|
|
|
النزعـــة الإنسانيـــة ** د. حسن حنفي ** يفرز الغرب بين الحين والأخر مقولة يشغل بها الناس، وتكون مركز النقاش العالمي في مراكز الأبحاث والجامعات وفي الإعلام والرأي العام مثل "العولمة"، "صدام الحضارات"، "نهاية التاريخ" لتعبر بها عن الحالة الراهنة للهيمنة الغربية. كما تصدّر مقولات أخري كي تنشغل بها ثقافة العالم الثالث ومنها الثقافة العربية مثل "المجتمع المدني"، "حقوق الإنسان"، "حقوق المرأة"، "الديمقراطية"، "الشرق الأوسط الكبير أو الجديد"،"الإدارة العليا" الخ. قد تنجح بعضها في القيام بالدور مثل "المجتمع "المدني". وقد لا ينجح البعض الآخر مثل "العولمة" نظرا لأنها أحد أشكال الهيمنة السياسية والثقافية والسيطرة الاقتصادية، وقيام المظاهرات الشعبية في كافة أرجاء العالم ضدها. وبدأت مقولات أخري في الظهور، لم تستهلك بعد. وتبدو جديدة. تعبر عن مطلب مستمر في الضمير البشري، وحاجة دائمة في الوعي الإنساني مثل "النزعة الإنسانية" أو "الدراسات الإنسانية". وهي علي النقيض من المقولات العدوانية المادية الاستهلاكية السوقية السابقة. إذ تتوجه مراكز الأبحاث الآن لدراسة مثل هذا المفهوم وإعادة قراءة تاريخ الثقافة الغربية من خلاله. إذ ينعي الغرب حظه من تدهور هذه النزعة الإنسانية التي كانت سائدة خاصة في القرن الثامن عشر. وهي ليست بعيدة عن مفهوم "حقوق الإنسان". مثال ذلك ما كتبه جابريل مارسل "اللاإنساني ضد الإنساني"، وأورتيجا أي جاسيه "القضاء علي النزعة الإنسانية في الفن"، وهيدجر في "رسالة في الإنسان"، ونيتشه في "هذا هو الإنسان"، وجان بول سارتر في محاضرته الشهيرة في جنيف التي دشن بها فلسفة الوجودية "الوجودية نزعة إنسانية". والهدف من ذلك ليس إحياء النزعة الإنسانية داخل الغرب المعاصر بل دفع الثقافات اللاغربية نحو هذا المفهوم الذي يعبر عما تحتاجه شعوب العالم الثالث من تحول من التمركز حول الله أو الفرد المطلق أو الكون إلي التمركز حول الفرد والإنسان. الهدف هو التوجه نحو شعوب الصين والهند وإندونيسيا وإيران وأواسط آسيا للتعبير عن حاجتها إلي الفردية وتأكيد الذات، الإنسان أو المواطن، وليس الحاكم أو السلطان. وهم عمالقة المستقبل من حيث عدد السكان والإنتاج الزراعي والصناعي والتقدم العلمي حتي يظل ذلك في يد الغرب وحده، قاصرا علي مجموعة الثمانية. ويتم التخطيط لذلك من الآن، خاصة وأن هذه الشعوب تعاني أيضا من ضعف النزعة الإنسانية. فالصين مشغولة بالمجموع وليس بالفرد. والهند مشغولة بالقوة والمنافسة وليس بالفقر والفقراء أو طائفة المنبوذين. كما تعبر النزعة الإنسانية عن الحنين إلي الماضي عند اليونان وفي القرن الثامن عشر، عصر حقوق الإنسان والمواطن إبان الثورة الفرنسية بعد أن انتهكت حقوقه داخل الغرب ذاته بصعود النزعات الطائفية والعرقية واليمين المحافظ، وسيادة السوق. والاسترقاق الجديد للشعوب. كما تعبر عن رغبة كامنة لدي شعوب العالم الثالث التي لم تخرج بعد إلي مرحلة الحداثة. ومازال الإنسان مطويا في الله أو في السلطان أو في الأب أو الأخ أي "سي السيد" أو في المجتمع والتقاليد والموروث الثقافي بوجه عام. "النزعة الإنسانية" كلمة حق يراد بها باطل، حق لأنها تعبر عن حاجة فعلية لدي الشعوب، وباطل لأن المقصود منها إبعاد الشعوب خارج المركز عن مصالحهم الاقتصادية وسيطرة العولمة عليها، واحتكار الغرب لها. وقد رُصدت ميزانيات ضخمة في الجامعات ومراكز الأبحاث لهذا الموضوع "النزعة الإنسانية" التي هي الشق البريء للعولمة. فكلاهما عالميتان شموليتان، يسقطان الحدود بين الملل والنحل والأعراق والثقافات والدول الوطنية لصالح المشترك بينها وهي النزعة