|
|
|
لماذا يتأخـر الإصـلاح؟ ** حسن حنفي ** مفكر مصري يبدو أن النقاش الذي دار منذ فجر النهضة العربية وحتي الآن بأيهما نبدأ، الثورة أم الإصلاح، مازال دائرا حتي الآن. فقد اختار الأفغاني الثورة نظرا ليأسه من إصلاح الدولة العثمانية. فقد قضي علي الإسلام أمراؤه المستبدون وعلماؤه الجاهلون. وبعد فشل الثورة العرابية فضل محمد عبده الإصلاح التدريجي للفقه واللغة العربية والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما أدي إلي نجاح الليبرالية فيما بعد ثورة 1919 حتي انتهت عام 1952. واستمر النقاش في النصف الثاني من القرن العشرين بعد اندلاع الثورة المصرية عام 1952. كان الضباط الأحرار يمثلون الثورة ضد الإنجليز والقصر والإقطاع. وأسرعوا بإلغاء الملكية. وانسحبت القوات البريطانية من الضفة الشرقية وقناة السويس في 1954 في حين أراد اليمين الإقطاعي الإصلاح عن طريق التدرج في التغير الاجتماعي، والحوار مع الغرب دون الصدام معه، والمفاوضات مع إنجلترا دون معاداتها، والرقابة علي القصر دون إلغاء الملكية. والرأسمالية الوطنية مرحلة متوسطة للتحول من الرأسمالية الغربية إلي الاشتراكية السوفيتية. كما أراد اليسار مزيدا من التحول الاشتراكي، من الإقطاع إلي الاشتراكية العلمية، ومن التحالف مع الغرب إلي التحالف مع الشرق. وكما تحولت الثورة إلي ثورة مضادة من الخمسينيات والستينيات إلي السبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي وحتي الآن كذلك توقف الإصلاح، وتجاوزه الواقع، وأصبح الناس يتوقون إلي مرحلة جديدة تتجاوز الثورة والإصلاح معا. لذلك برز مفهوم النهضة، وهو من إرث القرن التاسع عشر، النهضة العربية الأولي. وتحول إلي نهضة شاملة ليعبر عن متطلبات المرحلة الأولي. وتقلصت طموحات هذا الجيل، ودارت حول الإصلاح من جديد. ويتضمن حرية المواطن أولا وديموقراطية الحكم ثانيا في جدول الأعمال الوطني. ويتسع أكثر ليشمل حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والإدارة العليا في جدول الأعمال الغربي. وفي كلتا الحالتين تتواري قضايا استكمال حركة التحرر الوطني في فلسطين والعراق، وإعادة توزيع الثروة الوطنية بما يحقق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية، ووحدة الأمة ضد مخاطر التجزئة العرقية والطائفية، والتنمية المستقلة ضد تهريب رؤوس الأموال إلي الخارج وبيع الأصول والاستيراد والاعتماد علي المعونات الخارجية، والدفاع عن الهوية ضد التغريب والتميع والتحالف مع الآخر والتبعية له، وحشد الناس وتجنيد الجماهير ضد اللامبالاة والفتور والاستكانة وغياب الحراك الاجتماعي. ونتيجة لتأخر الإصلاح يتأزم الوضع السياسي بين الدولة الأمنية والمعارضة الضعيفة من ناصريين وليبراليين وماركسيين أو محظورة من إسلاميين. وينكمش دور الدولة- القاعدة، والشقيقة الكبري فقد تتآكل الأطراف أو تبحث لها عن مركز آخر تنجذب إليه، ويعطيها الحماية والإحساس بالأمان. وقد ينعزل الشعب عن النظام السياسي القهري لأنه يعطي الأولوية للصراع مع قوي الهيمنة الخارجية أو الإقليمية علي حساب الحريات العامة والتعددية السياسية والمشاركة في الحكم. وقد ينتج أيضا تفتيت المجتمع من الداخل ونشأة جماعات العنف المسلح لتغيير الواقع بالقوة وبحد السيف. فكثرة الضغط من الخارج يولد الانفجار من الداخل، وشدة القهر من أعلي يولد جماعات العنف من أسفل. فتنشغل الدولة بسيطرة قوي الأمن، الجيش والشرطة، عليها حفاظا علي النظام. وقد ينتج عنه تدخل القوي الأجنبية تحت ذريعة الدفاع عن الأقليات، والتطهير العرقي والتعددية الثقافية كمقدمة لتفتيت الدولة الوطنية. وقد يكفي الزعيم الملهم والأخ القائد ببصيرته وحنكته. ويتفرد بقرار فوقي للإصلاح طبقا لأهوائه المتقلبة شرقيا ثم غربيا، اشتراكيا ثم رأسماليا، مقاوما ثم مسالما، عروبيا ثم أفريقيا، وحدويا ثم قطريا. وقد يحكم تيار واحد أو حزب واحد يقصي باقي التيارات وفي مقدمتها التيار الإسلامي لما تمثله من خطورة علي النظام السياسي وتحت ذريعة الفصل بين الدين والسياسة، دفاعا عن الدولة المدنية ضد الدولة الدينية. وقد يؤدي إلي