|
|
|
جيل يدفع وجيل يقبض ** حسن حنفي ** مفكر مصري ينقسم تاريخ مصر المعاصر علي مدي أكثر من نصف قرن منذ ثورة يوليو 1952 حتي العصر الحالي إلي قسمين. الأول، بناء مصر من 1952. والثاني، هدم مصر من 1970 حتي الآن. الأول ادخار ثروات مصر، والثاني نهب أموال مصر. قام بالأول جيل الخمسينيات والستينيات الذي مازال يناضل ويحمي الوطن من الانهيار التام. وقام بالثاني جيل السبعينيات والثمانينيات الذي يبتلع مصر الآن. أما جيل التسعينيات، جيل الشباب الآن، فهو جيل حائر بين الجيلين السابقين، جيل شد الحزام علي البطون من أجل رخاء الأجيال القادمة، وجيل فك الحزام ونهب الثروات. ولتخرب البلاد وتفتقر الأجيال القادمة. جيل يدخر، وجيل يبذر. جيل يقتصد، وجيل يستهلك. بدأ جيل الخمسينيات والستينيات بقيادة ثورية وطنية، اشتراكية قومية، معادية للاستعمار والصهيونية. فقد اكتوي بالاحتلال البريطاني لمصر وبالهزيمة في فلسطين في 1948. عاني من الاستعمار والصهيونية من الخارج، ومن القصر والفساد من الداخل. أمم قناة السويس في 1956 فرضا للسيادة الوطنية علي أصول مصر ضد النهب الاستعماري لها. ومصّر الشركات الأجنبية في 1957. وقام بأكبر عملية تصنيع منذ محمد علي، الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب، وصناعة الأدوية والكاوتشوك، وأقام المؤسسة العربية للتصنيع الحربي، وصناعة الألمونيوم، وصناعة السيارات، وصناعة الكيماويات ...الخ. وأقام أحياء بأكملها للصناعة في شبرا الخيمة والأميرية وحلوان وأسوان مع مدن كاملة للعمال في امبابة. وبني السد العالي الذي حمي مصر من الجوع والعطش. وشيّد القطاع العام لتوفير السلع للطبقات الفقيرة. وأصلح الأراضي لزيادة الرقع الزراعية وتوزيع الأرض علي الفلاحين. وأنشأ مديرية التحرير. وحدد الملكية ثلاث مرات متتالية. وقرر مجانية التعليم من المدرسة حتي الجامعة، استئنافا لجهود الوفد، وإقرار مجانية التعليم حتي الثانوية العامة. فالتعليم كالماء والهواء. وبني الجيش. وخصم جزءا من راتبه الضئيل للمجهود الحربي. وهو سعيد لتحويل الجيش الملكي للاستعراضات إلي جيش وطني للقتال دفاعا عن استقلال مصر الوطني واستعدادا للقتال في التل الكبير وعلي ضفاف القناة وعودا إلي فلسطين. وأقام الإسكان الشعبي ولجان تقدير الإيجارات حماية للسكان من استغلال الملاك. وأقام خططا خمسية لتنمية مصر اعتمادا علي المدخرات الوطنية أكثر من الاعتماد علي المعونات الأجنبية المشروطة وغير المشروطة. فلم تتجاوز ديون مصر مئات الملايين من الدولارات والتي بلغت الآن المئات من المليارات. وهو نفس الجيل الذي ساعد كل حركات التحرر الوطني العربي لاستقلال الشعوب العربية في الجزائر ومده بالسلاح لمقاومة الاستعمار الفرنسي، واليمن للتحرر من الاحتلال البريطاني. تحمّل مرارة الهزيمة في 1948، والعدوان الثلاثي في 1956. وهو الذي قام بحرب الاستنزاف 1968-1969، وبحرب أكتوبر 1973، خطة بدر لعبور القناة. وتبني القومية العربية وحولها إلي حركة تحرر عربي شاملة لتحقيق الحرية والاشتراكية والوحدة. وامتدت ثورته إلي العراق في 1958، وإلي اليمن في 1964، وإلي ليبيا في 1969. وأقام محافظة التكامل في وادي حلفا بين مصر والسودان. وحقق أول تجربة وحدوية في تاريخ العرب الحديث، الجمهورية العربية المتحدة 1958-1961. وكان وراء استقلال المغرب العربي كله منذ إنشاء مكتب القاهرة في 1950. وفضل استقلال السودان باختيار حر للشعب السوداني وحقه في تقرير المصير في 1954. وساعد علي استقلال دول الخليج. وحمي لبنان من التدخل الأمريكي في 1958. كما حمي الأردن من التدخل البريطاني في نفس العام. وهو الجيل الذي جعل القومية العربية بمضمونها الاشتراكي التقدمي أيديولوجية ثورية ضمن أيديولوجيات العالم الثالث للتحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وأقام أول تجمع سياسي أفريقي أسيوي في مواجهة الاستعمار الفرنسي والهيمنة الأمريكية في باندونج في 1955. وبرز زعماؤه: عبد الناصر، تيتو، نهرو، شوين لاي، نكروما، سيكوتوري، جومو كنياتا، سوكارنو، تنكو عبد الرحمن، يمثلون تحولا جذريا في مسار العالم، من الاستعمار إلي التحرر، ومن التبعية إلي الاستقلال. وأصبح العالم الثالث يمثل نقطة توازن بين الشرق والغرب، تخفيفا للتوتر العالمي بين حلف وارسو وحلف شمال الأطلنطي. وقاوم الأحلاف الغربية منذ حلف بغداد في 1954 حتي الحلف الإسلامي في 1965. والآن يقوم جيل السبعينيات