صلات الرحم تربط بين الشاه ومحمد علي والضباط الاحرار استلهموا مبادئ ثورة المشروطية في طهران **
العرب والاتراك والايرانيون قادرون علي بناء تكتل يقيهم التقسيم **

د. حسن حنفي
في عصر التكتلات السياسية والاقتصادية الكبري وعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوربي ومجموعة الثمانية، يقف الوطن العربي وحيدا مجزءا إلي أقطار ومهددا بالتقسيم إلي دويلات طائفية، شيعية وسنية، وإسلامية وقبطية، أو عرقية، عربية، كردية، بربرية، زنجية، ثم إشعال الحروب بينها حتي تتحول إلي فتات تابع للتكتلات الكبري. وحاولت دول أخري إقامة تكتلات مماثلة في أمريكا اللاتينية، النافتا، وفي أفريقيا، الاتحاد الإفريقي، وفي الوطن العربي، الجامعة العربية، وفي العالم الإسلامي، منظمة المؤتمر الإسلامي، وفي عالم النفط، منظمة الأوبك، وفي جنوب شرق آسيا، الآسيان، وأخيرا مجموعة الدول الإفريقية الآسيوية الأربع وعشرين ومركزها أندونيسيا، وماليزيا، وإيران، وتركيا، ومصر، ونيجيريا لتنشيط دول مؤتمر باندونج وتحويله من مستوي الوجدان إلي مستوي الفعل بعد ما يزيد علي نصف قرن. ومع ذلك ظلت ضعيفة صورية خطابية. لا تستطيع الصمود أمام التكتلات الكبري. وليس لها ثقل سياسي لأنها خالية من الثقل الاقتصادي الذي تستطع به منافسة التكتلات الكبري في السوق طبقا لحرية المنافسة وفي عصر العولمة. فهل تستطيع مصر والوطن العربي مع دول الجوار، تركيا وإيران، تكوين تكتل سياسي اقتصادي يحميها من التجزئة والتفتت والتقسيم ويجعلها قادرة علي الصمود أمام التكتلات الكبري، وربما تكوين بؤرة لبداية قطب ثان في إفريقيا وآسيا قادر علي أن يواجه القطب الأول في عالم متعدد الأقطاب؟
إن التاريخ المشترك بين مصر وتركيا ظل أكثر من خمسة قرون منذ فتح سليم الأول مصر عام 1517. وظلت درة الخلافة العثمانية كما كانت الهند في عصر الاستعمار درة التاج البريطاني. وبسبب نظام السخرة ونظام الالتزام والتسلط التركي ومركزية الباب العالي، والنظام المللّي وقهر شعوب البلقان بدأ ضعف الخلافة العثمانية. ومع ذلك حاول محمد علي إحياءها من مصر بتأسيس دولة قوية جديدة أكثر استنارة من دولة الخلافة. وظلت العلاقة بين مصر وتركيا حتي القرن العشرين إبان حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار البريطاني في الحكم والمصاهرة.

