تسويق الذرائع من قوي الهيمنة **

حسن حنفي
مفكر مصري
تتوالي الأحداث، وتشتد الأزمات، وتقع الإهانات في الوطن العربي يوما وراء يوم. ويعلو الصراخ، وتـُحرر المقالات عن قوي الهيمنة الجديدة، والعالم ذي القطب الواحد، وإمبراطورية الولايات المتحدة الأمريكية، والعولمة، والسوق، والحداثة، والقوة، وثورة الاتصالات. وكلها عوامل خارجية، شماعة لتعليق الأزمات والكروب والبلايا الداخلية عليها. ولما كان من الصعب تغيير العوامل الخارجية إلا علي الأمد الطويل، ينتهي الأمر بقبول الأوضاع الحالية واعتبارها قدرا لا مفر منه. ولا حل إلا الانتظار حتي تتغير الظروف الدولية، وتتبدل موازين القوي العالمية. ويتم الاستسلام للضغوط الخارجية فتصبح نظم الحكم تابعة للخارج. تتحالف معه كي تضمن سلامتها، وتأمن من العدوان عليها. ومصير العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال ماثل للعيان. ومشهد تعليق الرئيس العراقي السابق من حبل المشنقة محفور في الذاكرة لعدة أجيال وعند رؤساء الدول.
ولا حل في العاجل إلا الدفاع عن النظم السياسية حماية للأوضاع الداخلية، والحفاظ علي الاستقرار السياسي حتي لا يهرب الاستثمار الخارجي، والاعتماد علي أجهزة الأمن والشرطة حماية للأمن الداخلي، واستمرار العمل بقانون الطوارئ حماية للجبهة الداخلية، واعتقال مثيري الشغب وقادة المظاهرات والاضطرابات والاتحادات وتجديد اعتقالهم إذا ما أفرجت عنهم النيابة العامة، وتقديمهم إلي محاكم عسكرية لسرعة الفصل فيها، والحكم بإطالة مدة الحبس، وتحويل الاعتقال المؤقت لبضعة شهور إلي حبس دائم لعدة سنوات لإطالة عمر النظم السياسية، وترحيل المشاكل إلي فيما بعد حتي نهاية الزمان حتي يرث الله الأرض ومن عليها، وتستمر التبعية للخارج عن طريق التحالف معه، وقبول القواعد العسكرية، والدخول في حروبه، ومؤازرة عدوانه، وتبريره بإيجاد الشرعية له. ويستمر القهر في الداخل، والفساد في الحكم، ونهب ثروات البلاد، وبيع أصولها. فالخارج مطمئن إلي تبعية النظم له. والداخل مغلوب علي أمره، يجري وراء لقمة العيش. والمعارضة إما ضعيفة نخبوية لا تستطيع تحريك الشارع أو قوية ولكنها محظورة أو اضطرابات عمالية مهنية يستجاب لها حتي لا تتحول من مطالب فئوية مثل الأرباح إلي مطالب سياسية تهدد نظم الحكم. وينتهي الأمر كله إلي الاستكانة وقبول الأمر الواقع لاستحالة البديل طالما أن قلب السلطان مازال ينبض بالحياة له ومن بعده قال إني جاعلك للناس إماما. قال ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين.
والخارج لا يعتدي إلا بعد أن يكتشف المناطق القابلة للعدوان. لا يستعمر إلا إذا كان المستعمَر قابلا للاستعمار. وكما يتم التنقيب عن النفط بالحفارات الأولي، وكما توجد المجسات علي طبيعة التربة قبل حفرها والبناء عليها كذلك توجد المجسات لدي قوة الهيمنة لمعرفة مدي قابلية الشعوب المستهدفة لتحقيق الأطماع، وهل هي مصمتة أم مفرغة، صلبة أم رخوة؟ لذلك يكثر جمع المعلومات عنها ومعرفة ما لا يعرفه أهلها. ويعتمد علي باحثين أوروبيين معروفين بدقة التحليل وجمع الإحصاءات، وعلي باحثين وطنيين لديهم رؤي حدسية بناء علي التجارب المعاشة. فالحدود مفتوحة للباحثين الأجانب يجمعون ما يشاءون. ومراكز التصنت والاستخبارات وجمع المعلومات متطورة للغاية من خلال وسائل الاتصالات الحديثة.
