|
|
|
الإصلاح بين السلفية والعلمانية ** حسن حنفي ** مفكر مصري تمر الثقافة العربية الآن بحالة استقطاب شديد بين التيارين الرئيسيين فيها، السلفية أو أنصار القديم، والعلمانية أي أنصار الجديد. الأول ينهل من الموروث، والثاني ينقل من الوافد. الأول تتمسك به الجماهير، والثاني تتبناه النخبة. فتضاعف الاستقطاب ليس فقط بين الجناحين الرئيسيين بل أيضا بين القلب، وهي الدولة أو النظام السياسي وخصومها. فالتياران ليسا فقط فكريين بل هما أيضا حركتان سياسيتان. فالتيار السلفي خرجت منه معظم حركات الاستقلال الوطني كالسنوسية والمهدية، وجمعية علماء الجزائر وعلال الفاسي، والأمير عبد القادر الجزائري، بالإضافة إلي مؤسسه الأول الأفغاني. ومن التيار العلماني خرجت أيضا كثير من حركات التحرر الوطني بمفردها أو متضامنة مع التيار السلفي مثل جبهة التحرير الوطني في الجزائر، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والحزب الدستوري القديم والجديد في تونس، وثورة 1919 في مصر. وتمتد حالة الاستقطاب إلي شتي مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين أنصار الحجاب وخصومه، وأنصار الدولة الدينية وأنصار الدولة المدنية، وأنصار تطبيق الشريعة وأنصار تطبيق القانون المدني، بين الحزب الحاكم والمعارضة، بين القطاع العام والقطاع الخاص، بين الأغنياء والفقراء، بين العِمَّة والطربوش. ويمثله في الإعلام برنامج "الاتجاه المعاكس" الذي يتم فيه دفع الحوار إلي حالة من التناقض والإقصاء المتبادل وكأن العرب لا يتفقون علي شيء، ولا يلتقون علي قضية. كل طرف ينفي الطرف الآخر ويستبعده لحساب فرقته الناجية ضد فرقة خصمه الهالكة. فيغذي الخصام بدل الوفاق، وينمي التناقض بدل الحوار. وقد يؤدي ذلك كله في وقت تندلع فيه الشرارة إلي حروب أهلية بين المتخاصمين فكريا. فتتفتت الأوطان. وهو الخطر الماثل الآن علي العراق وفلسطين والسودان والصومال ولبنان. لقد نشأ الإصلاح الأول في القرن التاسع عشر في مواجهة الاستعمار والهيمنة في الخارج والقهر والجهل في الداخل. وكان الدين هو البداية بعد تحوله إلي المكوّن الرئيسي للثقافة الوطنية عبر التاريخ. برز الإصلاح كحل ثالث لضعف الدولة العثمانية أمام الخارج، وتسلطها علي الداخل ضد تيارين متعارضين، السلفية أو العثمانية التي كان يمثلها أبو الهدي الصيادي، والعلمانية التي كان يمثلها "حزب الاتحاد والترقي" أو "تركيا الفتاة" أو "القومية الطورانية" والتي اقتطفت الثمرة بعد ثورة كمال أتاتورك في 1923، وإلغاء الخلافة في 1924. وأصبح بناء الدولة الحديثة هو بداية الإصلاح بالمعني الشامل، والتحول من الدين إلي العلم، ومن القديم إلي الجديد. وهو بداية النهضة والتغير الاجتماعي والتحول التاريخي. لم يكن هناك فرق بين الأفغاني مؤسس الحركة الإصلاحية وشبلي شميل ممثل التيار العلمي العلماني. كان الأول يسمي الثاني "حكيم الشرق". وكان الثاني يسمي الأول "لوثر الشرق". وقام التيار الليبرالي علي يد الطهطاوي مقيما الجسور بين التيار السلفي والتيار العلماني، جامعا بين القديم والجديد، بين الموروث والوافد. قرأ الطهطاوي الشريعة الإسلامية من منظور قانون نابليون "الشَّرطة"، وقرأ قانون نابليون مؤصلا إياه في الشريعة الإسلامية. القرآن والدستور يقومان بنفس الوظيفة التشريعية. والفرق الإسلامية هي الأحزاب السياسية. وأهل الحل والعقد هو البرلمان. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة والحسبة هو الإعلام الجديد وحرية الصحافة. وقاضي القضاة هي المحكمة الدستورية العليا. والشوري هي الديموقراطية. والزكاة وحق الفقراء في أموال الأغنياء هي الاشتراكية. وشهادة أن لا إله إلا الله هي الحرية. والنظم الإسلامية أو "الأحكام السلطانية" هي النظم السياسية. ومقاصد الشريعة، الدفاع عن الحياة والعقل والقيمة والعرض أو الكرامة والمال أي الثروة الوطنية هي حقوق الإنسان الفردية والاجتماعية. والشريعة الإسلامية "وضعية" كما يقول الشاطبي في "الموافقات" أي مدنية تتأسس في حياة الناس، وتدافع عن مصالحهم العامة. حمل مشايخ الأزهر مثل حسن العطار والطهطاوي مشعل الإصلاح والنهضة. واستمرت مدرسة محمد عبده في هذا التيار مثل قاسم أمين وسعد زغلول وعلي عبد الرازق وطه حسين ومصطفي عبد الرازق والشيخ شلتوت والشيخ محمد الخفيف داخل الأزهر وخارجه. لا فرق بين سلفي وعلماني، بين إسلامي وليبرالي مثل هيكل والعقاد وخالد محمد خالد، بين إسلامي واشتراكي كما هو الحال عند الشيخ سعاد جلال "الشيخ الأحمر". ولما انتهي الإصلاح إلي طريق مسدود بالرغم من قيادته للحركة الوطنية المصرية منذ ثورة 1919 حتي الأربعينيات والتي ساهم فيها الإخوان والوفد ومصر الفتاة والماركسيون قامت الثورات العربية الأخيرة في منتصف القرن الماضي لتواجه بطريقة أكثر حسما، ووراء الضباط الأحرار جيوش نظامية، قضية الاستقلال الوطني، وجلاء القوات الأجنبية، وتحقيق وحدة وادي النيل بين مصر والسودان. وبالرغم من إنجازاتها الضخمة: الإصلاح الزراعي في 1953، جلاء القوات الأجنبية في 1954، مؤتمر باندونج وتأسيس حركة عدم الانحياز كاختيار سياسي للعالم الثالث في 1955، تأميم القناة في 1956، تمصير الشركات الأجنبية في 1957، قيام أول تجربة وحدوية في تاريخ العرب الحديث، الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958، تأييد ثورة العراق في 1958، إصدار قوانين تموز/ يوليو الاشتراكية، صياغة الميثاق الوطني في 1962-1963، بناء السد العالي في 1964، مناصرة ثورة اليمن في 1964، الثورة الليبية في 1969، التصنيع، مجانية التعليم، إنشاء القطاع العام دعما للفقراء ومحدودي الدخل، تأييد ثورة الجزائر في 1954، وقيام منظمة التحرير الفلسطينية في 1965، إلا أنها عملت في فراغ سياسي لم تملؤه الزعامة الوطنية في شخص الرئيس، الزعيم الخالد. فقد حل الأحزاب وفي مقدمتها الوفد حزب الأغلبية والممثل لثورة 1919. وحل جماعة الإخوان المسلمين في 1954. ولم تنجح التنظيمات السياسية التي أنشأتها الثورة في ملء الفراغ السياسي مثل: هيئة التحرير، الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي، حزب مصر، الحزب الوطني. ووضع الإخوان في السجون في 1954 والشيوعيون أيضا في 1958. وبعد هزيمة 1967 بدأ المشروع القومي في الانهيار، والنظام السياسي في الضعف حتي انتهي بوفاة الزعيم الخالد في أيلول/ سبتمبر 1970. وأتي نظام سياسي آخر يستعمل الإخوان والحركة الإسلامية لتصفية الناصريين في الجمهورية الثانية. كما يبدأ الآن العلمانيون التنويريون بتصفية الإخوان في الجمهورية الثالثة حتي يضعف الجناحان الرئيسيان في المعارضة، ويقوي القلب من جديد أي الدولة الممثلة في النظام السياسي. ولما ضعف الأساس الشعبي للنظام بعد الهبة الشعبية في كانون الثاني/ يناير 1977 وجد أحلافا في الخارج بالمفاوضات مع إسرائيل في كامب ديفيد في 1978 ومعاهدة السلام في 1979. ولما ضعفت الدولة أكثر فأكثر، جعلت نفسها حليفا مطلقا للولايات المتحدة الأمريكية، وأيدت عدوانه علي أفغانستان ثم العراق ثم الصومال، والعدوان الإسرائيلي المستمر علي فلسطين واجتياح فلسطين كلها. وبعد عصر الاستقطاب في النظام العالمي ونشأة عالم ذي قطب واحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ثم الالتصاق بها إلي حد التبعية خضوعا لقوانين السوق والمنافسة الحرة. فما يفقده النظام في الداخل يجد تعويضا له في الخارج. ومع بداية تفسخ الدولة وتفكيك الوطن، وفساد النظام السياسي ينشط الجناحان الرئيسيان في الحياة السياسية، السلفية والعلمانية، الإخوان والحركات الإسلامية من ناحية والشيوعيون أو مجموع قوي اليسار من ناحية أخري لوراثة الدولة التابعة والحليفة للخارج، والقاهرة والفاسدة في الداخل، صراعا علي السلطة. ويشتد الصراع كلما ظن كل فريق أن الدولة علي وشك الانهيار، وأن النظام السياسي يلفظ أنفاسه الأخيرة. وتحدث حالة استقطاب شامل يغيب فيه الحوار بين قوي المعارضة السياسية ويغيب فيه أيضا الحوار بين الحكومة والمعارضة، بين الدولة وخصومها. والوطن هو الخاسر، وليس النظام السياسي الذي يعتمد علي قوة رجال الأعمال، وليس الدولة الأمنية لاعتمادها علي أجهزة الأمن والشرطة. هل يمكن العودة إلي الإصلاح الأول في فجر النهضة العربية الأولي من أجل إقامة نهضة عربية ثانية تتجاوز الاستقطاب الحالي بين السلفية والعلمانية والحرب بين الإخوة الأعداء ويقيم جسرا بين الحكومة والمعارضة بين الدولة وخصومها؟ كان شعار الطهطاوي الوطن للجميع. "فليكن هذا الوطن مكانا لسعادتنا أجمعين. نبنيه بالحرية والفكر والمصنع". والتعددية السياسية يكفلها الشرع بإثباته حق الاختلاف "كلكم راد وكلكم مردود عليه". والمركب أوشك علي الغرق، لا يستطيع ربان واحد إنقاذه. فهل يمكن تقديم مصلحة الوطن علي مصلحة الحزب، ووحدة الوطن علي الصراع علي السلطة حتي تصل السفينة أولا إلي بر الأمان؟ zzaman International Newspaper - Issue 2608 - Date 01/2/2007 جريدة »الزمان« الدولية - العدد 8260 التاريخ 1/2/2007 AZP07 hshn |