المؤتمرات التجارية والجماعات المجهولة **

حسن حنفي **
مفكر مصري
تعرف الأوساط العلمية، الجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث، المؤتمرات العلمية لمناقشة الموضوعات العلمية أو القضايا السياسية أو حال العالم المضطرب للإسهام في تقدم العلم أو التحكم في الظواهر الاجتماعية، وتوجيه مسار التاريخ. وتكون فرصة للتعارف بين العلماء من مختلف الاتجاهات، وربما أيضا تبادل الوظائف والمناصب الجامعية، وإيجاد فرص جديدة للعمل والرقي المهني. فالعلم وظيفة. والعالم موظف عام في جامعة أو معهد أو مركز للأبحاث. "إن الله لا ينزع العلم انتزاعا ولكن ينزعه بقبض العلماء".
ولما سادت العولمة كل شيء، وتحولت الحياة إلي سوق، والعلم إلي تجارة، نشطت المؤتمرات السياحية أخيرا. والغاية منها تعريف الناس بعضهم ببعض، واللقاء الإنساني في مجتمعات غلبت عليها الفردية والانعزال. غاب الترابط الاجتماعي أو الأخوة الإنسانية أو الحياة المشتركة في عصر العولمة وشبكات المعلومات وتحويل الحاسب الآلي إلي الرفيق الأوحد للإنسان يجعل العالم كله بين يديه، الواقع والممكن. كما نظمت المؤتمرات الطبية ليس لمناقشة موضوعات الطب بل للاستشفاء البدني والنفسي وملء الفراغ الروحي في المجتمعات الأوروبية والذي تحاوله "الكوميونات" أي جماعات العيش المشتركة الدينية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأدبية والفنية، وكما بدأت جماعات السان سيمونيين في فرنسا ومصر في القرن التاسع عشر. وهي الجماعات السائدة بين الطلاب والعمال والمثقفين بما في ذلك جماعات الجنس. وهناك مؤتمرات لتسويق الوظائف وتبادل المناصب بدعوي دراسة العمالة، وتقسيم العمل، والهجرة، والشباب، والبطالة، والحراك الاجتماعي. وهناك مؤتمرات للترفيه والتعارف الاجتماعي وإيجاد فرص للحياة خارج المجال الوظيفي، والعودة إلي إنسانية الإنسان، وليس الإنسان المنتج المطحون بالآلة وأدوات الإنتاج في المجتمع الرأسمالي. فيعود الناس إلي الحياة البدائية، ويعيشون وجها لوجه، بدلا من الحياة الحديثة التي أدار فيها كل إنسان ظهره للأخر، ووجهه للحاسب الآلي.
ومن هذه المؤتمرات الجديدة ما تم في تونس في يوليو الماضي من جماعة مجهولة تحت عنوان "التأويل والعلوم الإنسانية" وهو موضوع علمي دقيق، له أهله من المتخصصين. ووضع برنامج تفصيلي من مئات الأوراق علي مدي ثلاثة أيام في جلسات موازية، وموجود في موقع علي شبكة المعلومات. أسماء مشهورة، وأوراق ذات عناوين براقة، مهرجان للتأويل. ووضع اسمي كمتحدث رسمي في جلسة اليوم التالي. ومع الجلسات الافتتاحية هناك ورش عمل تفصيلية لنقاشات حول موائد مستديرة لتعميق موضوعات الجلسات العامة. وهو علي الورق تنظيم جيد، وبصيرة علمية نافذة. والمكان، فندق أبي نواس للإقامة. ومكان الاجتماع معهد العلوم والتكنولوجيا التابع لجامعة تونس. والافتتاح بحضور وزير التعليم العالي ووزير الثقافة. وبعد إيقافي في مطار قرطاج الدولي عشر ساعات بالرغم من حصولي علي تأشيرة دخول، فقد كان اليوم الأحد، عطلة رسمية، ولا يوجد مسؤول كبير، سمح لي أخيرا بالدخول بأمر من الرئيس لمكانتي العلمية وأستاذيتي المشهود لها بالرغم من أثري علي الحركة الإسلامية في تونس.
وامتلأ المؤتمر بالعموميات وإطلاق الأحكام والتطرق إلي العلوم الإنسانية بوجه عام. فالإنسانيات هي كلمة السر في المؤتمرات الدولية الآن للتغطية علي العولمة بعد أن خلقت تيارا معاديا لها، ترث كلمة الإدارة العليا التي تمهد للعولمة، الإدارة كبديل عن الدولة الوطنية. فالدول كالشركات، تدار بموظفين دوليين من الأمم المتحدة أو البنك الدولي أو صندوق النقد.
