|
|
الدلالة المعاصرة للحج د. حسن حنفي مفكر مصري الحج هو الركن الخامس في الإسلام وأكثرها شعائرية. لذلك يسمي باستمرار "مناسك" أي شعائر. في حين أن أقلها شعائرية هي الشهادة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الصلاة. وتعني "حج" أيضا جادل وانتصر علي الخصوم. ومن اللفظ أيضا الحجاج أي الجدل، والحجة أي الدليل. فالحج دليل علي شيء وليس المقصود منه المناسك. وقد ذكر لفظ "حج" بمعني الدليل في القرآن عشرين مرة، وبمعني المناسك ثلاث عشرة مرة. فالحج دلالة ومعني وليس شعيرة ونسك. والدلالة أهم من الدال. الدلالة فعل في العالم وجهاد فيه (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين). فمساواة الشعيرة بالدلالة ظلم لأنهما لا يستويان. وقد تعني الحِجَّة السنة لأنها مرة واحدة في العام يتخلله فعل وعمل وزراعة وتجارة وإنتاج كما طلب شيخ مدين من موسي أن يعمل لديه ثماني حجج وإن عشرا فمن عنده كمهر تزويج ابنته إليه (علي أن تأجرني ثمني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك. ستجدني إن شاء الله من الصالحين) القصص (27). فالحج تطوع وليس مشقة، لمن استطاع إليه سبيلا (ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، والاستطاعة ليست فقط المال أو الجسم بل أيضا القبول العقلي. وهي القدرة علي إتيان الشعائر. منها عزائم ومنها رخص. فإن لم يستطع إتيان الشعائر كلها عزيمة وحرفيا فعليه ما استيسر من الهَدْي. ومن لا يستطيع التحليق فعليه الفداء أو الصيام أو الصدقة أو النسك )فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. ولا تحلقوا رؤوسكم حتي يبلغ الهدي محله. فمن كان مريضا أو به أذي من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك). فمن لم يجد الهدي في العمرة أو الحج فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع إن لم يحضر أهله المسجد الحرام )فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلي الحج فما استيسر من الهدي. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة. ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) البقرة (196). وفي الممارسة الاجتماعية تحول الحج عند البعض إلي غرور وجاه ولقب وزفة وتجارة ومنافع ومزايدة في الدين ورغبة في الشهرة والتستر علي الغش والنهب والاستغلال بالدين والمظاهر الشكلية. مع أن المقصود من الحج طهارة النفس، وتقوي القلب (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)،البقرة (197) (وتزودوا فإن خير الزاد التقوي). ودلالة الحج الأولي هي الوحدة، وحدة البشر جميعا ووحدة الأمة. ثلاثة ملايين من الحجيج في مكان واحد وزمان واحد وبهتاف واحد "لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والشكر" تعلن القوة الضاربة لمليار وربع من المسلمين، خمس سكان المعمورة، في لحظة تاريخية واحدة، ومن موقع واحد، ولهدف واحد، لا فرق بين جنس ولون ولغة وعرق. الحج في ميقات واحد )الحج أشهر معلومات(. أما الواقع فمختلف تماما. فالأمة ممزقة مختلفة. يعتدي بعضها علي البعض الآخر بالاحتلال المباشر أو بمعارك الحدود أو بالحروب الأهلية الداخلية أو بالانقسام العرقي والطائفي أو بتضارب المصالح والأهواء. والدلالة الثانية المساواة التامة بين البشر. فالكل في لباس واحد، لباس الإحرام، عاري الكتف، بلباس أبيض وخف غير مخيط، لا فرق بين فقير وغني، عظيم وحقير، حاكم ومحكوم، قوي وضعيف، رئيس ومرؤوس. "كلكم لآدم وآدم من تراب"، أن عباد الله إخوان". خلق الناس جميعا من نفس واحدة. لهم وحدة المصدر ووحدة المصير. يقف الإنسان الطبيعي كما ولدته أمه دون زيف حضاري أو طبقة اجتماعية من لباس أو مركب أو مسكن. أما الواقع فمختلف تماما. هناك الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، والحكام والمحكومون، والأسياد والعبيد، والسجانون والسجناء، والملوك والرعايا، والسلاطين والعامة. والدلالة الثالثة وجود مركز للأمة الإسلامية، بيت الله الحرام تطوف حوله، وجبل عرفات يصعدون إليه. فالأمة بما لها من ثقل يصعب أن تكون طرفا لمركز آخر. كان الهدف من مناسك الحج أن يصبح لشبه الجزيرة العربية مركز قديم جديد، للتجارة والإمارة، للثروة والسلطة. وكان الرسول يستقبل الوفود من الحجيج. وكانت مكة مركز تجارة القوافل بين الشمال والجنوب، رحلة الشتاء والصيف. ونشأت دولة جديدة من وسط شبه الجزيرة العربية تفرد جناحها شرقا علي إمبراطورية الفرس، وغربا علي إمبراطورية الروم. والآن أصبحت الأمة الإسلامية طرفا لغيرها من المراكز في الغرب أم في الشرق سواء في