|
|
الشعب حين يتحرك د. حسن حنفي مفكر من مصر قد تكون مصر في لحظة فارقة من تاريخها بعد أن اشتد لف الحبل حول عنق سوريا، الأمن القومي لمصر في الشمال، ومخاطر التقسيم العرقي في السودان بين الشمال والجنوب والغرب، الأمن القومي لمصر في الجنوب، وبعد تفاقم العنف في شبه الجزيرة العربية واشتداد المعارضة المسلحة من أسفل من قوة الضغط السياسي والأمني من أعلي. وقد تكون حوادث الإسكندرية الأخيرة بداية النهاية في النظام السياسي في مصر، الفتنة الطائفية من أجل التقسيم، وتصاعد النداء بالدولة القبطية في مصر من أقباط المهجر وصداهم المكتوم في الداخل، بعد الدويلات الشيعية والسنية والكردية في العراق، والمارونية والإسلامية في لبنان، والعلوية والسنية في سوريا، والعربية والبربرية في المغرب العربي، والعربية والزنجية في السودان، والنجدية والحجازية والحضرموتية في شبه الجزيرة العربية، والسنية والشيعية في الخليج، والزيدية والشافعية في اليمن حتي تصبح إسرائيل هي أكبر دولة عرقية طائفية في المنطقة وسط فسيفساء من هذا النوع، تأخذ شرعية جديدة أبدية من طبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة بدلا من أساطير التكوين الأولي التي أعطاها لها هرتزل في "الدولة اليهودية" في أواخر القرن التاسع عشر، أساطير أرض المعاد، وشعب الله المختار. ومن هنا تأتي أهمية الانتخابات التشريعية من أجل معركة الحسم. هل تستمر مصر في سياساتها السابقة علي مدي ثلاثة عقود من الزمان في الجمهوريتين الثانية والثالثة بعد التحول مائة وثمانين درجة في سياساتها من مناهضة الاستعمار والصهيونية إلي التحالف والاعتراف بهما، ومن الاشتراكية إلي الرأسمالية، ومن الإنتاج إلي الاستهلاك، ومن التصنيع إلي الاستيراد، ومن التخطيط إلي الخصخصة، ومن الاستقلال الوطني إلي التبعية السياسية، ومن النزاهة إلي الفساد، ومن الحضور علي الساحة الإقليمية والدولية إلي الغياب، ومن الجمهورية إلي الملكية، ومن تحالف قوي الشعب العامل إلي الإقطاع الممثل في رجال الأعمال؟ أم هل تعود مصر إلي مسارها التاريخي، قائدة التحرر في الوطن العربي، وبؤرة وحدته وتنميته، متحالفة مع القوي الوطنية في العالم الثالث، باندونج وعدم الانحياز والقارات الثلاث، ورائدة التجارب التنموية في الدول النامية؟ يمثل الحزب الحاكم انحراف مصر عن مسارها الطبيعي. وتمثل قوي المعارضة الموحدة عودة مصر إلي مسارها التاريخي. كانت الانتخابات الرئاسية السابقة معروفة نتائجها سلفا مع بعض الحياء من %99.9 إلي %86 بالرغم من تعديل الدستور للانتخاب من بين أكثر من مرشح. فجاء الانتخاب في صورة استفتاء للزعيم الأوحد، وللرئيس الأبدي علي مدي أكثر من ربع قرن، مع توريث الحكم في أبنائه من بعده وهو ما لم يفعله حتي الأنبياء (قال إني جاعلك للناس إماما. قال ومن ذريتي. قال لا ينال عهدي الظالمين). فانحسر عنها الناس. وغاب المشاركون. ولم يتعد المنتخبون أكثر من %23 من شعب مصر. وسمع شعب مصر نداء المعارضة بالمقاطعة. وأصبح الرئيس الآن رئيس الأقلية، وليس رئيس الأغلبية. أما الانتخابات التشريعية الحالية فهي مختلفة. إذ تمثل معركة فاصلة بين المعارضة الموحدة التي تعبر عن تطلعات شعب مصر في مواجهة الحزب الحاكم الذي نهب مصر وأضاع كرامتها. لا شيء حُسم فيها من قبل. عيون منظمات المجتمع المدني وبعض المراقبين الدوليين عليها. والتحذير من التزوير، وتدخل أجهزة الدولة، والتلاعب بكشوف الانتخابات قد بدأ. والحزب الحاكم تتصارع أجنحته بين رعيل قديم بقيادة الأب، ورعيل جديد بقيادة الابن، بين الذين نهبوا مصر حتي التخمة والذين يستعدون لنهب مصر، فقد جاء دورهم. ومجلس نيابي قوي بالمعارضة خير من مجلس يستولي فيه الحزب الحاكم علي كل مقاعده باستثناء ديكور بسيط من أحزاب المعارضة المحظورة كالإخوان أو الشرعية كالتجمع والوفد والعربي الناصري. وربع المقاعد للمعارضة نحو مائة، يقدمون البديل، خير من معارضة هامشية لا تؤثر في تغيير سياسات الحزب الحاكم. لقد تعود المصريون علي السلبية السياسية وعدم المشاركة في الانتخابات علي مدي نصف قرن. كان الزعيم في الجمهورية الأولي يعبر عن طموحات الشعب ويحقق أمانيه. ووثقت الجماهير به، بالزعامة المباشرة التي تجُب المؤسسات، كما يحدث دائما للقادة العظام في التاريخ مثل محمد علي. وفي الجمهورية الثانية عندما أصبحت حرب أكتوبر آخر الحروب، والسلام