القاتل وحيدا نفسيا لا يشارك المجتمع قيمه. عاش متوحدا مع نفسه ومتغربا مع غيره مما أدي إلي الانفصال الكامل بين الفرد والمجتمع، بين المواطن الدولة. ويبدو أن العلوم الطبيعية والرياضية لا تملأ الفراغ الروحي لدارسيها كما تفعل العلوم الإنسانية. ولا تشبع فيهم البحث عن معاني الحياة والوجود والمصير. إنما يظهر التنظيم الهندسي في الجريمة المنظمة التي تقوم بها أمريكا في الخارج عن طريق أجهزة الاستخبارات والجيوش النظامية. ويقوم بها الأفراد في الداخل عن طريق الإعلام وأجهزة التسجيل الصوتي والمرئي. وهي ليست حادثة فردية معزولة بل نمطا سلوكيا أمريكيا في رفض المجتمع وقيمه، والدولة ونظامها كما حدث من قبل في تفجير المبني الفيدرالي الأمريكي في أوكلاهوما من أمريكي أبيض تيموتي ماكفاي. لا يعترف إلا بالقوة الفردية واستقلال الولاية. والقاتل الانتحاري الجديد يستأنف عملية القتل التي تمت في جامعة كولومبيا. دبرها أيضا أمريكيان أبيضان، ديلان كليبولد وأريك هاريس. ولن تكون الأخيرة طالما العنف هو نموذج السلوك الأمريكي، العنف في الخارج علي الآخرين، والعنف في الداخل علي النفس. ترف اجتماعي وفي تسجيله الصوتي المرئي علي مدي عشر دقائق، وألف وثمانمائة كلمة، وثلاث وأربعين صورة، وسبعة وعشرين لقطة فيديو، عبر الطالب عن رفضه لقيم المجتمع الأمريكي، وأسلوب الحياة الأمريكي، والحلم الأمريكي، وأسطورة التفوق الأمريكي، والغرور الأمريكي، والرموز الأمريكية، المرسيدس وثقافة العربات والطرق السريعة وصناعة السيارات في دترويت وغيرها. والقلادة الذهبية التي تزين بها النساء جيدها مظهر من مظاهر الغني. وقد كان البحث عن الذهب أحد أسباب الاندفاع نحو الغرب الأمريكي في الهجرات الأولي. وحسابات البنوك والودائع والمدخرات حياة الأمريكي خاصة بعد التقاعد لينعم بالحياة بعد أن شقي في الإنتاج الذي قضي فيه شبابه. والوفرة الأمريكية تؤدي إلي الإشباع الكامل لحاجات البدن ولكنها لا تؤدي إلي سعادة الروح. الوفرة الزائدة عن الحاجات تصيب الإنسان بالغثيان. والفودكا والكونياك رمز السكر والعربدة، والانغماس في ملذات الدنيا. ويضاف إليها اللبان والأيس كريم والكوكاكولا وهو ما لا يستطيع الأمريكي الاستغناء عنه وهو في قلب المعارك وفي أتون الحروب. الأمريكيون هم أسباب الشقاء في العالم، أطفال السوء، والرجال الأشقياء، ورسل الخطيئة، وغواية الشيطان. قتل الطالب منذ السابعة صباحا طالبين لإبعاد الانتباه عما تبقي من الجريمة. وانخدعت الشرطة. وحاصرت المبني الأول الذي قتل فيه الطالبان. وزادت في العدد، وأحضرت الأسلحة، وحشدت القوات. وباقي الجريمة تتم بعد ذلك بثلاث ساعات في قاعة الدرس حيث اجتمع عشرات الطلاب في الصباح للاستماع إلي الأستاذ الذي أغلق الباب وحصنه حتي لا يهرب أحد. والشرطة مازالت في المحل الأول، واقعة تحت الخداع ضد أسطورة الشرطة الفائقة العدة والعتاد والتي قتلت من قبل عشرات المعارضين السياسيين وقادة المظاهرات والاحتجاجات السوداء. وتم قتل ثلاثين طالبا من مسدسين آليين كما يفعل رامبو في العراق، من قتل الآمنين، ودك المنازل بمن فيها علي من فيها بالطائرات. فاستعراض القوة يشبع غرور النفس. وقتل الأبرياء وتعذيبهم يشبع عقدة السادية عند الأمريكي، وتلذذه بإيلام الآخرين. وقبل تنفيذه العملية الانتحارية التي طالما أدانتها أمريكا في العراق بالرغم من الفرق بين العدوان علي الأبرياء في الداخل ومقاومة العدو المحتل في الخارج قام القاتل بالتدرب عليها. وسجلها بالصوت والصورة في مجتمع الإعلام حياته. وارتدي لباس رعاة البقر، النموذج الأمريكي