عصر الاستقطاب أم في عصر القطب الواحد. إذ يسهل بعد تفتيت الأمة أن تنجذب أجزاؤها إلي هذا القطب أو ذاك. والمركز هو البيت العتيق، أول بيت وضع ببكة. وإبراهيم أبو الأنبياء. وهو أول المسلمين )فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما( وهو مكان الأمن والسلام وليس الخوف والعنف والقتل المتبادل )إن أول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركا وهدي للعالمين. فيه آيات بيّنات، مقام إبراهيم. ومن دخله كان آمنا). والدلالة الرابعة أن الحج مؤتمر سنوي للأمة تعلن فيه موقفها من العالم بين الأصدقاء والأعداء. وخطبة الوداع التي ألقاها الرسول علي جبل عرفات أشبه بخطاب حال الاتحاد الذي يلقيه الرؤساء مرة في العام لإخطار الشعب بوضع الدولة وعلاقاتها بالدول الأخري وكما هو واضح في سورة "براءة" التي تعلن موقف المؤمنين من المشركين في حالة عقد معاهدات السلام والأمن بين الفريقين أم في حالة نقضها. )وأذان من الله ورسوله إلي الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله). فإن تابوا فالصلح وإن تولوا فالحرب. أما الذين لم ينقضوا عهدهم مع المسلمين ولم يظاهروا أحدا عليهم فإن لهم السلم والأمان. وإن استجار أحد منهم المسلمين فله أمنه وعهده عند المسجد الحرام. فإن نكث بالعهد فإنه يكون مع الأعداء. يغتاظ قلوبهم ولا يرقبون في المسلمين إلاًّ ولا ذمة. يرضون المسلمين بالأفواه وليس بالقلوب. وهو اختبار للمسلمين. أما اليوم فقد تحول الحج إلي شعائر فارغة من أي مضمون بدعوي لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة. والحج دلالة رمزية علي مسار الأمة في التاريخ بين أصدقائها وأعدائها كما هو الحال في خطبة الوداع. وطالما نقضت الولايات المتحدة وإسرائيل عهودهما مع المسلمين بالعدوان علي أوطانهم، وامتلاك أراضيهم، واستنفاد ثرواتهم، ومحو هويتهم بالرغم من كل الاتفاقات والمواثيق والعهود. والدلالة الخامسة، رمي الجمرات علي الشيطان بعشرات الحصي وحماسة الحجيج لذلك. يدفعون بعضهم بعضا إلي درجة الموت دفعا ودهسا بالأقدام حتي تمتلئ الأرض من فوق الجسور بمئات الأطنان من الحصي. والسؤال اليوم من هو الشيطان الأكبر؟ أليس إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وأين هو؟ أليس في فلسطين والقدس والمسجد الأقصي؟ ولو أن هذه الملايين الثلاثة قد زحفت إلي القدس في حركة مقاومة سلبية كما فعل غاندي في الهند لتحريرها من الاستعمار البريطاني بقعود الملايين في الميدان العام فلا تقوي الخيل البريطانية المرور فيه، لتم تحريرها. ولو أن هذا الحصي كان صواريخ تطلق علي المستوطنات الإسرائيلية لما بقي أحد منها في الأراضي المحتلة. فأين المعركة؟ وأين الرمي؟ وأين العدو؟ ألا يمثل الشيطان أهواء النفس وانفعالاتها، وأنه بالداخل وليس بالخارج كما قال الصوفية؟ والدلالة السادسة، ألا يمثل السعي بين الصفا والمروة البحث عن الماء للبقاء وعن الزرع للحياة )إن الصفا والمروة من شعائر الله(. ألا تعني مياه زمزم تفجير الينابيع من الأرض للإبقاء علي الحياة. )ربنا إني أسكنت ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة. فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) ابراهيم (37). فالمياه والزرع والاستقرار تعني التنمية والعمران. ومازالت الصحاري قاحلة، والمياه نادرة. والدلالة السابعة الفدي أي الضحية أي فداء الإنسان بالكبش. فالإنسان لا يُذبح حتي ولو كان بأمر الوحي في المنام. الإنسان قيمة مطلقة مهما كانت الظروف ) وفديناه بذبح عظيم(. والواقع انتهاك حقوق الإنسان، وآلاف المعتقلين السياسيين، والمعذبين في السجون، والحشر في وسائل النقل العامة والمدرجات الجامعية، وسكان النجوع وأطفال الشوارع وقاطنو المقابر. إن الحج له منافع للناس وليس مجرد شعائر وطقوس بل إن المنافع سابقة علي ذكر الله )وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا، وعلي كل ضامر يأتيك من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات علي ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس والفقير ثم ليقضوا نفثهم، وليوفوا نذورهم، وليطوفوا بالبيت العتيق(. فالطواف يأتي في النهاية وليس في البداية. وإطعام الجائع والفقير يأتي في البداية وليس في النهاية. تلك هي الدلالة المعاصرة للحج والتي تتجاوز الشعائر والطقوس والأشكال الخارجية إلي المضمون في القلب وفي حياة الناس، التقوي الباطنية ومصالح الأمة. Azzaman Newspaper --- 2313 Issue --- 23 / 1 / 2006 جريدة (الزمان) --- العدد 2313 --- 23 / 1 / 2006 AZP07 HSHN |