الإنسانية التي لم تمنع من وقوع حروب أو احتلال أوطان أو اختراق حقوق أفراد وجماعات. وتعقد الندوات في المركز كإعلان ومؤشر. يحضر فيها المتخصصون من داخل الغرب وخارجه لتكوين الكتائب الإنسانية، والفرق الجديدة. ثم تعقد بعد ذلك في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وكأنها ندوات محلية بدوافع وطنية مع جامعات أو مؤسسات مشاركة. وبدلا من الاستعمار والتبشير تبدأ المؤتمرات والندوات وحلقات البحث والحملات الإعلامية في موضوع النزعة الإنسانية. ويشارك فيها غير الأوربيين الذين يودون أخذ الأوربيين وسيلة للانتقال إلي أوربا، وجسرا يعبرون به من الجنوب إلي الشمال. يأخذون موقفا "عولميا" خارج الأوطان. ويأتي بعض المفكرين من جنوب أفريقيا الذين ساهموا في حركات التحرر فيما سبق والآن يريدون إقامة جسر التعاون بين المواطن الجديد والمستعمِر القديم. ويتسابقون في التقرب إلي الغرب علي حساب بعضهم البعض حتي ولو كانوا رفاق نضال من قبل. وحدتهم الدماء أثناء النضال الوطني. وفرقتهم الأقلام في عصر بناء الدولة ثم تعثرها. ويخرج رجال من "الأقليات" من دارفور وكردفان أو جنوب السودان أو من الأمازيغ في المغرب العربي من أجل إيصال صوتهم للأوروبيين المتعاطفين معهم أصلا، ليس بدافع حقوق الأقليات، بل من أجل تفتيب الأوطان. ويقوم الغرب، من خلال هذه المؤتمرات والندوات بتدريب طلاب الدراسات العليا في البلدان خارج العرب لخلق جيل جديد مؤهل لقيادة الأوطان في الداخل تجاه سياسات موالية للغرب. فتعليمه وثقافته ومزاجه ومصلحته في الخارج وليس في الداخل. يحقّبون التاريخ مثل الغرب. ويقسمونه إلي قديم ووسيط وحديث. وتوضع الثقافة الإسلامية في الوسيط أي في العصور الوسطي الأوروبية. ويصدرون عليه أحكاما بالعنف والإرهاب والأصولية مثل الغرب. ويؤرخون لمسار العالم ابتداء من الحادي عشر من سبتمبر 2001 والكوارث عديدة، قتل مليون من البشر في رواندا، ومئات الألوف في العراق بعد احتلاله. ولا يذكرون سبتمبر قبله بعام عندما اندلعت المقاومة الفلسطينية ولا يكاد يذكرها أحد. ويحضر هذه الندوات والمؤتمرات "كادر" عال من الموظفين العموميين أو القسيسين والرهبان لأنهم يوحون بالثقة. فهم أهل الله، وأصحاب الإيمان. وتشارك الجامعات الأوروبية في بودابست وفلورنسا في هذه البحوث والدعوات. فهي جامعات أوروبية أي دولية. يأتي إليها الطلاب من العالم الثالث للتمرين علي البحث والتأهيل علي العلم، ونقل العلم والتكنولوجيا ممن يملكون إلي من لا يملكون. وتقوم ألمانيا بهذا الدور. فهي مركز النقل في أوروبا وحلقة الاتصال بين شماله وجنوبه. ولم تكن التجربة ناجحة. ولم تمنع من اندلاع الحروب، ووقوع الانقسامات علي مدي تاريخ النزعة الإنسانية في مسار الوعي الأوروبي. لا أحد ينكر قيمة الإنسان، ولكن هل يتم ذلك بالقول أم بالفعل، بالبحث أم بالعمل، بالندوات في قاعات الفنادق الكبري أم في الحقول والمزارع بين الفلاحين، أو في المصانع بين العمال؟ وماذا عن الخسائر، التصحر في جنوب أفريقيا، وانتشار الأمراض مثل "الإيدز"، والجوع والقحط والجفاف والفقر والضنك نظرا لسوء عدالة التوزيع؟ وتلك مسئولية وزارة الزراعة وليس قوات الأمن ورجال الشرطة. يفرز الغرب المقولات، والعرب يتلقفونها. يكتب الغرب النصوص، والعرب يشرحونها. و"النزعة الإنسانية" مجرد نموذج لما حدث في مؤتمر حولها في "إيسن" في ألمانيا منذ شهور، وتـُعد الدورة الثانية في أفريقيا، وربما في مصر، في حضن الأزهر الشريف. Azzaman International Newspaper - Issue 2584 - Date 03/01/2007 جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2584 - التاريخ 3/1/2007 AZP02 HSHN |