|
|
|
الاهانـــة والتحــدي ** د. حسن حنفي ** جرت العادة في فلسفات التاريخ أن يُقرن التحدي بالاستجابة. فكل تحدي له استجابة. ولكن في الوطن العربي يقرن التحدي بالاهانة. فالاهانة تبدأ أولا وتتكرر وتتراكم حتي تأتي لحظة التحدي والرفض لها والانتفاضة ضدها والثورة عليها. وفي هذه اللحظة التاريخية، مفترق الطرق، تتكرر الاهانات واحدة تلو الأخري وكأن المواطن أصبح بلا كرامة، والوطن بلا شعب ودولة، وأن الساحة العربية كلها أصبحت بلا صاحب تفعل فيها القوي الخارجية كما تشاء، وتلعب في أحشائها كما تريد. وتجري العمليات الجراحية واستئصال الأعضاء، وتغيير مجري الشرايين، وزرع الأعضاء الصناعية بما في ذلك القلب كما تهوي وتخطط. والوطن في حالة تخدير، جثة هامدة. تفعل فيه يد كبير الجراحين وفريقه ما يشاء. أصبح صدر المواطن عاريا يصوب اليه من يشاء، وسماء الوطن مفتوحة يخترقها من يريد، وأرضه بلا ثغور ولا حدود، يدهسها كل غازٍ. مع أن مهمة الامام في الفقه القديم "الذب عن البيضة" بتقوية الثغور والدفاع عن الحدود. فالوطن كالبيضة ان لم يتم الدفاع عنه انكسرت قشرتها أي ارادتها، وسال بياضها بالدموع، وصفارها بالدم. تسيل الدماء في العراق بالمئات كل يوم علي مدي أربع سنوات وكأن المواطن لا وطن يحميه، ولا نظام سياسي يدافع عنه، ولا دولة تعطيه الأمان كما أعطته عبر التاريخ، "وامعتصماه". وتثار النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية فيه لتؤجج نار الحرب الداخلية لتهميش المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الأمريكي، وابعادها عن الأنظار. ويُقتل النساء والأطفال والشيوخ بدك المنازل بدعوي البحث عن رجال المقاومة. ويذبح الجرحي في المساجد. فلا حياة للمسلمين ماداموا يحبون الموت، ويعشقون الشهادة، وينالون الحياة الأبدية. ويطلق النار علي كل مقاوم كما كان يطلق النار علي كل شيء يتحرك في فيتنام. فلا مكان للأسري بالرغم من الاتفاقيات الدولية التي تنظم قواعد الحرب ومعاملة المقاتلين والأسري. وتسيل الدماء في فلسطين كل يوم. تخترق المدن، وتدهم المنازل، ويحاصر الأحياء، ويؤسر المقاومون ويؤخذون في العربات المصفحة، والأيدي فوق الرؤوس أمام الجند المدجج بالسلاح. فالوطن بلا كرامة، والسلطة بلا حضور، والمواطن بلا ستار أو غطاء يحميه. وفي الوقت نفسه تـُطالب المقاومة بالتوقف ونزع السلاح والاعتراف بالعدو المحتل من دون مقابل الا بوعود كلامية، دولتين متعايشتين، جنبا الي جنب. ثم جاءت الصومال، والدول الثلاث العراق وفلسطين والصومال أعضاء في جامعة الدول العربية الاثنين وعشرين، لتقع تحت الاحتلال الحبشي بدعوي نصرة فريق علي فريق، وتأييد الدولة ضد خصومها السياسيين، والدفاع عن السلم ضد الارهاب، وعن النظام ضد الفوضي، وعن التحضر والتمدن ضد القاعدة والطالبان. وتتفشي الكوليرا لدي الفقراء بسبب الماء غير الصالح للشرب. فالكل يتصارع علي السلطة. ولا أحد يدافع عن الشعب مع أن السلطة للشعب. وما يحدث في دول الجوار الاسلامي، أفغانستان والشيشان وكشمير، هو امتداد لما