من كوبنهاغن إلي القدس
د. حسن حنفي
مفكر مصري
ارتبطت عاصمة الدانمرك "كوبنهاغن" بمجموعة من المثقفين العرب والإسرائيليين. وأصدرت بيانا باسمها بغرض تسوية سلمية للقضية الفلسطينية والتطبيع مع الكيان الصهيوني دون التزام واضح بالحد الأدني للتسوية: الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 بما في ذلك القدس الشرقية، وعودة اللاجئين، وإزالة المستوطنات، والسيطرة علي مصادر المياه. وخشي المثقفون العرب من التنازل عما لا يملكون، وأن مبادراتهم فيها عطاء أكثر مما فيها أخذ، وأنهم لا يمثلون الجماهير العربية ولا مطالبهم الوطنية. فخجل بعضهم، ومات البيان.
كما ارتبطت أسماء عواصم أوروبية أخري بنفس الموضوع، القضية الفلسطينية، مثل مدريد واتفاقياتها القائمة علي مبدأ الأرض في مقابل السلام، وأوسلو واتفاقياتها التي منها انبثقت السلطة الوطنية الفلسطينية دون قيام الدولة في الموعد المحدد وحتي الآن.
وارتبطت أسماء بعض العواصم العربية بالقضية الفلسطينية. وكان تحويل إسرائيل لمجري نهر الليطاني في جنوب لبنان هو الدافع علي عقد مؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة في الستينات. كما ارتبط اسم القاهرة باتفاقيات تنظيم العلاقة بين المقاومة الفلسطينية والدولة اللبنانية، ثم بتفاهمات القاهرة بين فصائل المقاومة الفلسطينية. كما ارتبط مؤتمر القمة العربية في الخرطوم في 1967 أعقاب الهزيمة باللاءات العربية الثلاث الشهيرة، لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضة مع العدو الصهيوني. وارتبط اسم الدار البيضاء بالقمة العربية التي جعلت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وارتبطت القمة العربية في بيروت بالمبادرة العربية، الانسحاب الكامل في مقابل السلام الكامل، استئنافا لمبادرة روجرز، ولمبدأ الأرض في مقابل السلام. وارتبطت مدينة الطائف باتفاقية إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية.
كما ارتبطت أسماء بعض العواصم العربية بلحظات فارقة في تاريخها مثل مؤتمر القاهرة في 1990 لتشريع العدوان الأمريكي علي العراق بفارق صوتين. وارتبط اسم تونس بمؤتمر القمة المؤجل للخلاف علي جدول الأعمال الداخلي أم الخارجي. كما ارتبط اسم بغداد من قبل بحلف بغداد الشهير في 1954. وارتبط اسم الرياض بالحلف الإسلامي بين الرياض وطهران وكراتشي في 1965 لمحاصرة القومية العربية ومضمونها الاشتراكي التقدمي.
قفز اسم "كوبنهاغن" من جديد إلي الأذهان بسبب الرسوم الساخرة التي نشرتها إحدي المجلات الدانمركية لقياس مدي حرية التعبير كما يقال في الظاهر، والقصد الحقيقي مدي إظهار سيادة المحافظة والتعصب والتخلف في العالم الإسلامي إذا ما ظهرت ردود أفعال سلبية استئنافا لقضايا سلمان رشدي البريطاني الهندي، ونصرة تسرين من بنجلادش، وربما أيضا نصر حامد أبو زيد من مصر عن اضطهاد المفكرين والكتاب في أوطانهم وبالتالي غياب حرية التعبير. فيكسب الغرب نقطة علي حساب المسلمين في حرية التعبير. والسؤال هو: لماذا التجربة علي الحضارات الأخري مثل الحضارة الإسلامية والشواهد كثيرة في الحضارتين المسيحية واليهودية؟ فعندما صدر فيلم "يسوع المسيح نجم كبير" قامت المظاهرات في إيطاليا وفي كثير من العواصم الأوروبية ضد الفيلم وتصوير المسيح في علاقة حب مع مريم المجدلية. وعندما بدأ بعض المفكرين والباحثين الأوروبيين في التشكك في الأرقام التي يعلنها الكيان الصهيوني عن المحرقة التي قام بها النازيون في ألمانيا خاصة، الخمسة ملايين، لابتزاز أوروبا من أجل التعويضات وشرعية الهجرة ليهود العالم، أربعة عشر مليونا، إلي إسرائيل، من الشتات إلي حق العودة، وضم الأراضي المحتلة وإقامة المستوطنات وتوسيعها لاستيعاب الهجرة، طالب الغرب بمحاكمتهم وإدانتهم بمعاداة السامية بالسجن والغرامة. وعندما تجرأ رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران بالتعبير عما يكنه كل عربي ومسلم تجاه الكيان الصهيوني، وما تربي عليه علي مدي جيلين من الزمان قبل مفاوضات السلام ومعاهدات الصلح والاعتراف به من مصر والأردن وموريتانيا، وطالب الإسرائيليين بالعودة من حيث أتوا، فلماذا يتحمل الفلسطينيون وزر ما اقترفه الأوروبيون، ثارت ثائرة الغرب واتهموه أيضا بالتطرف والتعصب والصبيانية واللاواقعية ومعاداة السامية وطالب بمعاقبته بالطرد من الأمم المتحدة لخرق ميثاقها الخاص باحترام استقلال الدول، مع أن ما تفوه به رئيس الجمهورية الإسلامية بالكلام قامت به الولايات المتحدة بالفعل في العراق وأفغانستان، وقامت به إسرائيل في فلسطين، وقامت به روسيا في الشيشان، والهند في كشمير. وبعد أن نجحت حماس في الانتخابات التشريعية في أكثر الانتخابات ديموقراطية في العالم دون تزوير أو غلبة، وهو ما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء غربا وشرقا، رفض الغرب نتائجها ولم يعترف بشرعية المنتخبين. وهددها بقطع المعونات عن الشعب الفلسطيني وعدم الاعتراف بها كممثل للشعب الفلسطيني إلا بعد الاستسلام لشروط إسرائيل دون مطالبة إسرائيل بالمقابل بالانسحاب من الأراضي المحتلة، وحق اللاجئين في العودة، تنفيذا للقرارات الدولية.
