حضارات العالم العريقة عقدة أمام النظام الدولي الجديد **
أوربا تستعيد الوعي المفقود من عصر التنوير **

د. حسن حنفي **
بدأ تصدع الجبهة المعادية للحكومة الفلسطينية. وبدأ الحلف الأوربي الأمريكي الصهيوني في التفكك بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وتعيين وزراء الخارجية والداخلية والمالية من المستقلين لإزاحة ذريعة مقاطعة حماس. وأصبح موقف الرباعية أكثر تفهما لحاجات الشعب الفلسطيني وتطلعاته لحياة كريمة. وبدأت البلاد الشمالية وفي مقدمتها النرويج بكسر هذا الحصار بالتعامل مع حكومة الوحدة الوطنية. فالسلطة الوطنية وليدة أسلو. وكانت روسيا من قبل قد كسرت الحصار بالتعامل مع حماس. وهي الصديق التقليدي لحركات التحرر الوطني في العالم الثالث.
فكيف تسترد أوربا استقلالها عن الولايات المتحدة الأمريكية، وتستعيد ثقتها بنفسها، وتسترد قيادتها التقليدية للعالم قبل بزوغ نجم الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ووراثة أوربا في السيطرة علي مستعمراتها بل واحتلال أوربا نفسها بزرع القواعد العسكرية في ربوعها خاصة في ألمانيا؟ كيف يعود إلي أوربا وعيها المفقود باستقلالها الذي طالما دافعت عنه في فلسفاتها منذ ديكارت وكانط وفشته وباور وهوسرل وبرجسون خاصة في ألمانيا وهي التي تتبع في سياستها الخارجية الانحياز إلي الولايات المتحدة؟
لقد سببت سياسة انحياز أوربا إلي الولايات المتحدة خسارة كبيرة لأوربا وأمريكا ولباقي شعوب العالم. فقد زادت كراهية العالم الثالث لأوربا بعد انضمام بعض دولها خاصة بريطانيا إلي قوات الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، وبعد أن ظنت أن حركات التحرر الوطني قد نجحت في الحصول علي الاستقلال، وتأسيس الدول الوطنية المستقلة. عادت أوربا إلي إرثها الاستعماري بتحالفها مع الولايات المتحدة بعد أن ظنت الشعوب المستعمرة أنها تخلت عنه بعد هزيمة فرنسا في فيتنام والجزائر وانسحاب باقي القوات البريطانية والبرتغالية والأسبانية والهولندية والإيطالية من المستعمرات خارج حدودها. كما جعلت شعوب العالم الثالث تكره الغرب، ثقافة وحضارة ومدنية ومُثـُلا وقيما وتراثا. ووحدت بين أوربا الحضارية وأوربا الاستعمارية الجديدة. وعادت التنوير الأوربي، ومبادئ الثورة الفرنسية، الحرية والإخاء والمساواة، والذي طالما كان نموذجا لفجر النهضة العربية في القرن التاسع عشر سواء في الإصلاح الديني عند الأفغاني أو في الفكر الليبرالي عند الطهطاوي أو في التيار العلمي العلماني عند شبلي شميل. ووقفت أوربا عاجزة عن الدفاع عن إرثها التقليدي ومناطق نفوذها في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وتنازلت عنه طواعية للقوة الأمريكية الجديدة الصاعدة. وهي بتحالفها معها الآن تريد أن تسترد بعضا من عنفوانها الإمبراطوري التقليدي منذ غزوها للهند والقضاء علي إمبراطورية المغول. تلحق بذيل الولايات المتحدة بعد أن كانت في مقدمتها. لم تستطع أوربا كبح جماح المحافظين الجدد الطامحين لإنشاء الإمبراطورية الأمريكية الجديدة كوعد إلهي بإعطائها العالم كله تجاوزا للوعد الإلهي الذي يعطي إسرائيل ليس فقط فلسطين بل أيضا إسرائيل الكبري، من النيل إلي الفرات. لم تستطع أوربا ممثلة في أنظمتها السياسية وليست في شعوبها، تحسين صورة الغرب الأمريكي، وهي تشارك معه جغرافياً في اسم الغرب، وأمريكا تحارب الحركات الدينية في كل مكان بدعوي الإرهاب والعنف وكراهية الولايات المتحدة.