يحدث في الوطن العربي. ويتم الغزو الأجنبي للدول الثلاث بطريقة القرن التاسع عشر، والاستعمار في أوجه. والغزو العسكري والاحتلال المباشر هي وسيلة التخاطب بين الشعوب. فالحق هو القوة. والقوة هي الحق. وتأتي أصوات الاستغاثة عن بُعد من المسلمين في بورما وتايلاند، أصوات بعيدة تنضم الي الأصوات القريبة في فلسطين والعراق. ويُعلق أحد الرؤساء العرب علي المشنقة هو ورفاقه حتي انفصال الرأس عن الجسد بمحاكمة غير شرعية ودفاع منقوص وأحكام مسبقة صدرت. فلا مانع اليوم من اليد الطويلة، والقوة القاهرة. والقاهر للداخل لا يقوي علي صد القهر من الخارج حتي لو تحالف معه. والدرس لكل رئيس عربي يخرج علي بيت الطاعة. وتظل الصورة في الذاكرة الوطنية. ولا يتحملها حتي الأطفال. فيشنقون أنفسهم طوعا في اليمن وباكستان. ويتحول الرئيس من ظل الله في الأرض الي أسطورة في التاريخ مثل المسيح علي الصليب، ويتحول الطغاة الي شهداء. ويُعلن كل يوم عن أن القوات الأمريكية وجدت في الخليج لتبقي، وأن بقاءها ليس مرهونا بما يدور في العراق أو فلسطين أو ايران أو سوريا أو لبنان بل دفاعا عن المصالح الأمريكية في المنطقة، النفط وعوائده، والمواقع الاستراتيجية والأسواق ومناطق النفوذ. فالحرب الباردة لم تنته بعد. والامبراطورية الأمريكية للمحافظين الجدد مشروع متواصل، من رئيس الي رئيس، ومن ادارة الي ادارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتي اندلاع الحرب العالمية الثالثة. ويُعلن عن بناء أكبر قاعدة عسكرية في شمال العراق للتنسيق مع قاعدة انجرليك في تركيا لحصار الاتحاد السوفياتي من الشمال والجنوب. فالأرض لا صاحب لها، وكما فعلت الصهيونية في فلسطين وبداية الهجرات اليهودية منذ أوائل القرن الماضي، شعب بلا أرض في أرض بلا شعب. وتبني قاعدة ثالثة في قازخستان، أكبر قاعدة في آسيا، حتي يتم حصار آسيا كلها من الجنوب والغرب. الشمال جليد، والشرق الصين هي الهدف من الحصار. ويتم تهديد سوريا ولبنان وايران كل يوم. فسوريا تؤيد المقاومة في العراق وطريق ايصال الأسلحة الي حزب الله في جنوب لبنان. وترفض الصلح مع اسرائيل والجولان محتل. وهي آخر من تبقي من النظام العربي القديم والمشروع القومي العربي في مناهضة الاستعمار والصهيونية في الخارج، وتحقيق الوحدة والاشتراكية في الداخل. والمطلوب من المقاومة في لبنان نزع السلاح وجزء من التراب الوطني مازال محتلا، ومطلوب أيضا التخلي عن القضية الفلسطينية والهم العربي وأن تكون جزءا من المشروع الأمريكي الصهيوني للبنان والوطن العربي. وتُهدد ايران لأنها تجرأت علي الدفاع عن ارادتها الوطنية وحقها في امتلاك الطاقة النووية حتي للأغراض السلمية، وأربعون دولة تمتلك هذه الطاقة. ومن دول الجوار من حولتها الي سلاح نووي في اسرائيل والهند وباكستان وكوريا في الشرق. وأمريكا لا تهددها بالعدوان طبقا للمعيار المزدوج الذي يمارسه الغرب في سياساته الداخلية بين البيض والسود، بين المواطنين والمهاجرين، وفي سياساته الخارجية بين اسرائيل والدول العربية والاسلامية. ويطالب لبنان