نادي الضباط ونــــــــادي القضــــــاة
د. حسن حنفي
مفكر مصري
إن التاريخ يعيد نفسه، أزمة انتخابات نادي الضباط عام 1952 والتي عجلت بثورة يوليو، ومذبحة نادي القضاة في الإسكندرية عام 2006 والتي قد تعجل بثورة يوليو الثانية بعد ما يزيد علي نصف قرن. وهناك حنين إلي الستينات والعودة إلي ذروة انتصارات الثورة المصرية في مواجهة الاستعمار والصهيونية والبناء الاشتراكي لمصر، ورفض ما يحدث في هذا العقد من التحالف مع الاستعمار والاعتراف بالصهيونية والصلح معها.تلاعب الملك في انتخابات نادي الضباط ورغبته في انتخاب أحد أنصاره، حسين سري عامر، ضد مرشح الضباط، اللواء محمد نجيب. وهو ما يحدث الآن في الصراع بين مجلس القضاء الأعلي المعين من وزير العدل ممثل الدولة ونادي القضاة الحر المنتخب من مجموع الهيئة القضائية في مصر، والصراع علي قانون السلطة القضائية التي يريدها نادي القضاة، والإشراف علي الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإثبات التزوير في حالة وقوعه، وتصدي نواب محاكم النقض ورئيس نادي القضاة لذلك، الخضيري ومكي وبسطاويسي. أزمة نادي الضباط الأولي في القاهرة، وحصار نادي القضاة الثانية في الإسكندرية التي أيد معسكرها وأيدت جامعتها الثورة بعد اندلاعها.
والظروف في الحالتين متشابهة. التغيير الوزاري المستمر قبل الثورة والتخبط في السياسات بين القصر والإنكليز والأحزاب، والتخبط في السياسات الحالية والتغيير الشكلي للوزارات وعدم الاستقرار السياسي. وفي كلتا الحالتين الإخوان والشيوعيون في المعتقلات السياسية، وفشل الحياة الحزبية بين أحزاب القصر، أحزاب الأقلية، وحزب الوفد، حزب الأغلبية في الحالة الأولي، وفشل أحزاب الأقلية المعارضة وفشل الحزب الحاكم في استقطاب مجموع الشعب، ووجود حزب المعارضة الرئيس، الإخوان، في الشارع والبرلمان والصحافة دون أي سند شرعي يحميه بعد حل الجماعة منذ 1954 في الحالة الثانية.
كان هناك الملك والحاشية وأحزاب الأقلية. والكل يمثل سلطة القصر. واليوم هناك الرئيس والبطانة والحزب الحاكم ولجنة السياسات للتدخل في الحياة السياسية وفرض الوزراء والنواب والمحافظين ومديري الأمن ورؤساء الجامعات والهيئات العامة. وكان الإنكليز القطب الثاني في الحياة السياسية قبل الثورة يملون إرادتهم السياسية مثل حادثة 4 فبراير، والآن هناك الولايات المتحدة الأمريكية التي تملي سياساتها علي النظم السياسية بالمنطقة مثل التحالف معها في العدوان علي العراق. وكان الإقطاع سندا للقصر والإنكليز أولا، والآن رجال الأعمال والمصارف والمتلاعبون بأسعار الحديد والأسمنت ونواب القروض ورؤساء مجالس إدارات شركات القطاع الخاص مثل النقل الملاحي التي هرب صاحبها بعد غرق العبارة. والفساد في كلتا الحالتين مستمر، فساد التهرب من الضرائب والرشا والعمولات ونهب المال العام. والقمع مستمر أيضا علي مدي أكثر من نصف قرن. فأجهزة الأمن منذ أيام الملك حتي اليوم مدربة علي أن الشعب عدو النظام، وأن قادة التظاهرات عملاء للأجنبي. ومن الأفضل التعامل مع حركات المعارضة في كل الحالات علي أنهم من دعاة الشغب، وتعكير صفو الأمن والنظام العام.
قاد الضباط الأحرار أزمة انتخابات نادي الضباط بالأمس. ويقود اليوم المثقفون الأحرار والقضاة الأحرار حركة نادي القضاة وحركة الشارع المصري الممثلة في "كفاية" و"الحركة المصرية من أجل التغيير" و"فنانون من أجل التغيير" و"حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات" وتنظيمات المجتمع المدني التي بلغت أربعة عشر تنظيما تلقائيا حرا. عجل بثورة يوليو حريق القاهرة في يناير 1952. وقد تعجل بالثورة الحالية مظاهر العنف في المدن وفي سيناء وفي الريف والصراعات الطائفية في الصعيد والإسكندرية.
