|
|
|
التيارات المحافظة تقف ضد حق الانسان الطبيعي في المعرفة والفكر ** ابن رشد أول من ربط بين تزييف الانتخابات والطوارئ ** د. حسن حنفي ** تتعدد أنواع القهر كما تتعدد أسباب الموت، والنتيجة واحدة. فالموت موت نفسي. وأشهر أنواع القهر هو القهر السياسي، علاقة الحاكم بالمحكوم في نظم الحكم التي تقوم علي التسلط وكبت الحريات العامة، والتفرد بالقرار. وهو ما سماه ابن رشد "وحدانية التسلط". كما تقوم علي تزييف الانتخابات، وأجهزة الأمن، وقوانين الطوارئ، والاعتقال والسجن بلا محاكمة. وهي النظم الأيديولوجية التي تحكم باسم الحقيقة المطلقة، دينية أو سياسية، الفرقة الناجية الواحدة التي في الحكم في مقابل الفرق الضالة الهالكة التي في المعارضة. وهناك القهر الديني والثقافي. ويقوم علي إجبار الناس علي الإيمان بعقائد دينية، سنية أو شيعية، أو سياسية معينة، اشتراكية أو قومية، نازية أو فاشية كما حدث في التاريخ بإجبار الناس علي القول بخلق القرآن أو انبساط الأرض دون كرويتها أو مركزيتها ودوران الشمس حولها، وإجبار الناس علي إتباع تأويل معين للنص الديني أو التضييق عليهم في السلوك اليومي باسم تطبيق الشريعة. بل ويحدث ذلك أيضا في الفنون والآداب، وليس فقط في العلوم والديانات، وإجبار صغار المبدعين علي إتباع مذهب معين في الفن والأدب. وهناك أيضا القهر الاقتصادي، قهر الفقر والضنك والعوز والحاجة. يشعر به العامة قبل الخاصة. هو قهر رغيف العيش والقوت اليومي الذي يدعو إليه المسيحيون في الصلاة الربانية "اعطنا خبزنا اليومي" والذي من أجله قال عمر بن الخطاب "والله لو كان الفقر رجلا لقتلته". وهو ناشئ عن سوء توزيع الثروة في البلاد. ويؤدي إلي الغش والاحتيال لدي الأغنياء ليزدادوا غني، ولدي الفقراء من أجل غريزة حب البقاء. وبسببه تقوم الهبات الشعبية وثورات الجياع. والأخطر من ذلك كله القهر الاجتماعي، قهر العرف والعادات والتقاليد الذي نقده القرآن الكريم »إنا وجدنا آباءنا علي أمة وإنا علي آثارهم مقتدون« وفي آية أخري »مهتدون«. وعلي هذا الأساس لم يعتبر الأصوليون القدماء التقليد مصدرا من مصادر العلم مثل الحس والعقل والخبر الصحيح. وثار المصلحون الدينيون المعاصرون كالشوكاني والأفغاني ومحمد عبده أو الليبراليون مثل الطهطاوي علي التقليد، وجعلوه أحد أسباب التخلف الاجتماعي والانحطاط الحضاري. إتباع التقاليد هو إتباع القدماء بالرغم من القول المأثور الذي يُعزي إلي أفلاطون كما ينسب إلي الرسول "لا تؤدبوا أولاكم بآدابكم فقد خلقوا لغير زمانكم". القدماء هم الأوائل. عاشوا في الماضي. وتغير الزمن. ولكل زمن عاداته وتقاليده وأعرافه. وكثيرا ما كتب علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا عن تطور العادات الاجتماعية، وتغير التقاليد. هي تعبير عن سلوك الناس في كل وقت. والزمان متغير، والتقاليد تتغير بتغيره. التقليد اشتقاقا يعني الإتباع في حين أن التجديد يعني الإبداع. ويتهم أنصار التقليد أنصار التجديد بالابتداع. وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فيؤثر الناس السلامة والإتباع عن غير اقتناع. ويتبع الناس العرف وهي العادات الشعبية السائدة. وتسود الأعراف الطبقات الشعبية مثل طهارة الإناث وما تسببه من قهر نفسي للأنثي منذ الطفولة حتي البلوغ. ويتبع الناس العادات الاستهلاكية في الأعياد مثل مأكولات رمضان ومشروباته وكعك العيد بما لا تطيقه ميزانية الأسر، وضرورات التباهي والفاخر بين الناس. وقد يؤدي ذلك إلي جرائم بين الرجل وزوجه. وهي عادات وأعراف من وضع المجتمع وتطوره عبر التاريخ لتوظيفها اجتماعيا لخلق دين شعبي مواز للدين الشرعي. يلهي الناس ويبعدهم عن ظلم الحكام. وتحول التيارات المحافظة في المجتمع هذه العادات والأعراف إلي ثوابت مع أنها متغيرة بتغير المجتمع. ومنها عادات ترجع إلي عصر الصحابة والفتنة الأولي مثل التلاعن، وأقوال مأثورة مثل "إن الله يزع بالسلطان ما يزع بالقرآن"، وأدبيات طاعة الحكام وعدم الخروج عليهم وإلا كان الجزاء القتل. الثوابت هي القيم الإنسانية العامة التي لا تتغير بتغير الزمان مثل حقوق الإنسان، واحترام النفس، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات، والحريات