الشريعة والدستور **

حسن حنفي
مفكر مصري
كثر الحديث في الصحف هذه الأيام عن الشريعة والدستور، وهل تترك المادة الثانية في الدستور "الشريعة الإسلامية أحد المصادر الرئيسية لللتشريع" كما هي دون تعديل كما تريد الدولة، أو تبقي وتعدل في صيغة أكثر تشددا إلي المصدر الرئيسي للتشريع كما يريد التيار الإسلامي والجناح المحافظ في الإخوان المسلمين، أو تحذف نهائيا كما يريد التيار العلماني والإخوة الأقباط.
وهي قضية مفتعلة. المقصود بها ملء مادة في الصحافة، وزيادة الفرقة بين الناس، وإشعال حرب أهلية بين التيارات الفكرية والسياسية الأساسية في مصر، بين الإسلاميين والعلمانيين، كي يضعف جناحا المعارضة الرئيسيان في مصر، وبين المعارضة والدولة لإذكاء الخلاف حول موضوع فقهي نظري صرف لإبعاد النظر عن سياسات الدولة، التبعية والتحالف في الخارج، والقهر والفساد في الداخل. تخرج فيها الدولة منتصرة علي خصومها السياسيين لتظهر أمام الناس كأنها الحامي للوحدة الوطنية والتي تمثل الاعتدال والتوسط ضد التطرف والعنف.
ليس المقصود هو الظاهر، الخلاف علي مادة في الدستور بل تكشف صراعا مكبوتا علي السلطة بين الإسلاميين والعلمانيين وإشعال الحرب بين الإخوة الأعداء. كل فريق يتصور أنه الوريث للدولة الأمنية والنظام السياسي الحالي الذي وصل إلي طريق مسدود متوقفا عن السير، تدب فيه عناصر التفكك الاجتماعي والسياسي، وتحول إلي شلل متصارعة وجماعات ومصالح متضاربة. المقصود أيضا كسب الدولة معركة تعديل الدستور ضد خصومها السياسيين. وكلها، المعارضة والدولة، تتملق أذواق الجماهير وقناعتها بالإسلام، عقيدة وشريعة، ويُزايد كل فريق علي الآخر، يُزايد الإسلاميون علي العلمانيين في المحافظة علي التراث والدفاع عن الهوية وتطبيق الشريعة الإسلامية وإيمان المجتمع. ويُزايد العلمانيون علي الإسلاميين في الحداثة والمدنية والمواطنة. خطاب الفريق الأول موجه إلي الداخل لكسب الأصوات. وخطاب الفريق الثاني موجه إلي الخارج لكسب الدعم الخارجي. وتزايد الدولة علي خصومها السياسيين تعبيرا عن الإجماع الوطني والرؤية الوسطية التي تلم الشمل وتحمي الوحدة الوطنية.
وهي قضية نظرية خالصة لا ينتج عنها أي أثر عملي. فسواء بقيت هذه المادة في الدستور أم أُلغيت، وسواء ظلت علي صياغتها التوافقية الحالية أم عُدلت نحو أحد التيارين المتعارضين فإن الدولة الأمنية باقية. والأمر كله مجرد ذر للرماد في العيون. فالدولة أول من يخرق بنود الدستور، بقانون الطوارئ والحبس الاحتياطي الذي يتجدد بمجرد إفراج النيابة عن المعتقلين لمدة أسبوعين، بحد أقصي ستة شهور أي اثنا عشرة مرة! ورجال الدولة وهم رجال الأعمال هم بؤرة الفساد. يجمعون بين السلطة والثروة. ويتعاملون مع الخارج قبل الداخل. كل ذلك إشغال للناس وللرأي العام بعيدا عن سياسات الدولة الخارجية، وترك العراق يُذبح علي مدي أربعة سنوات، وفلسطين يُصفي دم شعبها منذ الانتفاضة الأولي علي مدي عشر سنوات، واحتلال الصومال، ومخاطر تفتيت السودان، وتهديد سوريا وإيران وحزب الله والمقاومة في لبنان. كما أنه إبعاد لهم عن قضايا القهر والفساد وتزوير الانتخابات والمواجهة مع الإخوان والقضاء والجامعات والنقابات والاتحادات وأحزاب المعارضة وحركات المجتمع المدني.
