الإنتخابات والشرطــة
د. حسن حنفي
مفكر مصري
عقدت المرحلة الأولي في الانتخابات التشريعية ربما للمرة الاولي في جو صحي أو تنافس حقيقي بين المعارضين والحزب الحاكم. وهناك حماسة شعبية للمشاركة من أجل التخفيف من سيطرة الحزب الحاكم علي المجلس النيابي، وإيجاد صوت آخر حتي تتحقق شروط الديمقراطية من وجود معارضة قوية قادرة علي التنافس مع الحزب الحاكم من أجل تداول حقيقي للسلطة وليس حكم حزب واحد، ووريث واحد علي مدي ربع قرن أو يزيد. ولا يتغير إلا بالوفاة أو بالاغتيال أو بالانقلاب.
والشرطة هنا مجرد رمز لسلطة الدولة التي تضم قوات الأمن المركزي ووزارة الداخلية بكل أجهزتها الأمنية العلنية والسرية، ووسائل الإعلام التي تقوم بدور الشرطة في الرقابة والتحيز وإبراز إنجازات الحزب الحاكم، وتصدر الرئيس نشرات الأخبار والبرامج الخاصة عن إنجازات ربع قرن مضي، والجهاز الإداري وعلي رأسه موظفو الدولة ورؤساء الإتحادات والنقابات والهيئات العامة والمحليات، ورؤساء المجالس البلدية والمحافظون ومديرو الأمن والمشايخ والعمد ورجال الحزب الحاكم والنوادي الرياضية. فالدولة هي المجتمع، والمجتمع هو الدولة مهما حاولت منظمات المجتمع المدني المستقلة الفكاك من هذه المصيدة والخروج من تلك الدائرة المفرغة.
فالشرطة ملك للشعب وليس للنظم. هي الدائمة والنظام هو العابر. هي جزء من الشعب العامل الكادح وليس من الحزب الحاكم الذي استولي علي السلطة والثروة ونهب مصر كما فعل الباشوات والإقطاعيون قبل الثورة. مهمتها الدفاع عن أمن الشعب التاريخي وليس أمن النظام السياسي، والدفاع عن مصالح الشعب وليس العمل ضدها، وحماية المواطن وليس تهديده، والعمل مع قوي الإصلاح والتقدم في البلاد وليس مع قوي الفساد والانحلال.
"الشرطة في خدمة الشعب" كان شعار مصر في الجمهورية الأولي بل وحتي في الجمهورية الثانية. له دلالته الواضحة. ثم تغير بعد ذلك في الجمهورية الثالثة إلي "الشرطة والشعب في خدمة القانون". وهو شعار يضع الشرطة والشعب في طرف واحد ومصلحة واحدة. أما القانون فقانون من؟ هو القانون الذي تضعه الدولة، وتصيغه السلطة، وينفذه الحزب الحاكم لصالحه. فما أُعطي باليمين "الشرطة والشعب" أُخذ باليسار "في خدمة القانون". خطوة إلي الأمام، وخطوة إلي الخلف.
ليس من الصعب تصور حياد الشرطة في المعارك الانتخابية بين مرشحي الحكومة ومرشحي المعارضة، مثل حياد أجهزة الإعلام واستقلال الجامعات والقضاء. وزير الداخلية مسؤول أمام البرلمان مثل مسؤولية وزير الدفاع. ورئيس الجامعة يمثل الجامعة لدي السلطة وليس السلطة أمام الجامعة. والقاضي هو ميزان العدل بين الحاكم والمحكوم دون استبعاد القضاة المستقلين عن الحكومة والإبقاء علي من يظن من المتعاونين معها في الإشراف علي الانتخابات. فإذا كان القضاء جزءا من وزارة العدل فإن نوادي القضاء جزء من منظمات المجتمع المدني. وإذا كان الضباط جزء من وزارة الدفاع فإن نوادي الضباط جزء من تنظيمات المجتمع المدني. وقد اندلعت ثورة يوليو 1952 من تدخل وزارة الدفاع في انتخابات نادي ضباط الجيش.
الواجب الوطني للشرطة هو عدم التدخل في الانتخابات التشريعية القادمة. فوجود مجلس نيابي يعبر عن حقيقة القوي الوطنية الفاعلة في الشارع السياسي أكثر أمنا من مجلس نيابي مزور تطعن فيه القوي الشعبية، ويحكم القضاء بحله كليا أو جزئيا، أو بإعادة الانتخاب كلية أو في بعض الدوائر التي جري فيها التزوير. هو تطبيق القانون الانتخابي بمنع التزوير وليس بالمساعدة عليه أو القيام به. وهو أيضا عدم ممارسة العنف مع مرشحي المعارضة أو ناخبيهم. مهمة الشرطة منع العنف واستتباب الأمن وتطبيق القانون، وعدم القبض علي المرشحين أو الناخبين وتلفيق التهم لهم وتفويت فرصة المشاركة عليهم في العملية السياسية. مهمتها عدم وضع العوائق أمام الناخبين ونقلهم من دائرة إلي أخري، والتلاعب بكشوف الانتخابات والبطاقات الانتخابية.