عبر الضباط الأحرار منذ أكثر من ستين عاما عن فورة الحركة الوطنية المصرية في الأربعينات كما جسدته لجنة الطلبة والعمال عام 1946، وتعبر حركة المثقفين والفنانين والقضاة الأحرار عن الهبات الشعبية التي اندلعت منذ هزيمة يونيو 1967، تظاهرات مارس 1968، تظاهرات ميدان التحرير عام 1971، الهبة الشعبية في يناير 1977، الإجماع الوطني علي رفض سياسات الجمهورية الثانية في سبتمبر 1981 والذي انتهي بحادث المنصة، هبة الأمن المركزي في 1986، انتفاضة الجامعات ضد العدوان الأمريكي المتكرر علي العراق في يناير 1991 ثم في رمضان 1998 ثم الاحتلال الشامل في مارس 2003. تكونت الخلايا الأولي للضباط الأحرار في فلسطين عام 1948 كما تكونت حركات المعارضة في الجمهورية الأولي في مارس 1968 ضد أحكام الطيران الذي أدي إلي هزيمة يونيو 1967، وضد التحول الاشتراكي في مصر بعد حرب أكتوبر 1973 وظل الصراع ضد التسلط والقهر ممتدا والدعوة إلي إقامة حياة ديموقراطية سليمة كأحد المبادئ الستة للثورة المصرية والذي مازال هدفا بعيد المنال بعد مرور أكثر من نصف قرن مع تعدد الأعذار: تأمين الثورة ضد خصومها في الداخل والخارج والديموقراطية المباشرة في الجمهورية الأولي، الديموقراطية لها أنياب والقوانين سيئة السمعة في الجمهورية الثانية، وقوانين الطوارئ وتزوير الانتخابات واللعب بالدستور في الجمهورية الثالثة.
ومما يساعد علي الإسراع في إنهاء مرحلة وبداية أخري الخروج علي مبادئ ثورة يوليو كلية، والتحول من الثورة إلي الثورة المضادة، ومن النقيض إلي النقيض. فقد تم الانقلاب علي الخيار الاشتراكي إلي الرأسمالية، ومن القطاع العام إلي القطاع الخاص حتي في القطاعات الشعبية مثل الكهرباء والمياه والمواصلات، ومن مجانية التعليم إلي التعليم الخاص، ومن دستور 1923 الذي وضع لمصر نظامها الليبرالي إلي دستور 1971 في الجمهورية الثانية والتغيير الشكلي للمادة 76 في الجمهورية الثالثة، ومن النظام الجمهوري إلي نظام التوريث المعلن وغير المعلن، ومن الملكيات الدستورية إلي الجمهوريات الوراثية، ومن تأميم الشركات الأجنبية إلي استدعائها كاستثمار مستقل أو مشارك، ومن القومية العربية إلي القطرية ثم إلي تفتيت الأقطار إلي فسيفساء عرقي طائفي كما يحدث الآن في العراق والسودان ثم في الخليج والحجاز ومصر وأقطار المغرب العربي كله، ومن التعاون مع الشرق ممثلة في الكتلة الشرقية وروسيا والهند إلي التعاون مع الغرب الأوروبي والأمريكي، ومن أفريقيا وآسيا في منظمة التضامن الأسيوي الأفريقي كدائرة ثالثة للتحرك العربي ابتداء من مصر والوطن العربي إلي الانكماش والانعزال والتراجع حتي أصبحت إسرائيل هي أداة التحديث في أفريقيا. وتتعاون مع الهند والصين في النهضة التكنولوجية الحديثة بما في ذلك صناعة السلاح. بل إن إسرائيل تطبق الآن سياسية الدوائر الثلاث حولها بدلا من مصر: الدائرة الغربية الأمريكية، والدائرة العربية الإسلامية ثم الدائرة الأفريقية الأسيوية.
وإذا كان ابن خلدون، والعالم كله يحتفل بستة قرون علي وفاته، قد حدد الجيل بأربعين أو خمسين سنة فإن عمر الثورة المصرية الأولي قد قارب علي الانتهاء منذ 1952 حتي 2003 غزو أمريكا للعراق، واستيلاء إسرائيل علي فلسطين كلها، النصف الأول في 1948 والثاني عام 1967 مع احتلال سوريا ولبنان، واسترداد سيناء منزوعة السلاح، فإن الثورة المصرية الثانية قد قاربت علي الابتداء بعد ثلاث جمهوريات: الأولي 1952-1970، والثانية 1970-1981، والثالثة 1982 حتي انتفاضة نادي القضاة وتضامن نوادي أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية، وحركة 9 مارس، وكفاية، والحركة الوطنية من أجل التغيير، ومنظمات المجتمع المدني، ونقابات الصحفيين والمحامين والمهندسين، والعمال في الطريق.
لقد تم تخصيب مصر بعد عزلتها وانكماشها علي نفسها. فانفرط العقد. توقف القلب ففشلت الأطراف. ولن تعود الأطراف إلي التآزر الحركي إلا بعد نهضة مصر من جديد، وعودتها إلي مسارها الطبيعي، وموقعها الجغرافي، وثقلها التاريخي. تحمي نفسها من التآكل والتفتت. وتحمي محيطها من التبعثر والضياع.

Azzaman Newspaper - 2389 Issue - 2/05/2006

جريدة (الزمان) - العدد 2389 - 2/5/2006

AZP07
HSHN