والأمثلة علي ذلك كثيرة. فلا يتم العدوان علي شعب من الخارج إلا إذا وجد شرعية له في الداخل مثل قهر الحاكم. وتكون الذريعة تخليص الشعب من التسلط والطغيان، وإرساء قواعد الديموقراطية. وهكذا تم غزو العراق وأفغانستان وأخيرا الصومال. ويتم تهديد سوريا والسودان وإيران. ويعلم العدو أن الشعب المعتدي عليه يريد الخلاص من حاكمه القاهر. ويزيد بعض النخبة: حتي ولو كان بيد أجنبي وعلي أسنة الرماح. بينما يفضل المناضلون الوطنيون "بيدي لا بيد عمرو".
وتتعامل قوي الهيمنة مع نظم الحكم التابعة، وجرها إلي أحلاف الدول المعتدلة في مواجهة الدول المتطرفة. وتنسق أجهزة المخابرات أعمالها للطرفين. بل وتسمح بقواعد عسكرية علي أراضيها بدعوي حمايتها من العدوان الخارجي من دول الجوار. وهي تعلم أن نظام الحكم هو شخص الحاكم. فهو الذي يقرر الحرب والسلام في غياب المؤسسات المستقلة والرأي العام القوي باستثناء فلسطين ولبنان حيث تفرض المقاومة الشعبية سياستها علي أنظمة الحكم. فالسلطان بؤرة الدولة وعمادها الأول. وهو صاحب القرار في الحرب والسلم. والمؤسسات التنفيذية والتشريعية تابعة له. والحزب الحاكم له السيطرة علي مظاهر الحياة السياسية في البلاد. لم يستعد المثقفون الوطنيون في الداخل لإبراز ثقافة المعارضة، ومواجهة السلطان الجائر، واعتبار الشعب مصدر السلطة، وضرورة الاستشارة. فما خاب من استشار. فتحسب قوي الهيمنة حسابها علي أن هناك طرفا آخر في المعادلة غير رأس النظام وهو الشعب، ثقافته وتاريخه وكرامته واستقلاله.
والآن يواجه الوطن العربي خطر التجزئة والتفتيت والتحول إلي فسيفساء عرقي طائفي، دويلات سنية وشيعية وكردية وعربية وبربرية وزنجية وإسلامية وقبطية ونجدية وحجازية حتي تصبح إسرائيل أقوي دولة طائفية عرقية. وتجد شرعية جديدة لوجودها من طبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة بدلا من أساطير المعاد الأولي التي شرع بها هرتزل وجودها في أواخر القرن التاسع عشر. وتقع المسؤولية علي الداخل علي الثقافة العربية التي تركت مجتمعاتها عرضة للتمزق والتفتيت. ورثت نظام الملة العثماني، وتحويل الأمة إلي ملل وأعراق، ومذاهب وطوائف، سنة وشيعة، زيدية وشوافع، عرب وأكراد، مسلمين وأقباط، عرب وبربر، أرمن وموارنة، تركمان ودروز. كل طائفة تجد هويتها في عرقها أو مذهبها. فغاب مفهوم المواطنة ومفهوم المواطن، والهوية الواحدة للوطن الواحد. وتركت مصطلحات الفقه القديم دون تغيير، أهل الكتاب، وأهل الذمة، والعادات الاجتماعية، نجدي وحجازي، صعيدي وبحراوي، بدوي وحضري، سود وبيض. ولم تنفع الأيديولوجيات العلمانية للتحديث كالليبرالية والقومية والماركسية والإسلامية المحافظة في تحقيق الهويات الوطنية في العمق. ومازال فقه المواطنة في البداية تحمله نخبة مستنيرة من المفكرين الإسلاميين والأقباط. فكان من السهل رسم استراتيجية جديدة للمنطقة بأسمائها المختلفة، الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، والدخول إلي قلب المنطقة لتفتيتها بداية بالعراق ثم السودان ثم الصومال لأن الأرض تسمح بذلك.