الواجب الوطني والمهني للشرطة هو الانتصار للحق والعدل والقانون والدفاع عن المظلوم من الظالم، وليس مساندة الظالم ضد المظلوم. واجبها عدم أخذ صف طرف ضد طرف، وعدم الانحياز للحكومة ضد المعارضة وهو الشائع أو للمعارضة ضد الحكومة وهو النادر. بالرغم من أن التصور الشائع هو أن الشرطة جزء من الحكومة، تأتمر بأوامرها. ومع ذلك ضمير الشرطي فوق مهنته، ووطنيته لها الأولوية علي الأوامر الصادرة إليه. يحكم الشرطي ضميره أولا قبل تنفيذ الأمر حتي وإن نفذ الجندي الأمر الموجه إليه في ساحة القتال. وكثيرا ما خالفت الشرطة أوامر الاعتقال وقامت بتهريب الوطنيين والمناضلين في العصر الملكي وأيام الاحتلال.
هناك قسم في الداخلية لتدريب ضباط الشرطة علي التيارات السياسية المحركة للمجتمع المصري لتنويرهم وتعليمهم أن المطلوب القبض عليهم هم مواطنون شرفاء يعملون لصالح الوطن وليسوا مجرمين أشقياء خارجين علي القانون. وفي الشارع السياسي قوي سياسية أربع تحركه. الإسلاميون ورمزهم الإخوان المسلمون، الجماعة التي مازال يطلق عليها "المحظورة" كما كنا نطلق علي إسرائيل وهي تحتل أراضي ثلاث دول عربية "إسرائيل المزعومة"، والليبراليون الذين كانوا يحكمون مصر قبل ثورة يوليو 1952، والناصريون الذين حكموا مصر بعد الثورة في الجمهورية الأولي، والماركسيون الذين كانوا علي مدي قرن من الزمان حزبا محظورا قائما علي العمل السري أو العلني. وقد تضاف إليهم مجموعة من الأفراد المستقلين الذين تنجبهم مصر متجاوزين الأحزاب الرسمية أو المحظورة والذين يعملون أحيانا مع تنظيمات المجتمع المدني والحركات الوطنية الأخيرة مثل "كفاية" و"الحركة المصرية من أجل التغيير" و"حركة الأدباء والفنانين من أجل التغيير" بالإضافة إلي حركة مهندسون ضد الحراسة، وحركة استقلال القضاة، والتي بلغت نحو خمسة عشر تنظيما. وهذه القوي الوطنية هي التي تحرك تظاهرات الطلاب في الجامعات وتشارك في اعتصامات العمال واضراباتهم. فهم ليسوا أعداء للوطن تقبض عليهم الشرطة وقوات الأمن للإهانة والتعذيب والاختطاف والاعتقال بلا تهمة أو محاكمة بالسنوات. هؤلاء هم حكام الغد ومصر المستقبل. لهم كل الاحترام والتعظيم. ليسوا مجرمين ولا تجار مخدرات ولا مهربين ولا فاسدين ولا مضاربين ولا أصحاب عمولات ورشا ورجال أعمال ملفاتهم أمام الرقابة الإدارية تنتظر موافقة السلطة السياسية للتقدم للقضاء في حالة الغضب عليهم أو الحفظ في حالة التستر والرضا عنهم.
يبدو أن الشرطة وأجهزة وزارة الداخلية لم تتغير منذ أيام الملك. كل معارض فهو عدو للوطن. لذلك تسمي الشرطة في بعض البلدان "الدرك الملكي". وبالرغم من قيام الثورة منذ أكثر من نصف قرن إلا أن الشرطة لم تتغير. توظيفها في الحفاظ علي أمن النظام وليس أمن البلاد. يوكل إليها الوقوف أمام التظاهرات والهبات الشعبية وغضب الشارع وحركات الاحتجاجات وفض الإعتصامات وكم الأفواه. وفي كل وزارة أو مصلحة أو هيئة هناك مكاتب للأمن. والأمن الداخلي الذي تحافظ عليه الشرطة له الأولوية علي الأمن الخارجي الذي يحافظ عليه الجيش.
إن من واجبات الحياة السياسية وحسن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تغيير صورة الشرطة في أذهان الناس وفي الثقافة الشعبية وفي الأعمال الفنية، بدلا من تعذيب المواطنين والقبض علي الأبرياء، وزوار الفجر وتعذيب المعتقلين السياسيين وتلفيق الأدلة والاتهامات الباطلة. وطالما أُخرجت الأفلام عن فساد الشرطة وتعاونها مع المجرمين ورجال الأعمال الفاسدين.
الشرطة، جنودا وضباطا، بالرغم مما يحدث في الأقسام من مآس وأحزان، هم في النهاية الأبناء والآباء. هم مواطنون مصريون يتألمون ويعانون مثلهم من الفساد في الداخل والتبعية للخارج. وفي الأدب الشعبي والتاريخ الوطني مظاهر كريمة للشرطة. لعبة "عسكر وحرامية" لدي الأطفال. والانضمام إلي كلية الشرطة أمل لحاملي الثانوية العامة والبحث عن الوساطات للقبول، دفاع قسم شرطة السويس عن العدوان البريطاني عليها بعد محاصرته قبل الثورة ورفض الاستسلام حتي الموت حتي أصبح ذلك اليوم عيدا للشرطة. وكما كان داخل الجيش تنظيم الضباط الأحرار في الأربعينات فهناك أيضا ضباط الشرطة الأحرار الذين رفضوا التعاون مع القصر والاستعمار، وقاموا بحماية الحركة الوطنية المصرية. ولا فرق بين أمن البلاد في الخارج وتلك مهمة الجيش، وأمنه في الداخل، وتلك مهمة الشرطة. المهم أمن من؟ النظام أم الشعب؟ الحزب الحاكم أم الوطن؟ الحاضر أم المستقبل؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2262 --- Date 19 / 11 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2262 --- التاريخ 19 / 11 /2005

AZP07
HSHN