العامة، والشوري، والمصالح العامة. وهي المقاصد العامة التي تقوم عليها الشريعة، الحفاظ علي الحياة والعقل والدين والعرض والمال. الحياة هي الحاجات الأساسية للناس من طعام وشراب ولباس وسكن وتعليم وعلاج. والعقل هو حق الإنسان الطبيعي في المعرفة والفكر والنظر. والدين هي الثوابت العامة التي يجتمع عليها الفقهاء. والعرض هي الكرامة الشخصية والوطنية. والمال هو الثروة الفردية والثروة العامة. وقد وضعت بعض المجتمعات التقليدية عدة قوانين للضبط الاجتماعي لمنع تحركه مثل قانون العيب، وقانون الاشتباه، وقوانين حماية المجتمع والأمن والاستقرار السياسي مثل قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب. مهمتها إرهاب الناس وتخويفهم ومنعهم من السلوك الطبيعي التلقائي القائم علي الثقة بالنفس واحترام الآخرين. ثم تحولت هذه القوانين إلي عادات وتعبيرات مثل "عيب عليك"، "يا عيب الشوم"، "حشومة"، "اختشي"، "يا نهار أسود"، "يا دهوتي"، يا مصيبتي". وأصبح كل خروج علي هذه القوانين انحراف وشذوذ. ولما كان المجتمع يتقدم بصرف النظر عن أساليب الضبط الاجتماعي، تنقسم الحياة إلي ظاهر يتبع التقاليد والأعراف والعادات، وباطن يتبع تطور الحياة وتغير قواعد السلوك الاجتماعي. فتنشأ مظاهر النفاق والرياء والتظاهر والكذب. قول باللسان لا يقتنع به القلب. وسلوك في الظاهر لا يتم عن إيمان بالباطن. وتصبح الحياة كلها حجاب في الظاهر، وسفور في الباطن. كما تنشأ ظواهر الكبت وأمراض القهر النفسي وقمع الرغبات. ويعيش الإنسان بشخصيتين. ويقابل المجتمع بوجهين. وجه يرضاه المجتمع، ووجه آخر يرضاه الفرد، لا يجرؤ علي التعبير عنه صراحة. ويكون له سلوكان، سلوك اجتماعي علني، وسلوك آخر فردي سري. الأول كاذب، والثاني صادق. فإذا ما تجرأ أحد علي الإعلان والتمسك بالوجه الواحد والسلوك الواحد والشخصية الواحدة تم إقصاؤه واستبعاده واتهامه بالردة والكفر، وكان جزاؤه القتل الصريح. ويؤثر البعض السلامة والرضا بالسلوك الاجتماعي، وينغمس في الدنيا ينهل منها بالحلال. والأرزاق مقدرة مسبقا. ومع ذلك ظهرت نماذج ثائرة علي هذا القهر الاجتماعي في التاريخ، في كل عصر، وفي كل ثقافة، ولدي كل شعب. ثار سقراط علي تعدد الآلهة عند الأثينيين، فاتُّهم بإفساد الشباب. وحُكم عليه بالموت سما. ورفض الهرب درءا للظلم، وهو رذيلة، طاعة لقوانين البلاد وهي فضيلة. وثار ديكارت علي عادات العصر الوسيط في التفكير والتعلم. وثار اسبينوزا علي العقائد اليهودية مثل شعب الله المختار وأرض المعاد. وحُرق جيوردانو برونو حيا في روما لأنه قال بعقيدة مخالفة للفلك السائد ولتصور الإنسان. وثار مارتن لوثر علي الكنيسة رافضا توسطها بين الإنسان والله، واحتكارها لتفسير الكتاب المقدس وتبعيتها لسلطة الآباء الأولين. قُدّم المفكرون الأحرار الذين رفضوا عادات وتقاليد وأعراف القدماء أمام محاكم التفتيش في أواخر العصر الوسيط الأوربي. وكان جزاؤهم القتل أو الحرق أو التعذيب أو النفي أو السجن. وفي تاريخنا القديم حدث نفس الشيء. فقد ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحي أسفل المنبر لأنه كان معارضا للحكم الأموي ويقول بقدرة الإنسان علي الاختيار. وقتل أبو نواس بتهمة الزندقة. وصلب الحلاج بتهمة الخروج علي العقائد. وذبح السهروردي لقوله بحكمة الإشراق. كانت كل حركات التجديد والتحديث والنهضة والإصلاح والتغير الاجتماعي والنهضة الحضارية والثورة ضد القهر الاجتماعي بالرغم من سطوته. وكان الاستسلام للقهر الاجتماعي أحد أسباب الركون والخمول والتأخر والانحطاط. لا تقوم نهضة علي قهر، ولا تقدم علي تقليد، ولا ثورة علي تسليم. في لحظات الانتصار يتم تغيير التقاليد، وفي لحظات الانكسار تتم المحافظة عليها حماية للمجتمعات. وهي حماية وقتية بالانكفاء علي الداخل لحماية النفس بعد أن ضاع العالم. ولما كان المجتمع العربي يمر الآن بمرحلة انكسار، باستثناء المقاومة في العراق وفلسطين، اشتد القهر الاجتماعي. ولما كان أيضا يتوق إلي الانتصار يكون تحرره من القهر الاجتماعي قريبا. Azzaman International Newspaper - Issue 2680 - Date 26/4/2007 جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2680 - التاريخ 26/4/2007 AZP02 HSHN |