الحرب الأهلية بين فرقاء الأمس وشركاء الوطن الواحد، تدمر كل شيء، الأرض والشعب، الثورة والإصلاح، وإلقاء التهم المتبادلة بالتكفير والتخوين. إذا ما تأخر الإصلاح يستمر حكم الفرد المطلق ملكيا كان أم جمهوريا أو حكم العائلات والعسكر، قريش والجيش. وقد يكون ذريعة لعدوان خارجي بحجة رعاية الإرهاب أو امتلاك أسلحة الدمار الشامل. يعني تأخر الإصلاح توقف الحراك الاجتماعي الطبيعي، والجدل التاريخي. ويصبح الحكم والشعب خارج الزمن. فيتحول الحكم إلي هيكل عظمي يعيش علي نفسه، ويتشرذم الشعب. ويولي كل منهما ظهره للأخر. ويتصور النظام السياسي أنه باق إلي الأبد، وأن كرسي الحكم خالد، والمياه الجوفية تنخر في الأساس بفعل الزمان وعوامل التعرية الطبيعية حتي ينهار. ويصبح الحاكم متماهيا مع الله والتاريخ، والشعب شيطان مدان خارج التاريخ. يُؤْثر الحاكم العاجل دون الآجل في قصر نظر سياسي. أنا وحدي وما بعدي الطوفان. يعطي الأولوية للبقاء في السلطة علي سلامة الوطن من المخاطر الخارجية أو الانقلابات الداخلية. همه بقاء حكم العائلة وليس تداول السلطة بناء علي اختيار الناس. فإذا ما تحرك الزمن بفعل الأفراد والجماعات وقوانين التاريخ والجدل الاجتماعي في الداخل قبل الخارج انهار البناء كله بفعل الهزات الأرضية. وكلما تأخر الإصلاح ظهرت جماعات العنف السياسي بحكم قانون الفعل ورد الفعل. فكل فعل له رد فعل مساو وفي الاتجاه المضاد. وقد تنشأ جماعات مسلحة علنية فوق الأرض بدعوي الدفاع عن حقوق الأقليات. وتقع الحروب الأهلية التي يغذيها الغرب، الاستعمار والصهيونية، من أجل تفتيت الدول الوطنية التي ساهمت في القضاء علي الاستعمار في عصر التحرر الوطني. ومازالت تناضل ضد الصهيونية لاسترداد حقوق شعب فلسطين. عنف بعنف، ودم بدم، وقتل بقتل، "إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فإذا كانت الثورة قد انقلبت إلي ثورة مضادة باستثناء المقاومة الوطنية في فلسطين والعراق، وإذا كان الإصلاح قد تأخر وبدأت المجتمعات في التفكك والأوطان في التحلل، وكان من الصعب العودة إلي الثورة وحلم الخمسينيات والستينيات، فعلي الأقل لماذا يتأخر الإصلاح وهو أضعف الإيمان؟ والخطوة الأولي فيه الحريات العامة والحقوق الطبيعية للإنسان والمواطن، حرية التعبير عن الرأي، وحرية الحركة والانتقال، وحق الاختلاف والتعددية السياسية، وحق الاختيار الحر للحاكم وللنظام السياسي، وحق المواطنة الذي يتساوي فيه الجميع بصرف النظر عن دين أو مذهب أو طائفة أو عرق أو عائلة أو عشيرة، والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع من ينتسبون إلي وطن واحد. تأخر الإصلاح يعطي ذريعة للقوي الخارجية للتدخل بجدول أعمالها ومشاريعها للمنطقة باسم "الشرق الأوسط الكبير" أو "الشرق الأوسط الجديد" الذي يدور في الفلك الأمريكي الصهيوني أو "المتوسطي" الذي يكون فيه الشمال مصدّرا والجنوب مستهلكا، وتكون إسرائيل عنصر التحديث فيه، وإبعاد العراق وشبه الجزيرة العربية كلها، شرقها وجنوبها، وقسمة الوطن العربي إلي أسيوي وأفريقي، مشرقي ومغربي. الخليج أقرب إلي آسيا، والمغرب أقرب إلي أوروبا. تأخر الإصلاح يعني تفتيت الأوطان وفك عري الوحدة الوطنية، والوقوع في اقتتال طائفي مذهبي عرقي دون حوار سياسي وطني يجمع بين التيارات الفكرية والسياسية في البلاد، والاتفاق علي حد أدني من الوفاق الوطني والبرامج السياسية مع أكبر قدر ممكن من التعددية السياسية. فالحق النظري متعدد، والحق العملي واحد بتعبير الفقه القديم. المذاهب والأيديولوجيات السياسية تتعدد وتتغير بتغير المراحل التاريخية والأطر الثقافية، ولكن المصالح العامة ثابتة. تتغير النظم السياسية بتغير الأجيال، والدول ثابتة عبر العصور. تأخر الإصلاح في الداخل يعطي ذريعة لفرضه من الخارج. والأفضل ألا يتأخر، "بيدي لا بيد عمرو". بل من الضروري أن يتسارع للحاق بما فات من ركود في النظم واستكانة في الشعوب. zzaman International Newspaper - Issue 2603 - Date 27/1/2007 جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2603 - التاريخ 72/1/2007 AZP07 hshn |