في استعمال القوة، وإظهار الشجاعة والبطولة الفردية. واعترف أمام أجهزة الإعلام الخاصة به بالجريمة والدافع عليها مثل أبطال جان بول سارتر وهم يسجلون حياتهم وأفعالهم قبل الانتحار. هو قدر لا فكاك منه، واختيار أوحد لا بديل عنه. والسبب هو المجتمع الأمريكي الذي لم يترك له خيارا آخر. كانت هناك مائة بليون فرصة لمنع هذه الجريمة وتفادي الحادثة ولكنه دفع هذا المواطن البريء إلي أقصي مدي، وجهه إلي الحائط. كان يمكن للمجتمع الأمريكي الذي قام علي مبادئ الثورة الفرنسية، الحرية والإخاء والمساواة، أن يتمسك بإعلان الاستقلال، ومبادئ الدستور، وبمُثل الآباء المؤسسين الأوائل. كان يمكن للمجتمع الأمريكي أن يدافع عن الحرية في العالم، حرية الأفراد وحرية الشعوب بدلا من الاكتفاء بتمثال الحرية في ميناء نيويورك، وتشدق الإدارة الأمريكية بأنها بغزوها العراق وأفغانستان إنما تدافع عن العالم الحر وقيم الحرية والديموقراطية. كان يمكن أن يشارك باقي الشعوب في ثرواته بدلا من أن يمتلك أقل من 5% من سكان العالم نسبة 90% من ثروات العالم. كان يمكن أن يساهم في مشاريع تنمية قدرات العالم الثالث، ويقضي علي التصحر في أفريقيا الذي سببه الرجل الأبيض عندما أخذ من أفريقيا أكثر مما أعطاها لأنه يعلم أنه راحل. ويقضي علي الجفاف والجوع والأمراض التي تحصد الملايين سنويا في تشاد ومالي وجنوب السودان والصومال وإريتريا وبنغلادش. كان يمكنه أن يقيم السدود، ويبني الجسور، ويشق القنوات لزيادة مساحة الأراضي المزروعة بدلا من تدميرها كما يفعل في العراق وأفغانستان. الشعوب تواجه قدرها إنها مسؤولية المجتمع الأمريكي إذن. هو السبب غير المباشر في اقتراف الجرائم وتلويث دم الشباب بالدماء لأنه تعود علي سفك دماء الأبرياء. لذلك قرر هذا الطالب الشاب المواجهة وعدم الهروب والفرار. وقرر تخليص المجتمع الأمريكي من مآسيه وشروره وآثامه. كما قرر تخليص أسرته، أبنائه وإخوته، وتحمل أخطاء البشر جميعا كما فعل السيد المسيح. فالمسيح يصلب من جديد لأنه يُصلب كل يوم في العراق وأفغانستان وفلسطين والشيشان وكشمير وسوريا وإيران والسودان. يصلب في الداخل وفي الخارج. وكما تتحمل أمريكا أوزار العالم فإن هذا الشاب يتحمل أوزار أمريكا في العالم. فهو الضحية وأمريكا الجلاد، وليست أمريكا هي الضحية وهو الجلاد. أمريكا تواجه قدرها في الداخل، كما أن الشعوب تواجه قدرها بالعدوان الأمريكي عليها. وتنتهي الحرية إلي قدرية، وينتهي الاختيار إلي حتمية. انهيار أمريكي من الداخل هو الذي سيؤدي إلي انهيارها في الخارج. وفاقد الشيء لا يعطيه. العدوان الأمريكي في الخارج يُحدث رد فعل بعدوان الأمريكي علي مجتمعه في الداخل حتي تذوق أمريكا علي يد أبنائها من المرارة التي تسقيها هي للآخرين. إن المجتمع المفرغ من الداخل لا يستطيع أن يكون مصمتا في الخارج. والمجتمع الخاوي من الداخل لا يستطيع أن يكون صامدا في الخارج. وبالرغم من استعمال أمريكا القوة المفرطة في الخارج وجميع أنواع أسلحة الدمار الشامل فإن العدم ينخر فيها من الداخل. وقد تقضي النملة في أذن الفيل عليه بإثارته وإثبات عجزه مهما التوي خرطومه وطالت أنيابه. إن شو، وهو اسم الطالب الضحية، هو نموذج مصغر للمجتمع الأمريكي المدجج بالسلاح لقتل الأبرياء، ولكنه في النهاية يقتل نفسه. فيتحول الجلاد إلي ضحية. وكما يقول الإنحيل: "تـُقتلون بنفس السيف الذي به تقتلون". Azzaman International Newspaper - Issue 2691 - Date 9/5/2007 جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2691 - التاريخ 9/5/2007 AZP02 HSHN |