اختيارا استراتيجيا، والرأسمالية ليست جريمة، وعربة وفيللا لكل مواطن، والكترون لكل جندي، تم تخدير الشعب علي أمل الخروج من عنق الزجاجة. واستمر نهب مصر في الجمهورية الثالثة كسياسة رسمية من بيع للقطاع العام حتي الشركات الرابحة، وتهريب رؤوس الأموال إلي الخارج، والفساد والعمولات، والتلاعب بالأسواق، والاحتكار، رأسمالية بلا قيم رأسمالية. فعزف الشعب عن المشاركة السياسية بالرغم من وجود أحزاب للمعارضة ابتداء من المنابر حتي الأحزاب الورقية. ثم استيقظ الشارع المصري وبدأت حركة الجماهير استئنافا للهبات الشعبية المتكررة ابتداء من أزمة مارس 1954، ومظاهرات الطلاب ضد أحكام الطيران في 1968، واعتصام ميدان التحرير مطالبين بساعة الحسم في 1971، ثم الهبة الشعبية في يناير 1977، ومظاهرات الأمن المركزي في 1986، والمظاهرات الضخمة ضد العدوان الأمريكي الأول علي العراق في 1991، والثاني عام 1998، وتأييد الانتفاضة الفلسطينية الأولي في 1987، والثانية في عام 2000. ونشأت حركات تلقائية وصلت إلي أربع عشرة حركة وفي مقدمتها "الحركة الوطنية من أجل التغيير" و"كفاية". ونشطت منظمات المجتمع المدني، ووسعت نشاطها خارج منظور حقوق الإنسان والمرأة الضيق إلي الفضاء الاجتماعي والسياسي. وثقت جماهير شعب مصر بالزعيم في الجمهورية الأولي، وتخلصت من المقامر في الجمهورية الثانية، والآن تنتفض ضد الإداري في الجمهورية الثالثة. قاد الربان الأول السفينة إلي بر الأمان وثقبها المقامر الثاني. والآن تغرق. والآن تعود مصر إلي سابق عهدها قبل الثورة، الحركة الوطنية في الأربعينات، ولجنة الطلبة والعمال في 1946 والتي تشبه وحدة قوي المعارضة الآن. الرهان اليوم علي حركة الشارع المصري والقوي الوطنية فيه، أحزاب المعارضة، التجمع والناصري والوفد، والأحزاب تحت التأسيس "الوسط" و"الكرامة"، والقوي السياسية "المحظورة"، الإخوان، في مواجهة تراجع الحزب الحاكم وانقساماته وصراعاته الداخلية علي قسمة الغنائم "ما شافوهمش وهمه بيسرقوا، شافوهم وهمه بيتحاسبوا". لذلك هرب البعض، وعد نفسه مستقلا حتي لا يلوَّث بمساوئ الحزب الحاكم ومفاسده. وقد يعودون إليه لتقويته ولأخذ نصيبهم من الغنائم. فالمستقل الذي ينجح بفضل استقلاله يخون الأمانة التي أولاها ناخبوه إذا ما عاد إلي الحزب الحاكم. ويقبلهم الحزب الحاكم لتوسيع حضوره في المجلس النيابي ضد أحزاب المعارضة. المشاركة الشعبية في الانتخابات النيابية ضرورة وطنية. ويستطيع المواطن أن يمارس مواطنته ويدافع عن وطنه بالمقاطعة مرة كما حدث في الانتخابات الرئاسية الماضية، وبالمشاركة مرة أخري كما هو الحال في الانتخابات الحالية. وقد يضع الحزب الحاكم العقبات مثل التلاعب بالكشوف، وتكرار أسماء الأحياء، وإضافة أسماء الأموات، وتعذيب المواطن للتعرف علي دائرته الانتخابية. فالكشوف لم تـُعلن بعد في الأقسام. وقد يستعمل نواب الحزب الحاكم كل أساليب الإرهاب التي قد تصل إلي حد التصفية الجسدية لمرشحي المعارضة أو لوضع العقبات الإدارية أمامهم، وإعاقة دعاياتهم الانتخابية. فنواب الحزب الحاكم يدافعون عن الثروة والسلطة في آن واحد. ولن يتركوا الشعب لاختيار حر لمرشحيه. إن المشاركة الفعالة في الانتخابات التشريعية القائمة هو الطريق إلي حصار الحزب الحاكم، وإقناع النظام السياسي أن الطغيان له حدود، وأن تزوير إرادة الشعب لم يعد ممكنا، وأن الشعب قد أخذ مصيره بيده بعد أن تساهل في حقه علي مدي ثلاثة عقود من الزمان. وهذا ما يتطلب جهدا زائدا من الشعب للمشاركة في الانتخابات، وتجاوز ما تعود عليه من السلبية والمقاطعة. كانت إدارة الظهر للحاكم أحد عوامل المقاومة. والآن مواجهة الحاكم وجها لوجه هو السبيل للخلاص منه. إن حركة التاريخ قد أسرعت خطاها مع قوي المعارضة الوطنية ضد الحزب الحاكم. ولم يبق للنظام السياسي إلا أن يدرك مسارها. فإما أن يتحالف مع الشعب، ويحرص علي مصر التاريخية وثوابتها في الاستقلال الوطني ودور مصر الإقليمي والدولي، وإما أن يرحل كما رحل حكام مصر السابقين، سعيد وتوفيق. ومازال رمسيس وأحمس وصلاح الدين ومحمد علي وعبد الناصر في الذهن والذاكرة، يحركون الخيال والوعي والضمير. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2267 --- Date 24 / 11 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2267 --- التاريخ 24 / 11 /2005 AZP07 HSHN |