التراث الاسلامي
وظلت نفس العلاقة المتينة بين مصر وإيران، أقوي دولتين في العالمين السني والشيعي. بينهما صلات رحم بين الأسرتين الحاكمتين، الشاه ومحمد علي، وأواصر صداقة بين الشعبين. جمعهما التراث الاسلامي خاصة الشعر والتصوف، الفردوسي والرومي، والخيام وإقبال. وسبقت الثورة المصرية في 1952 بقيادة الضباط الأحرار، الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الأئمة الأحرار. واستلهمت تأميم القناة في 1956 من تأميم مصدق النفط في 1954، وهروب الشاه بعد مغادرة ملك مصر والسودان البلاد. وظلت الثورة المصرية تؤيد زعماء الثورة الإيرانية بالمال والسلاح بعد عودة الشاه عن طريق العراق ضد العدو المشترك، أمريكا وإسرائيل. ثم بدأت القطيعة بين البلدين بعد انقلاب الثورة المصرية علي نفسها وتحولها إلي ثورة مضادة أثناء الجمهوريتين، الثانية في السبعينيات علي مدي عقد من الزمان، والثالثة في الثمانينيات حتي الآن علي مدي ثلاث عقود من الزمان. ومازالت مستمرة بالبقاء في السلطة مدي الحياة أو بمخططات التوريث وتعديلات الدستور وتأييد الولايات المتحدة وإسرائيل. بل تحالفت الثورة المضادة مع الولايات المتحدة في سياساتها الأمنية في الوطن العربي، وفي غزوها للعراق، وعقدها معاهدة صلح مع إسرائيل، وهي مازالت تحتل أراضي ثلاث دول عربية.
إن القومية العربية ليست أيديولوجية سياسية مغلقة بل مفتوحة علي دائرة أوسع هي العالم الإسلامي. والعروبة ليست بأب أو أم أي مفهوما عرقيا. إنما العروبة هي اللسان. فكل من تكلم العربية فهو عربي. وقديما تمت التفرقة بين العرب العاربة والعرب المستعربة. وربما كل العرب خارج شبه الجزيرة العربية وصحراء الشام الامتداد الطبيعي لها عرب مستعربة. فإعادة صياغة حدود القومية العربية بحيث تشمل دول الجوار غير العربية التي أخذت الإسلام دون اللسان تفترضه طبيعة التكتلات الكبري الحالية، وتتجاوز بعض أوجه النقص في ممارسات النظم السياسية التي حكمت باسم القومية العربية في مصر وسوريا والعراق.
إن تكتلا سياسيا اقتصاديا جديدا بين مصر وتركيا وإيران يضم أكثر من مائتي مليون نسمة في نفس حجم سكان أوربا، وأمريكا، واليابان. وتستطيع مصر أن تستدعي الوطن العربي معها، فهي بؤرته. والعالم الإفريقي معها فهي جزء منه. وتستطيع تركيا وإيران أن تجلب معها أواسط آسيا بما في ذلك باكستان وأفغانستان، وجنوب شرق آسيا، أندونيسيا وماليزيا. فيعاد إحياء حركة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا من جديد، قلب باندونج بعد نصف قرن. الإمكانيات السكانية والصناعية بلا حدود. تعتمد علي النفط والصناعات المدنية والعسكرية، والمنطقة الاستراتيجية والعمالة، السواعد والعقول، والأسواق، والاتصال البحري والبري، والإرث التاريخي المشترك، والثقافة الإسلامية الجامعة بين الشعوب. ومياه النيل ودجلة والفرات قادرة علي جعل الزراعة مكتفية بذاتها بدلا من الصراع حولها بين سوريا والعراق من ناحية وإيران من ناحية أخري، وحول مياه النيل بين الدول المطلة علي حوضه. يستطيع هذا التكتل الجديد أن يحافظ علي عروبة فلسطين، واستقلال دولة فلسطين، واسترداد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. كما يستطيع أن يقدم كل وسائل العون والحماية لدول الخليج التي هي مفترق الطرق بين العرب وإيران، والجسر الثقافي بين السنة والشيعة، وإحياء إعلان دمشق بدلا من المظلة الأمريكية الإسرائيلية. وبالتالي ينتهي التناقض بين السنة والشيعة، بين العرب وإيران. كما تبتعد تركيا عن إسرائيل. وقد بدأ. وتستقل عن الولايات المتحدة الأمريكية. وتبدع نموذجا جديدا للتطور والتنمية بعد النموذج الغربي الذي اختارته الثورة الكمالية في ظروفها التاريخية