والثمانينيات ببيع أصول مصر التي كونها شعب مصر علي مدي التاريخ. وضحي بها بآلاف العمال والفلاحين في حفر قناة السويس، وتشييد المصانع. يبيع القطاع العام بأبخس الأثمان للإقطاع القديم والرأسمالية الحديثة وللشركات الأجنبية تحت ذريعة الاستثمار. وعدنا إلي عصر سعيد. وخصخصت شركات القطاع العام بدعوي الخسارة. وتوقف بعضها من أجل إيقاف الإنتاج واتساع المجال للاستيراد بأسعار لا يستطيع الفقراء دفعها. وخصخص التعليم من الحضانة إلي الجامعة. فقضي علي التعليم الوطني لصالح التعليم الديني أو التعليم الأجنبي. وجعل الإسكان مجالا للعرض والطلب بأسعار السوق بما في ذلك الإسكان التعاوني. وجعل النشاط الاقتصادي في أيدي رجال الأعمال. ورفعت الدولة يدها لصالح الاحتكار والتلاعب بأسعار الحديد والصلب والأسمنت. وجعل الغني أكثر غني، والفقير أكثر فقرا مادام رجال الأعمال أعضاء في الحزب الحاكم، يصرفون عليه. ويقدمون الرشاوي للتهرب مما تبقي من رقابة الدولة علي وسائل النقل البحري وتصاريح البناء. وخصخص البنوك الوطنية. ثم قامت بتهريب رؤوس الأموال المصرية أكثر مما أحضرت رؤوس الأموال الأجنبية. واستدان. فجعل ديون مصر أربعين مرة عما كان الأمر عليه في الجيل السابق. واعتمد علي المعونات الخارجية أكثر مما اعتمد علي المدخرات الوطنية. وتلاعب بسوق الأوراق المالية. وحاول إلغاء الرقابة الإدارية. وجعل المجالس النيابية وسيلة لإثراء أعضائه بعقد الصفقات أو القروض حتي يصبح بعد أن يغادرها الأعضاء من رجال الأعمال. وأطلق الحكم للرئاسة بتغيير الدستور لصالحه، والتخلي عن النظام الاشتراكي التي كانت القوات المسلحة الأمينة عليه، ومنع تداول السلطة بين القوي السياسية الرئيسية في البلاد. عزل جيل السبعينيات والثمانينيات مصر عن محيطها العربي. وشاركت قواتها مع القوات الأمريكية لغزو العراق بدعوي تحرير الكويت الذي كان يمكن تحقيقه دون إعطاء الشرعية للعدوان الأمريكي من مؤتمر القاهرة الذي شرّع للعدوان بفارق صوت أو صوتين، سوريا ولبنان. وأيد بقاء قوات الغزو بالعراق خوفا من النزعات الطائفية كما تدعي الولايات المتحدة الأمريكية. ويسيل الدم في فلسطين بالعدوان المستمر عليه منذ الانتفاضة الأولي في 1987. ومازال يسيل. ويكتفي بتدريب الشرطة الفلسطينية، وقد خاضت مصر خمسة حروب من أجل فلسطين. وتركت لبنان فريسة للعدوان الإسرائيلي علي المدنيين في الحرب العربية الإسرائيلية السادسة التي انتصرت فيها المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله علي أعتي قوة عسكرية في المنطقة. وعجز الجيش الذي لا يقهر عن مواجهة المقاومة. هرمت مصر قبل الأوان، وانعكفت علي ذاتها كما حدث لفرنسا بعد الثورة الفرنسية وهزيمة نابليون في ووترلو. وأضاع هذا الجيل الاستقلال الوطني ومقاومة الأحلاف الأجنبية لصالح التبعية للولايات المتحدة الأمريكية والصلح مع إسرائيل. وجعل الوطن العربي مستباحا بلا حماية ولا كرامة. وأصبح للاستعمار والصهيونية اليد الطولي في تقرير حاضر الوطن العربي ومستقبله ومتنصلا عن ماضيه. بل خلق محاور من الدول المعتدلة مع الأردن والسعودية ضد الدول المتطرفة، سوريا ولبنان وإيران! جيل ضحي، وجيل عاش. جيل افتقر، وآخر اغتني. فأين حق الجيل الماضي الذي ادخر من ثروة الجيل الحالي الذي بدد؟ أين حق من اقتصد قوت يومه ليبني مصر في ثروات من نهب مصر؟ قضية قانونية وسياسية ووطنية يعرضها جيل الخمسينيات والستينيات الذي ينظر إلي تبديد مدخراته وبيع أصوله. أين حق دم الشهداء من أجل مصر وفلسطين واليمن في ثروات من باعوا الأوطان وأصبحوا جزءا من الرأسمالية العالمية؟ أين حق فقراء جيل الخمسينيات والستينيات في ثروات جيل السبعينيات والثمانينيات؟ متي يخرج الجيل الثالث، جيل مظاهرات الطلاب في ميدان التحرير في 1971، وجيل أكتوبر في 1973، والهبة الشعبية في يناير 1977، وانتفاضة الأمن المركزي في 1986، والمظاهرات ضد الغزو الأمريكي للعراق في يناير 1991 واحتلاله في مارس 2003؟ متي يتوقف هذا الجيل الثالث عن حيرته ودهشته لما حدث في مصر المعاصرة؟ متي ينضم إلي جيل الآباء ضد جيل الأحفاد حتي تعود مصر إلي مسارها الطبيعي، مصر الوطن، ومصر العروبة، ومصر الإسلام، ومصر العالم الثالث، ميزان الثقل في العالم بين الشرق والغرب؟ Azzaman International Newspaper - Issue 2591 - Date 11/1/2007 جريدة »الزمان« الدولية - العدد 1925 - التاريخ 11/1/2007 AZP07 hshn |