وتحية للعرب والمسلمين أن هبوا هبة رجل واحد لمواجهة الرسوم الساخرة من الرسول صلي الله عليه وسلم التي نشرت بإحدي المجلات الدانمركية. وقاموا بسحب السفراء العرب من العاصمة الدانمركية أو استدعاء سفراء الدانمرك في العواصم العربية والإسلامية للاحتجاج أو المطالبة بالاعتذار الرسمي ليس فقط من المشرفين علي المجلة بل أيضا من الحكومة الدانمركية أو بمقاطعة البضائع الدانمركية خاصة منتجات الألبان التي تمثل جزءا كبيرا من الصادرات الدانمركية أو القيام بالمظاهرات داخل الدانمرك وخارجها للاحتجاج علي إهانة المقدسات الإسلامية ورفع لافتات "نحن فداك يا رسول الله". كما تحركت منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمثل مليارا وربع المليارمن سكان العالم للاحتجاج. وقريبا غطي الرسام الهولندي ماثيو فان جوخ أجساد فتيات عاريات بآيات من القرآن الكريم وكان جزاؤه القتل تم علي إثرها اتهام المسلمين بالتعصب ومعاداة حرية التعبير. وهذا كله مما يثلج القلوب، ويثأر لكرامة العرب والمسلمين التي لم يعد أحد في الغرب يوليها أي اعتبار.
والسؤال هو: لماذا لم يقم الغرب والمسلمون قيامة رجل واحد لإنقاذ المسجد الأقصي، أولي القبلتين، وثالث الحرمين، والقدس المدينة، وفلسطين، الوقف الإسلامي؟ لماذا يتركون الحفريات تحت المسجد الأقصي تمهيدا لهدمه وإنشاء هيكل سليمان علي أنقاضه؟ ولماذا لم يقفوا وقفة رجل واحد ضد تهويد القدس وإقامة الجدار العازل، وزرع المستوطنات؟ولماذا لم تقطع الدول المتصالحة مع إسرائيل علاقاتها معها وإنهاء كل محاولات التطبيع معها وهي تقتل وتشرد وتصفي جسديا نشطاء المقاومة؟ ولماذا لم يسحبوا سفراءهم من واشنطن ولندن بعد عدوان أمريكا وبريطانيا علي العراق وقتل الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ؟ ولماذا لم يقاطعوا البضائع الأمريكية والبريطانية بعد احتلال أفغانستان؟ ولماذا لم يقطعوا مع روسيا بعد احتلالها الشيشان وهي جمهورية إسلامية وأراضي المسلمين؟ ولماذا لم يقطعوا مع الهند حتي تنسحب من كشمير والإقرار بحق تقرير المصير للشعب الكشميري طبقا لقرارات الأمم المتحدة؟ ولماذا لم يقاطعوا البضائع الأسبانية، وأسبانيا مازالت تحتل مدينتين مغربيتين، سبته ومليلية، من بقايا الاستعمار الغربي الحديث؟ وهل الرسوم الساخرة لشخص الرسول أكرم من دماء المسلمين وأراضيهم وثرواتهم وكرامتهم، ومن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا؟
إن المقدس في القرآن الكريم هو الله، الملك القدوس (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس)، (يسبح لله ما في السماوات والأرض الملك القدوس). تقدسه الملائكة (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك). والمقدس أيضا هو الروح القدس الذي أيد عيسي بن مريم (وآتينا عيسي بن مريم البيْنات وأيدناه بروح القدس)، (إذ أيدنك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا). وهو جبريل عليه السلام حامل الوحي للرسول (قل نزله روح القدس من ربك بالحق). وهو أيضا الأرض المقدسة (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) قبل أن يقطعوا العهد والميثاق، والوادي المقدس (إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوي)، (إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوي). أما الرسول فهو بشر، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. حرم إطراؤه وتعظيمه كما أطرت النصاري عيسي بن مريم. وهو علي خلق عظيم.
فإذا كان للمسلمين كل هذه القدرة علي التجميع والاعتراض والاحتجاج، وكان لديهم كل هذه الإمكانيات في التأثير علي أعدائهم وممثليهم ومغتصبي حقوقهم فأين توضع؟ أليس موقفنا أضعف في اتهامنا بأننا ضد حرية التعبير، وموقفنا أقوي في قدرتنا علي مقاومة الاحتلال؟

Azzaman Newspaper --- 2325 Issue --- 6 / 2 / 2006

جريدة (الزمان) --- العدد 2325 --- 6 / 2 / 2006

AZP07
HSHN