بقبول محكمة دولية للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء السابق، تحقيقا سياسيا وليس جنائيا مع تجاوز نظام القضاء اللبناني. وفي الوقت نفسه تتم تبرئة دولة صربيا من جرائم البوسنة والهرسك، وذبح الآلاف من المسلمين في المناطق الآمنة التي أعلنتها الأمم المتحدة. ولا يتم التحقيق دوليا في اغتيال عالم الذرة المصري المشد، ولا في وقوع الطائرة المصرية المدنية بالقرب من نيويورك، ولا في اغتيال اسرائيل لأبي جهاد في تونس أو أبي عمار في رام الله أو في مقتل مئات من المصريين العزل الأسري في سيناء في عدوان 1967 أو في العدوان الأمريكي علي العراق وأفغانستان أو الاسرائيلي علي فلسطين أو الروسي في الشيشان أو الهندي علي كشمير. وتستمر الاهانات بخضوع النظم السياسية لارادة الأجنبي المحتل مثل تأييد خطة بوش الأخيرة لتحقيق الأمن في العراق والمقاومة تزداد كل يوم وتشتد. وتقبل دول عربية مركزية أن تكون طوقا للاعتدال ضد مخاطر نظم عربية أخري أو مع دول الجوار متهمة بالتطرف. فيقسم الوطن العربي علي محاور ومناطق نفوذ طالما قاومها في تاريخه الحديث قبل الثورات العربية في النصف الأول من القرن العشرين أو بعدها في النصف الثاني منه. وأخيرا نشأ طوق آخر من دول سنية لاحكام الطوق حول الدول الشيعية لقسمة العالم الاسلامي قسمة داخلية بدلا من مواجهة العدوان والهيمنة الخارجية. وتحولت دول الطوق من حصار اسرائيل الي حصار ايران. وتستمر الاهانات وتزداد يوما وراء يوم. فيتعود عليها المواطن فيقبلها، ويستسلم لها، بعدها القاعدة وليس الاستثناء. وتتأثر نفسية الشعوب وتفقد احترامها لذاتها، وتتعود علي الاهانة وهي تصارع من أجل لقمة العيش وغريزة حب البقاء. وتتحول الاهانات المتكررة الي ذاكرة جماعية وتخلق وعيا تاريخيا بالرضا والقبول والاستكانة والاستسلام للأمر الواقع. ويصاب بالفتور واللامبالاة كما وصف الكواكبي في "أم القري". وينعزل المواطن والشعب عن العالم. وينكمش علي ذاته ويتحول الي محميات كما حدث للهنود الحمر في الولايات المتحدة، بعد أن تعود علي العجز. ووجد مهربا له وخلاصا في الطرق الصوفية وقيم الفقر والصبر والرضا والتوكل والقضاء والقدر والاستسلام. ومع ذلك فالكرامة الانسانية والاحترام الذاتي جزء لا يتجزأ من الوجود الانساني. يحميه من الضياع والاندثار. يتمسك به بالقلب وان استعصي الكلام باللسان أو التغيير باليد. يظهر في مقاومة المثقفين الوطنيين ومظاهرات الطلاب. ويندلع بين حين وآخر في الحركات الشعبية للعمال والنقابات والاتحادات. وينفجر في الانتفاضات الشعبية مثل انتفاضة الخبز في يناير 1977، وانتفاضة الفقر للأمن المركزي في يناير 1986، ويتفجر في الثورات الوطنية مثل ثورة عرابي في 1882، وثورة 1919، وثورة يوليو 1952، فكما أن كل تحد له استجابة فكذلك كل اهانة لها تحد »ويقولون متي، قل عسي أن يكون قريبا«. Azzaman International Newspaper - Issue 2645 - Date 17/3/2007 جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2645 - التاريخ 17/3/2007 AZP02 HSHN |