الأولي أثناء ضعف الخلافة ونهايتها. كما تجد مصر عونا جديدا لها بدلا من الاعتماد الكلي علي الغرب والولايات المتحدة في تنميتها وقضاياها الوطنية. كما يساعد التكتل الجديد علي تحرير العراق واسترداد استقلاله ووحدة شعبه وأرضه، وعلي الدفاع عن سوريا ضد مخاطر التهديد الإسرائيلي الأمريكي. بل يساعد علي انصهار فرقاء النضال والخصوم السياسيين في إطار وطني واحد، في لبنان والمغرب العربي والسودان والصومال، ونزع فتيل التوتر في شبه الجزيرة العربية، وحماية الأمن القومي الخليجي من الإحساس بالخطر الإيراني النووي والمذهبي.
والصحوة الإسلامية الحالية عنصر مشترك في مصر وتركيا وإيران بأجنحتها المختلفة السلفية والإصلاحية، الليبرالية والاشتراكية. وليس فقط التاريخ المشترك علي مدي آلاف السنين منذ ظهور الإسلام بل أيضا الثقافة المشتركة التي توحد بين الشعوب. وكلاهما يوفران الحد الأدني من التضامن بينها. لقد منعت تركيا مرور القوات الأمريكية فوق أراضيها لغزو العراق من الشمال، واستعمال القاعدة الأمريكية انجرليك لضرب العراق. والآن تبتعد تدريجيا عن إسرائيل، والتعاون معها في الصناعات العسكرية، وتأييد سياساتها الاستيطانية التوسعية. فقد وجدت في العرب البديل عن الغرب، وفي مصر البديل عن إسرائيل. يستطيع هذا الثلاثي الجديد أن يحل باقي المشاكل العالقة بين تركيا والعرب مثل لواء الاسكندرونة علي الحدود السورية التركية، وقضية الأكراد علي الحدود العراقية التركية الإيرانية، وقضية التقسيم العادل لمياه دجلة والفرات بين العراق وسوريا وتركيا في عصر تشتد فيه أزمة المياه، وربما الحرب القادمة في المنطقة هي حرب المياه. كما يستطيع هذا التجمع حل مشاكل الجزر الإماراتية بما يحقق حسن الجوار علي ضفتي الخليج في إطار من محافظات التكامل في مناطق النزاعات الحدودية التي تركها الاستعمار من أجل بث الفرقة بين الدول العربية والإسلامية. وفي هذه الحالة لا تخاف مصر من المد الإسلامي إذ يصبح الإسلام أحد عناصر التعاون والترابط والحياة المشتركة. وينتهي الخوف من الخلاف السني الشيعي أو المناطق الحدودية مثل عربستان، وحول تسمية الخليج العربي أو الفارسي. فالإسلام تجمع حضاري وليس جغرافيا. كما يحل النزاع بين سوريا وتركيا حول حزب العمال الكردستاني، وبين مصر وإيران حول التوجهات السياسية من أجل عودة العلاقات بين البلدين بعد انقطاعها علي أكثر من ربع قرن وهو ما لا يحدث في العلاقات الدولية، وكأن إيران تمثل خطرا علي مصر أكثر من إسرائيل. كما ينتهي خوف إيران من ضربها من الولايات المتحدة الأمريكية عبر المنطقة العربية. وخوف الخليج من الخطر النووي المذهبي الإيراني.

صراعات مذهبية
إن تحقيق كومنولث بين مصر وتركيا وإيران يعيد التوازن إلي المنطقة بدلا من ميل العرب نحو الغرب الأمريكي ومناهضة إيران له، وميل العرب إلي الصلح مع إسرائيل في مبادرة السلام العربية وخارطة الطريق وإنشاء دولة فلسطين في 1967، وميل إيران إلي تحرير فلسطين من البحر إلي النهر، فلسطين 1948 وفلسطين 1967. وهو الذي يحمي المنطقة من الصراع المذهبي والعرقي وإقامة تجمع سني في آسيا وأفريقيا لمحاصرة المد الشيعي في العراق. وهو الذي يعيد المعركة إلي جبهتها الأصلية في فلسطين وحماية الأمة من الهيمنة الغربية الأمريكية بدلا من تغييب المعركة والانحراف بها إلي الداخل بين المذاهب والطوائف والأعراق.
وكما أن العصر هو عصر التكتلات الكبيرة فإنه أيضا عصر الاستراتيجيات الكبري التي يضعها الخيال السياسي ومسار الأمم في التاريخ.

Azzaman International Newspaper - Issue 2659 - Date 2/4/2007

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2659 - التاريخ 2/4/2007

AZP02
HSHN