ويحضر مثل هذه المؤتمرات المئات من الجامعيين والباحثين لأنها جزء من النشاط العلمي الذي يدخل في خبرة الأساتذة، وأحد مسوغات ترقياتهم. فالخبرة أهم من الشهادة. والاشتراك في المؤتمرات العلمية عرض للعلم علي المستوي الدولي. ولا يقل أهمية عن الجلوس بالساعات الطويلة في المكتبات وأمام الحاسبات الآلية. تمولها الجامعة كلها أو علي الأقل نسبة كبيرة منها. فالنشاط العلمي لا يقل أهمية عن البحث العلمي والتبادل العلمي. والعمل العلمي المشترك خير من العمل العلمي المنفرد. لذلك كانت البحوث المشتركة أهم من البحوث الفردية. فالعلم نشاط جماعي وليس فقط إبداعا فرديا. ويحضر مثل هذه المؤتمرات الأمريكيون والاستراليون أكثر من الأوروبيين. ونادرا ما يحضر الأفارقة والأسيويون، أمريكا من أجل السيطرة علي العالم وتجنيد العلماء للعمل لحسابها، واستراليا لبعدها القاري في جنوب شرق آسيا، ولتبعيتها لأمريكا أكثر من انجلترا التي هي الأخري تابعة لأمريكا لإخراج الاستراليين من عزلتهم الجغرافية بعيدا عن جنوب شرق آسيا.
ويتم دعوة مشاهير المفكرين والعلماء من أجل إلقاء الكلمات الافتتاحية في الجلسات العلنية المشتركة وكأنهم نجوم الغناء والفن. يريد المشاركون رؤيتهم والاستماع إليهم وإن أمكن حوارهم ووضع ذلك في السيرة الذاتية لزيادة حجمها ووزنها وأهميتها وأثرها علي أماكن طلب الوظائف. ولا ضير من إقامة الموائد الفاخرة في أمسيات العشاء في الضواحي السياحية العامرة وعلي شواطئ البحر مثل سي بوسعيد. فالسياحة في تونس الدخل الرئيسي، ليس فقط لزيارة الآثار في قرطاج والقيروان وسوسه بل للتمتع بدفئها ومياهها وجمالها المعماري وتراثها العربي في الغناء والصناعات التقليدية والأطعمة الشرقية.
والبرنامج ضخم لتسويق المؤتمر والدعوة إليه. يتناول كل الموضوعات. والحديث في أي موضوع دون تحديد مسبق، سوق عكاظ. ولا يتعرض للقضايا الكبري التي مازال يعيشها ثلاثة أرباع سكان العالم في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية مثل استكمال التحرر الوطني، ومقاومة أشكال الهيمنة الجديدة مثل العولمة، وقضايا العدالة الاجتماعية، والوحدة والتجزئة، والتنمية المستدامة، والهوية ضد التغريب. فقد انتهي عصر الروايات الكبري ولم تبق إلا النتف الصغيرة المتشظاه باسم ما بعد الحداثة والتفكيك.
وتقوم عائلة بتنظيم المؤتمر وكأنه تنظيم عائلي شخصي لتقليل المصروفات. فالخصخصة لا حدود لها. والرأسمالية تقوم علي العائلات الكبري. والغاية ليست فقط ما يُعلن منها من موضوعات علمية ولقاءات إنسانية بل الاستثمار، ووضع رأسمال في عمل من أجل استثماره. فالاستثمار في كل مجال حتي في المؤتمرات العلمية والشركات المنظمة له. كل عمل تجارة. وكل تجارة ربح وتجنب الخسارة. وتدار الأموال السائلة بلا إيصالات أو تحويلات رسمية. فالعملية في بيتها. ويبدو القلق في تصرفات إدارة المؤتمر للتفاوت بين الظاهر والباطن، بين ما يُعلن عنه علي الملأ وما يخفي في الصدور.
المهم وجود المنظم المشارك في الوطن العربي، المغفل الشريك الذي يود أن يرتبط اسمه أيضا بالمؤتمرات الدولية للخروج من عزلته، وتحويل عقدة النقص إلي عقد عظمة، والخروج من المحلية إلي الدولية، ومن العزلة إلي المشاركة. هدف مثل هذه المؤتمرات إبعاد المؤسسات العلمية والتعليمية العربية عن الروايات الكبري وأحلام الخمسينيات والستينيات في العالم الثالث لإعادة تشكيل العالم من مرحلة الاستعمار إلي مرحلة ما بعد الاستعمار. وتحويل الوعي القومي في العالم الثالث إلي صغريات الأمور والروايات الصغري لما بعد الحداثة والتفكيك والتشظي والتفتيت والبؤر الصغيرة. ولهذا التيار أبطاله من مفكري كل عصر، توم وبيل وبول، المروجون لروح العصر مثل فقهاء السلطان عندنا. هم موظفو نظم العالم المتجددة باستمرار، هانتنجتون لصراع الحضارات، وفوكو ياما لنهاية التاريخ، والمحافظون الجدد للهيمنة علي العالم. هم أنبياء كل عصر، يعبرون عن روحه ويدعون له. ويصاب المثقف الوطني بالغثيان لأنه حتي في الغرب هناك مثقفو السلطان. وقد يفرح بينه وبين نفسه لأنه في الوطن العربي خاصة والعالم الثالث عامة مازال المثقف الوطني واعيا لتحولات العالم ومسار الحضارات«. يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم«.

Azzaman International Newspaper - Issue 2552 - Date 22/11/2006

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2255 - التاريخ 22/11/2006

AZP07
hshn