متي تسترد أوربا استقلالها الدفاعي، وتطالب بتفكيك القواعد العسكرية الأمريكية من علي أراضيها وسجونها السرية للمخطوفين السياسيين بدعوي القضاء علي الإرهاب ومحاكمة الإرهابيين كما هو الحال في سجون غوانتنامو وأبي غريب؟ لقد انتهي الخطر الأحمر وراء الستار الحديدي الذي من أجله أقيمت هذه القواعد وحلف شمال الأطلنطي بانتهاء الحرب الباردة، وسقوط الأنظمة الاشتراكية، واستتباب الأمر لعالم ذي قطب واحد، وعولمة جعلت العالم كله سوقا لمجموعة الدول الثمانية التي لا يستطيع أن ينافسها أحد مما أدي إلي احتكار معظم الإنتاج الصناعي الثقيل في العالم.
إن أوربا جغرافياً وسط العالم القديم. تقع في منطقة متوسطة بين أفريقيا جنوبا والبلاد الاسكندنافية شمالا وروسيا شرقا. وبين هذه الجهات الثلاث هناك اتصال أرضي بين أوربا والشمال، وبين أوربا والشرق، واتصال بحري عبر البحر الأبيض المتوسط جنوبا والذي لا يبعد شاطؤه الشمالي في أسبانيا مثلا عن شاطئه الجنوبي في المغرب أكثر من عشرين كيلومترا في مضيق جبل طارق أو مائتي كيلومتر بين جزيرة جربة في تونس وجزيرة صقلية في جنوب إيطاليا. أما في الغرب فيفصل أوربا عن الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من خمسة آلاف كيلومتر. يفصلها المحيط الأطلنطي بأكمله. أوربا وآسيا وأفريقيا في نصف الكرة الشرقي، وأمريكا في نصف الكرة الغربي. فالأقرب إلي أوربا جغرافياً الضفة الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط وشرق الأورال في آسيا ابتداء من أوربا الشرقية. أفريقيا وآسيا خاصرتان لأوربا في الجنوب والشرق. ربط أوربا بآسيا طريق الحرير، من الصين حتي البندقية. وربطت أوربا بشمال أفريقيا فرنسا فيما وراء البحار، وبأفريقيا تجارة العبيد.
وأوربا تاريخيا وحضاريا علي علاقة بمحيطها الإقليمي منذ آلاف السنين قبل الهجرات الأوربية إلي العالم الجديد بعد كولومبوس منذ ما يزيد قليلا علي خمسة قرون. كانت اليونان القديمة علي صلة دائمة بمصر كعبة العلم، وبالشام، أرض كنعان، وببابل وآشور وحضارات ما بين النهرين كما عرض مارتن رينال أخيرا في "أثينا السوداء". والعلاقات بين فارس والهند وأوربا منذ قديم الزمان حتي أن اللغات الأوربية تسمي اللغات الهندية الأوربية في مقابل اللغات السامية. كانت أوربا في النهضة الحديثة في أفريقيا وآسيا نموذجا للتحديث، في تركيا ألمانيا، وفي الهند وفي السودان واليمن والخليج بريطانيا. وفي المغرب العربي وسوريا ولبنان فرنسا. ولم تظهر أمريكا في المنطقة العربية إلا بعد الثورات العربية الأخيرة في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وفرض سياسة الأحلاف علي القوي السياسية الجديدة التي مثلها الضباط الأحرار، حلف بغداد، الحلف الإسلامي، وسياسة المحاور، محور الرياض ــ طهران ــ كراتشي. بدأت أمريكا بإدانة العدوان الثلاثي علي مصر، وإنذار ايزنهاور الشهير المتزامن مع الإنذار الروسي. ثم عادت الولايات المتحدة حركة التحرر العربي الممثلة في القومية العربية، وأيدت تأييدا مطلقا إسرائيل وحروبها التوسعية حتي الآن.