إن الشريعة ليست كلا صامتا جامدا ثابتا متحجرا صلبا عبر التاريخ بل هي متجددة متغيرة بتغير الظروف والمصالح، وبتبدل الزمان والمكان. الشريعة تعبير عن واقع كما يتضح ذلك من "أسباب النزول". الواقع يسأل والشريعة تجيب )ويسألونك عن الأهلة (، ) ويسألونك عن المحيض (،) ويسألونك عن الخمر(، )ويسألونك عن الأنفال (، والإجابة) قل (. ومعظمها إجابات عملية تهدف إلي تحقيق مصالح الناس، الأهلة لمعرفة المواقيت، والمحيض أذي يوجب الاعتزال عن النساء. والخمر بها مضار للصحة والعقل والمال. ولا جواب عن أسئلة نظرية لا ينتج عنها أثر عملي مثل )ويسألونك عن الروح(. وهناك أسئلة انتهي عصرها مثل السؤال عن الأنفال والغنائم. فلا توزع غنائم الحرب، في حالة الانتصار اليوم، سلاحا وعتادا وإماء علي المحاربين بل تصبح ملكا للدولة. والأسري، نساء ورجالا، تحميهم المواثيق والمعاهدات الدولية. والشريعة متغيرة بتغير الزمان بدليل "الناسخ والمنسوخ". فالأحكام الشرعية متطورة بتطور الزمان كما هو الحال في تحريم الخمر الذي تدرج كما هو معروف، من الضرر إلي عدم شربه وقت الصلاة إلي اجتنابه كلية. وأحيانا يتجاوز الواقع والزمان أحكام الشريعة مثل أحكام الغنائم والإماء والصيد. وقد أوقف عمر العمل بحد السرقة عام المجاعة كما هو معروف. وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم. وأفتي محمد عبده بجواز أخذ فوائد التوفير نظرا لانخفاض العملة عبر الزمان، وأفتي آخرون بإيقاف تعدد الزوجات كحق مطلق استنادا إلي تعليقه علي شرط مستحيل وهو العدل بينهن. ورأي آخرون إبقاءه بعد إخطار الزوجة الأولي. وشكلت لجان لإعادة تقنين الشريعة طبقا لأحوال العصر، وإعطاء صياغات جديدة لقانون الأحوال الشخصية بدلا من توقف المطلقات والأرامل واللاتي يهاجر أزواجهن إلي مناطق جذب العمالة دون إخطار زوجاتهم. كل منهن تحمل علي ذراعيها وليدها أو تجر في أذيالها أبناءها وبناتها.
ولا الدساتير أيضا ثابتة، ولا شريعة نابليون التي اعتبرها الطهطاوي متفقة في روحها مع الشريعة الإسلامية أيضا ثابتة إلي يوم الدين. لذلك يدرس طلاب الحقوق تاريخ القانون لبيان تطوره عبر العصور. وتتغير القوانين الحديثة من عصر إلي عصر، ومن شعب إلي شعب، ومن ثقافة إلي ثقافة في القانون الجنائي والقانون المدني، وقانون المرافعات. والقانون التجاري يعكس موازين القوي الاجتماعية والتركيب الطبقي للمجتمع، والقانون الدولي العام والخاص تسيطر عليه القوي الكبري في صياغاته وأهدافه، ويعبر عن موازين القوي الدولية في كل عصر. وطالما أدخلت تعديلات علي كل الدساتير كملاحق لها. بل قد تتغير بتغير النظام السياسي من ملكي إلي جمهوري، والنظام الاقتصادي من رأسمالي إلي اشتراكي. والدستور المصري الحديث ليس ثابتا بل أعيدت صياغته عدة مرات منذ دستور 1923 إلي دستور 1971.
وتختلف مدارس القانون في فهم طبيعة القانون بين أكثرها محافظة وأشدها تحررا. فالمدرسة المحافظة تعتبر القانون تعبيرا عن الإرادة الإلهية. وهو عام شامل مطلق مثلها لا يتغير بتغير الزمان والمكان. وتراه المدرسة العقلية تعبيرا عن العقل الخالص. والعقل أيضا ثابت لا يتغير، العقل البديهي البسيط. وتراه المدرسة الطبيعية تعبيرا عن الطبيعة الإنسانية وبنيتها الفطرية. وهي أيضا ثابتة لا تتغير. فالإنسان إنسان منذ الخلق حتي البعث. ويبدأ التصور الاجتماعي المتغير للقانون ابتداء من المدرسة الاجتماعية والتطورية التي تعتبر القانون تعبيرا عن نظام المجتمع. يتطور بتطور المراحل التاريخية للمجتمعات. وتاريخ التشريع ونظام القرابة شاهد علي ذلك. ومنها من يعتبر القانون انعكاسا للصراع الطبقي في المجتمع وتوازن القوي فيه كما هو الحال في مصر. لذلك تتغير التشريعات ونظم التعليم والاقتصاد في كل جيل عدة مرات، بل إن هذا القانون ذاته يخضع لتأويلات وتفسيرات متعددة طبقا لفهم القانون عند المدعي العام والدفاع والقاضي. وصراع التأويلات هو صراع قوي ينعكس في طريقة فهم النصوص. لذلك نشأ صراع بين حرف القانون وروح القانون بين نفس المدرستين المحافظة والتحررية.
