كيف يفكر المثقف العربي في الغرب؟ **

حسن حنفي **
مفكر مصري
هو المثقف المتغرب الذي قضي عمره في الغرب. ولا يحمل من العروبة إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه. ارتبطت مصالحه بالغرب. وأصبح خطابه عن ثقافته العربية الإسلامية موجها إلي الغرب. يتبني مواقفه وأهدافه. وهو نموذج يتكرر في المؤتمرات الدولية التي يعقدها الغرب عن الإسلام والمسلمين. ويُدعي إليها بعض المتغربين من داخل الأوطان أو من خارجها. يتحدثون بلغة الاستشراق. يعطي الأنا العربي أقل مما يستحق، ويعطي الأنا الغربي أكثر مما يستحق.
يأخذ موقفا نقديا من الإسلام، ثقافة وحضارة ودنيا. فيقع في صراع الحضارات. ويأخذ موقفا رافضا منه شعبا ومجتمعا وبشرا، فيقع في العنصرية الأوروبية. ويتبني المنظور الغربي، العلمانية، باعتبارها هي الحل في مقابل "الإسلام هو الحل". والواقع أنه لا حلول جاهزة من الموروث أو من الوافد. بل هناك تشخيص لواقع وتحليل للحظة تاريخية. وقد تتعدد الحلول. فلا توجد قضية لها حل سحري واحد. بل هناك حلول متعددة.
يأخذ المواقف الغربية، ويتبني المنظور الغربي. فيعتبر الأصولية فاشية كما صرح بذلك الرئيس الأمريكي أخيرا معمما الحكم علي الإسلام كله، بكل تياراته واتجاهاته ومدارسه ومذاهبه عبر أربعة عشر قرنا. والبديل عن هذا الداء هو دواء العلمانية الناجح. والدليل علي ذلك تجربة الغرب. مع أن الغرب لم يتخل عن تراثه اليهودي المسيحي بل غيره وأعاد تشكيله علي نحو عقلاني تجريبي بدلا من استنباطه من النصوص الدينية، وحتي يكون هناك مقياس للصدق خارج النص وعلوم التأويل. يتبني جدول الأعمال الغربي ويدافع عن الأحكام الغربية، ويبعد عن نفسه شبهة أنه مفكر عربي أو إسلامي. ويضع نفسه في مكان ليس فيه. مايوحي بأنه مفكر غربي. فالغرب حضارة خارج الزمان والمكان. والمفكر الغربي نموذج للمفكر من حيث هو كذلك، المفكر العالمي وليس المحلي كما هو الحال عند المفكرين الوطنيين العرب والهنود والأفارقة. ومن لم يكن غربيا فإنه ليس مفكرا.
وعادة ما يخلق المفكر العربي المقيم في الغرب أشباحاً من وهمه، لا وجود لها في الواقع. وهي موضوعات أثيرة في الغرب، أقرب إلي الأفكار النمطية الشائعة عن الإسلام والمسلمين مثل موضوع المرأة ووضعها غير المتكافئ مع الرجل في الميراث والشهادة والقوامة والرئاسة وإمامة الصلاة وتعدد الزوجات، والطلاق، والحجاب والنقاب. فالمرأة عورة تحجب في المنزل. وهي الجسد ولا شيء سواه. هي الأنثي، الزوجة والأم وليست العالمة ولا القاضية ولا المناضلة. ويكون ذلك في الوقت الذي يدعي فيه الغرب بأنه المدافع عن المرأة وقضاياها وأوضاعها، وحقها في العري والشذوذ الجنسي والإجهاض. فيبدو وضع المرأة في الإسلام متخلفا قديما في حاجة إلي تغيير جذري.
ويُقرن بموضوع المرأة موضوع الجواري والإماء وشراء النساء في أسواق النخاسة مع أن الموضوع نفسه لم يعد له وجود علي أرض الواقع، وبالتالي لم يعد موضوعا فقهيا أو ثقافيا. تجاوزه الواقع، وانقضي بفعل الزمن. ويُقرن به موضوع العبيد بالرغم من انتهاء الظاهرة، وقامت الحرب الأهلية الأمريكية في القرن التاسع عشر لتحرير العبيد. صحيح أن هذه الموضوعات مازالت مدونة في كتب الفقه القديم لأن الفقهاء الجدد لم يتجرأوا علي حذفها لانقضاء الظاهرة. فالفقه بلغة المغاربة علم النوازل أي الوقائع وليس الافتراضات النظرية.