كانت لأوربا رسالة حضارية في عصورها الحديثة، القضاء علي الإقطاع والملكية والكنيسة ومحاكم التفتيش وكل رموز القهر والتسلط. واعتمدت علي العقل لفهم قوانين الطبيعة التي يمثلها نيوتن وفي قوانين المجتمع ونظرية العقد الاجتماعي الذي يمثلها روسو. ودافعت عن قيم الحرية والديمقراطية. وفيها تم الإعلان الأول والثاني لحقوق الإنسان والمواطن. وقد جسدتها أيضا مُثـُل التنوير: العقل والحرية والطبيعة والمساواة والتقدم والتحديث. وقد قامت الثورة الأمريكية علي هذه المثل كما عبر عنها الدستور الأمريكي ووثيقة الاستقلال. أما أمريكا فلم تكن لها منذ نشأتها رسالة. إنما قامت منذ البداية علي الغزو والنهب والسلب واستئصال الشعوب الأصلية والعبودية والبحث عن الذهب. ومازالت صورة الأمريكي في أذهان الناس، صورة راعي البقر والمسدسات وسرقة الأبقار واغتيال أصحابها. قارة زرع فيها الرجل الأبيض حضارته، وشعب بلا وعي تاريخي. لا يدرك إلا الآني. عقدته الشعوب ذات الحضارات العريقة مثل مصر والعراق والصين.
أوربا هي التي اكتشفت أمريكا بداية من أسبانيا بعد أن غادرها المسلمون وسقطت غرناطة، بفضل خرائط العرب ونظرياتهم في كروية الأرض. والأوربيون هم الذين عمروها وصنعوها وجعلوا منها القوة الأولي في العالم. فكيف يكون الأصل تابعا للفرع، والأب تابعا للابن؟ أمريكا من صنع المهاجرين والمغامرين الأوربيين، فكيف يكون الأوربيون عبيدا لما صنعوه بأيديهم، عبدة للأصنام؟ إن أمريكا الأسطورة التي بنتها نفسها كما فعلت إسرائيل غير أمريكا الواقع والحقيقة. أمريكا القوية ينخر فيها الضعف، ضعف المبادئ والسياق اللاأخلاقي الذي يتم فيه استعمال القوة. أمريكا بوتقة الانصهار تمارس أبشع أنواع التمييز العنصري طبقا للون بين السود والملونين والبيض، وتقتل أنصار الحقوق المدنية والمساواة بين الأعراق مثل مارتن لوثر كينج. ويمارس أنصار كلوكلس كلان أبشع أنواع الاضطهاد العنصري باسم الدين وحماية له. تدافع عن الحرية وتقضي علي الحريات العامة كما حدث في عصر مكارثي. تؤسس الديموقراطية وتتجسس علي أحزاب المعارضة كما هو الحال في حادثة "ووترجيت" الشهيرة. تدافع عن قيم العالم الحر وتغزو أفعانستان والعراق. تهدد إيران وسوريا، وتعبث بمصالح لبنان والسودان. تحكمها المصالح ورجال الأعمال والشركات الكبري، والمجمع الصناعي العسكري والهوس الإمبراطوري وجماعات الضغط والمنظمات الصهيونية.
فما لأوربا وهذا كله؟ ألا تستطيع أوربا أن تفك الارتباط مع هذه القوة الغاشمة الجديدة وتعود إلي أصولها التاريخية والثقافية، وتسترد موقفها السياسي باعتبارها ميزان الثقل في العالم، وسطا بين الشرق والغرب مثل الوطن العربي، لا يميل شرقا أو غربا؟ عندئذ يعود للعالم اتزانه، وللعقل حركته، وللحقيقة نبضها.

Azzaman International Newspaper - Issue 2662 - Date 5/4/2007

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2662 - التاريخ 5/4/2007

AZP02
HSHN