وتركت الثقافة الموروثة تئن تحت عبء الفرقة الناجية، وهي فرقة الحكومة، والفرق الهالكة وهي فرق المعارضة، وأن الحق مع طرف واحد. فغابت التعددية السياسية. وعز الحوار الوطني. ووقع فرقاء الوطن الواحد في خصومات سياسية، موالاة ومعارضة، حكومة وشعب، كفار ومؤمنين، أبطال وخونة. فريق يكفر فريقا، وفريق يخوّن فريقا. يظل الحزب الحاكم في السلطة دون تداولها. ويبقي الرئيس مدي الحياة. ولا يترك الرئاسة إلا بموت طبيعي أو اغتيال سياسي أو انقلاب عسكري. وعرفت قوي الهيمنة ذلك بعد أن جست الأرضية التي تعمل فيها. وأيدت فريقا دون فريق، الموالاة ضد المعارضة، والأقباط دون المسلمين، والحكومة ضد الشعب، والمؤمنين ضد الكفار أو الكفار ضد المؤمنين طبقا للمصلحة والظرف. وأيدت الجنوب ضد الشمال في السودان، والبربر ضد العرب في المغرب العربي كله، والبوليساريو ضد المغرب من أجل مزيد من تفتيت الأوطان. وجعلت نفسها حامية للأقليات العرقية والطائفية ضد اضطهاد الأغلبية لها. ونسي العرب أشداء علي الكفار، رحماء بينهم، وجعلوها أشداء بينهم رحماء علي الكفار. ونسوا المثل الشعبي "أنا وأخي علي ابن عمي، وأنا وابن عمي علي الغريب".استعدت شعوب وثقافات أخري داخليا لمواجهة المخاطر الخارجية. ومهدت أرضيتها الاجتماعية والثقافية لمقاومة الغزو الأجنبي، وأثبتت المجسات الأجنبية أن هذه الشعوب والثقافات صلبة جامدة لا يمكن اختراقها مثل الصين واليابان وكوريا الشمالية وكوبا وماليزيا. يحمي الصين وحدتها القومية وثورتها الاشتراكية ومشاريعها التنموية ومعدل زيادة نتاجها القومي بما يقارب 9 %. يخطب الجميع ودها. ويخشي من مستقبلها وفائض إنتاجها بل ومن قوتها العسكرية. حررت هونغ كونغ سلمياً. وبقيت تايوان. ومهما حاول الغرب الدخول من منطلق الحريات العامة وحقوق الإنسان فإنها تظل صامدة. بل وتطلب الاعتذار من دولة كبري إذا ما أسقطت طائرتها للتجسس عليها.واليابان مثل الصين تحافظ علي وحدتها الوطنية بالديموقراطية التوافقية وبالإجماع الوطني علي القضايا الكبري. هُزمت في الحرب العالمية الثانية ولكنها انتصرت في النمو الاقتصادي وفي الصناعات الحديثة. وغزت منتجاتها أسواق العالم. وهي تستورد المواد الأولية من الغرب والطاقة من الخليج وليس لديها إلا العقل والإرادة.وكوريا تقف صامدة في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. تتمسك بحقها في امتلاك الطاقة النووية والصواريخ العابرة للقارات. وتسعي إلي توحيد شطري شبه الجزيرة الكورية بين الشمال والجنوب. وتساعد دول العالم الثالث في تنميتها الاقتصادية وصناعاتها العسكرية.وكوبا أيضا صامدة في مواجهة التدخلات الخارجية، ومحاولة قلب نظامها الوطني الاشتراكي علي مدي أكثر من أربعين عاما. تنمية مستقلة، وقضاء علي البطالة، وتمسك بالاستقلال الوطني بالرغم من قربها من الولايات المتحدة الأمريكية. وأصبحت أحد عوامل بلورة اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية في فنزويلا وشيلي والبرازيل وبوليفيا. وقد يؤثر ذلك في الوطن العربي عن قريب. فقد بدءا معا ، ناصر وجيفارا. وقد يعيدا البدء معا من جديد.ومن البلاد الإسلامية تعطي ماليزيا نموذجا لإعادة بناء الداخل في مواجهة التهديدات الخارجية. وتجهر بمواجهة الغرب الرأسمالي الصهيوني العنصري. وجعلت الإسلام أحد مكونات الدولة والهوية الوطنية. وإيران صامدة في مواجهة المخاطر الخارجية. تدافع عن استقلالها الوطني وحقها في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية أسوة بغيرها التي تجهر بالحرب والتوسع. بل إن تركيا التي كانت إلي عهد قريب جزءا من الحلف الغربي أصبحت الآن أكثر استقلالا، وابتعادا عن الغرب وإسرائيل، وأقرب إلي العرب وإيران دفاعا عن حق التعددية القطبية في نظام العالم.فمتي يبدأ العرب بترتيب البيت من الداخل والقضاء علي الفجوات والفراغات في الثقافة والمجتمع حتي تأمن الغيلة، وتستعد للمقاومة، وتقضي علي مواطن الضعف فيها حتي إذا ما جستها قوي الهيمنة الخارجية وجدتها صعبة الاختراق.

Azzaman International Newspaper - Issue 2633 - Date 3/3/2007

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2633 - التاريخ 3/3/2007

AZP07
HSHN