وكي يتقارب المفكر العربي في الغرب للغربيين فإنه ينتقي من التراث القديم ما يوافق هواهم. ويضع جدول الأعمال الذي اختاروه من قبل والذي يسهل نقده وتشويه الإسلام من خلاله. فالأخبار السيئة هي الأخبار الصحيحة في حين أن الأخبار السارة ليست أخباراً علي الإطلاق. الأولي واقعية، والثانية مثالية. الأولي برهان، والثانية خطابة. الأولي علم ونقد وتحليل، والثانية دعاية ووعظ وتبشير.
ينقل المثقف العربي المتغرب العلم الغربي بحذافيره. فهو لم يتغير في نمط تفكيره القديم. وهو مثل السلفي الذي ينقده، نقلا بنقل. فالسلفي ينقل عن القدماء، والمتغرب ينقل عن المحدثين. يستعمل منهج النقل في كلتا الحالتين وليس منهج العقل أو التحليل الواقعي. ويعتمد علي تمايز الحضارات وخصوصية الثقافات وعقليات الشعوب. فهناك العقلية الغربية المتميزة بقدرتها علي التنظير والنقد والتحليل في مقابل العقليات السحرية والبدائية والخرافية وهي كل العقليات اللاغربية بما في ذلك العقلية العربية. ويكرر النظريات العنصرية الغربية، وربط الثقافة بالعِرْق وكما فعل فيليب بطاي في "العقلية العربية". وهي النظريات التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، عصر القوميات والصراعات بينها خاصة بين الفرنسية والألمانية.
وقد يتخفي المفكر العربي المتغرب وراء النظريات المجردة والكلام النظري الخالص ليوحي للغربيين بأنه حامل علم من نفس بضاعتهم. ويوحي للعرب الحاضرين بأنهم مازالوا خطباء ووعاظ ومتدينين. وهو ما يتنافي مع العلم الرصين والبحث الدقيق. وقد تدرك الحقائق بأبسط السبل وأقصر الطرق. وقد يكون الهدف من التنظير المفتعل إخفاء الحقائق أكثر من كشفها، وادعاء العلم أكثر من إعطائه.
ويتبادل المفكرون العرب المتغربون مع المستشرقين الكرة فيما بينهم ويزيحون غيرهم من المفكرين العرب والمثقفين الوطنيين. فهم غير مؤهلين للدخول في هذا النقاش النظري الخالص. وتغلب عليهم الإنشائيات والماينبغيات. وقد يغرد المثقف المتغرب بمفرده ليوهم نفسه والآخرين بأنه عالم غير منقطع النظير، لا يشق له غبار. ولا يهم استماع الحاضرين إليه أو فهم شيء منه بل ما يهمه هو إثبات أنه عالم مغوار أمام نفسه، وأنه يتفوق علي مواطنيه من المثقفين الوطنيين. ولإثبات استقلاله عنهم فإنه قد يعطي إجابات مخالفة لإجاباتهم، ولكن الأسئلة واحدة. ونصف الإجابة في طريقة وضع السؤال. ويتجاهل تساؤلات مواطنيه العرب الأصلاء لأنه لا يريد الذهاب إلي الأصول بدعوي الحداثة. ولا يريد أن يشك في مسلماته التي نقلها من الغرب. وقد يعلي الصوت في الإجابة غرورا أو يخفضه تواضعا. فالإجابة لديه نوع أدبي لإحداث أكبر أثر في السامعين.
والحقيقة أن الدافع وراء كل ذلك ليس العلم أو المنهج أو الخلاف في وجهات النظر أو في النتائج بل إثبات الجدارة حتي يتجدد عقده في جامعته أو تعرض عليه جامعة أخري عقدا أفضل. وقد يكون الدافع هو القضاء علي غربته وبعده عن وطنه بالارتماء في أحضان الغرب لإيجاد الوطن البديل والحنان الضائع. والمغلوب كما قال ابن خلدون مولع بتقليد الغالب. وهو لا يعلم أنه مهما باع نفسه ووطنه وثقافته فإن الغرب لن يشتريه. فهو مازال أجنبيا مهما قلد وتبني ودافع عن الغرب. فالغرب عنصري في جوهره. لا يقبل الدخلاء عليه مهما تغربوا. والثقافة الوطنية بعد أصيل في المثقف العربي مهما تغيرت الظروف وزادت الضغوط. الروح روح، والبدن بدن. والأصل لا يكون فرعا، ولا الفرع أصلا. وربما في نهاية العمر، يعود المثقف المتغرب إلي وطنه ليقضي الأجل هناك. فالتراب الوطني مثواه إن لم تكن الثقافة الوطنية مبغاه.

Azzaman International Newspaper - Issue 2547 - Date 16/11/2006

جريدة »الزمان« الدولية - العدد 2547 - التاريخ 61/11/2006

AZP07
hshn