والشريعة ليست كلا واحدا ورأيا واحدا واتجاها واحدا بل هي متعددة الآراء والاتجاهات بين المذاهب الفقهية الأربعة الشهيرة. ويختار كل شعب المذهب الذي يتفق مع خصوصيته. اختارت مصر الشافعية، الوسطية بين الحنفية والمالكية، وإن كانت جزءا من المنظومة المالكية للمغرب العربي، وفي الأحوال الشخصية حنفية. وأصبحت اليوم في السلوك اليومي حنبلية تحت تأثير التيار المحافظ في شبه الجزيرة العربية، وكرد فعل علي انهيار الدولة الحديثة في مرحلة ما بعد الاستعمار، واستبعاد الحركة الإسلامية من المشاركة السياسية بعد الثورات العربية الأخيرة علي مدي أكثر من نصف قرن، وفشل الأيديولوجيات العلمانية للتحديث، الليبرالية والقومية والماركسية.
ولا يعني تطبيق الشريعة، تطبيق الحدود أي قانون العقوبات. فلا واجبات بلا حقوق. وإذا كان من الواجبات تطبيق الأحكام الشرعية أوامر ونواهي فمن الحقوق إعطاء كل فرد حقه في بيت المال، في الغذاء والكساء والإسكان والعلاج والتعليم والعمل والمشاركة في ثروات البلاد قبل تطبيق حد السرقة أو حد الزنا. فلكل حكم سبب وشرط ومانع. فلا يُطبق حد السرقة بدافع الجوع والحرمان وبعموم البلوي إذا كان الكل سارقا. وهناك فرق بين السرقة من أجل البقاء والسرقة لنهب الأموال وثروات البلاد. ولا تتعلق الشريعة فقط بالأحوال الشخصية بل بالأحوال العامة، ليس من الباب الضيق، من غرفات النوم، بل من الباب العريض، من النظام السياسي والاجتماعي. نظامها السياسي شوري ضد الاستبداد بالرأي وفردية القرار. يقوم علي البيعة وليس علي الانقلاب العسكري أو الوراثة والتوريث. ونظامها الاقتصادي يقوم علي الملكية العامة لوسائل الإنتاج وعلي التوزيع العادل للدخل القومي طبقا لطبيعة العمل وحده. ونظامها القانوني يقوم علي الحسبة والرقابة علي الأسواق وجهاز الدولة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية حتي عند السلفيين. ونظامها القضائي يقوم علي استقلال القضاء. مهمتها الذب عن البيضة أي الدفاع وتقوية الثغور والحفاظ علي استقلال البلاد الوطني ووحدة الأمة وتنمية مواردها وإعمار الأرض. والخروج علي الحاكم الظالم واجب شرعي بعد استيفاء الشروط، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لأولي الأمر، واللجوء إلي قاضي القضاة.
هناك فرق بين الجد والهزل، بين تحقيق المصالح العامة وإثارة المشاكل المفتعلة لملء الفراغ السياسي، والإيهام بمشاركة الشعب في تعديل الدستور. إن المصدر الأول للتشريع هو المصالح العامة، تحقيق أكبر قدر من المصلحة لأكبر عدد ممكن من الناس. فالمصلحة أساس التشريع كما قرر بذلك كل الفقهاء وعلي رأسهم الشاطبي والطوفي إمام الحنابلة. وما يحدث اليوم من تعديلات للدستور إضرار بالمصالح العامة، وهي أساس الشريعة والدستور في آن واحد.

Azzaman International Newspaper - Issue 2639 - Date 10/3/2007

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2639 - التاريخ 10/3/2007

AZP07
HSHN