|
|
حقوق الإنسان مرة أخري د. حسشن حنفي مفكر من مصر عقدت الشهر الماضي في مدينة لوجانو بسويسرا ندوة دولية نظمتها كلية اللاهوت (أصول الدين) بعنوان "حقوق الإنسان بين الثقافات المحلية والشرائع السماوية". وهو موضوع مشترك بين القانونيين واللاهوتيين إجابة علي سؤال: إلي أي حد تتضمن الشرائع الدينية حقوق الإنسان؟ فلم يعد اللاهوت حديثا في الإلهيات أو النبوات، عقليات أو سمعيات، بل معالجة لقضايا العصر مثل حقوق الإنسان، والمجتمع المدني، والتعددية، والأخلاق البيولوجية، والمجتمع التقني... الخ . وكانت أغلبية المدعوين من الكاثوليك ثم الإنجليكانيين ثم البروتستانت ثم اليهود، ومسلم عربي واحد، ومسيحي عربي واحد. والسؤال الأهم بطبيعة الحال يتعلق بالشريعة الإسلامية خاصة قانون العقوبات أي الحدود وإلي أي حد تتفق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، خاصة حد القتل وحد السرقة وحد الزنا؟ فحق الحياة حق من حقوق الإنسان ولا يمكن تصحيح خطأ بخطأ في القصاص. وحق امتلاك البدن حق طبيعي من حقوق الإنسان، لا يمكن بتر أحد أطرافه، وإلا تحول المجتمع الإنساني كله إلي مجتمع من المعاقين. وعقدت أربع جلسات. الأولي عن التراث اليهودي المسيحي الإنجليكاني والعبراني والمسيحي الفلسطيني. فالإنجليكانية جماعة وسط بين الكاثوليكية والبروتستانتية، منتشرة في إنكلترا وأمريكا خاصة، ولها فروعها في الوطن العربي. والعبراني وليس اليهودي إشارة إلي الدين اليهودي القديم. والمسيحي الفلسطيني أي المسيحية العربية وخرق حقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة. والجلسة الثانية عن القانون العام والتراث الديني القانوني، الكاثوليكي والعبراني والإسلامي. هنا تتميز الكاثوليكية عن غيرها من الطوائف. وتبقي الشريعة اليهودية بوصفها مصدر الشريعة المسيحية. ويتفرد الإسلام بالإجابة علي السؤال المطروح عن حقوق الإنسان في الإسلام. والجلسة الثالثة عن الحرية الدينية كحق عام. فالحرية حق طبيعي للإنسان مثل الإيمان من أجل الاعتراف بالآخر، والحوار بين الأديان. أما الجلسة الرابعة فكانت عن القانون الإنساني وبناء السلام من وجهة نظر الكاثوليكية والعبرانية والإسلامية. وهنا تمثل الكاثوليكية المسيحية. وتتكرر العبرانية للمرة الثالثة، والإسلامية للمرة الثانية. وقضية الحرب والسلام تشغل بال العالم بالرغم من نهاية الاستقطاب والحرب الباردة. وتعددت لغات الندوة بين الإيطالية والفرنسية والألمانية وهي اللغات الرسمية الثلاث في سويسرا بالإضافة إلي الإنكليزية. طالت الأوراق وقلت المداخلات. كل لاهوتي أو قانوني يعرض مادته العلمية قراءة وليس ارتجالا. يعلن إيمانه المسبق دون ما رغبة في الحوار مع الآخر. فكبار رجال الدين علي رأس الحضور. ورؤساء الجامعات وكبار الأساتذة مشاركون. غاب الفكر الحر. كما عز التأويل والقراءة والاجتهادات الجديدة. وقد استرعت الورقة الفلسطينية والورقة الإسلامية الانتباه. فقد عرضت الأولي خرق حقوق الإنسان لشعب فلسطين في الأراضي المحتلة قدمها عربي ومسيحي من أصول أرمنية. وعرضت الثانية تأصيل حقوق الإنسان في الإسلام في نظريات الإنسان الكامل في التصوف، والإنسان العامل في الفقه، والإنسان الحكيم في الفلسفة. وبينت أن مقاصد الشريعة التي من أجلها وضعت الشريعة ابتداء هي العناصر المكونة لحقوق الإنسان وهي الحفاظ علي الحياة أي النفس، والعقل أي العلم والمعرفة، والدين أي القيمة والمعيار، والعرض أي الكرامة، والمال أي الثروة الوطنية. وقد عز الحوار بين المشاركين نظرا لغياب مدرسة الحق الطبيعي السابق علي مفهوم حقوق الإنسان لدي القانونيين واللاهوتيين. الحق الطبيعي هو الحق الفطري الذي يشارك فيه البشر جميعا بصرف النظر عن شرائعهم ودياناتهم. مازال الغرب منشغلا وشاغلا نفسه بموضوع حقوق الإنسان لأسباب خاصة بثقافته وأخري تتعلق بثقافة الآخرين. فهو يزهو بأن ثقافته هي ثقافة الإنسان والتاريخ، في حين أن ثقافات الشعوب الأخري مثل الثقافات الشرقية ثقافات الله والخلود. وهو الذي صاغ مفهوم حقوق الإنسان مرتين، الأولي أثناء الثورة الفرنسية في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن". والثانية بعد الحرب العالمية الثانية "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وهو الأشهر والأكثر ذيوعا بعد أن صادقت عليه الأمم المتحدة وأصبح ميثاقا من مواثيقها الدولية ملزما لكل دول العالم التي وقعت عليه. ومن ثم يسجل الغرب لنفسه نقطة لصالحه علي باقي الشعوب التي تمتلئ سجونها بآلاف المعتقلين السياسيين، وتذهب آلاف أخري ضحايا الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والعرقية فاقت المليون شهيد في رواندا بين قبيلتين، الهوتو والتوتسي. وينسي الغرب أنه أيضا ضحي بآلاف من البشر في عدوانه علي باقي الشعوب منذ المرحلة الاستعمارية في القرن التاسع عشر عندما استعمرت أوروبا كل العالم القديم في أفريقيا وآسيا بالإضافة إلي العالم الجديد منذ بداية العصور الحديثة في نصف الكرة الغربي. ومازالت تحصد جيوشه الآلاف في العراق وأفغانستان والشيشان، ولا يتحرك لخرق حقوق الإنسان في فلسطين أو في الدول التي تحكمها نظم سياسية موالية له. ويكثر الآن الحديث عن حقوق الإنسان في إطار صراع الحضارات حتي يعطي الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية لنفسه شرعية التدخل في الدول المستقلة وتغيير أنظمتها غير الموالية بدعوي خرق حقوق الإنسان، فأصبحت مثل ذريعة امتلاك أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، وتهديد الأمن الدولي، وعدم الانصياع لقيم العالم الحر وفي مقدمتها الديموقراطية والتعددية السياسية. وهو موضوع حيوي داخل الغرب تثيره التجمعات اليسارية المناهضة للعولمة كأحد أشكال الهيمنة الجديدة، ودفاعا عن الأقليات في الغرب وحقوق المهاجرين في العمل والإقامة، والمساواة في الحقوق والواجبات مع الأغلبية. تكشف عن المعيار المزدوج في الغرب، تطبيق حقوق الإنسان عند البيض الأمريكيين ذوو الأصول الإنكيلزية البروتستانتية (الواسب) وخرقها في الأقليات الأمريكية من أصول أفريقية أو أسبانية أو عربية. فهناك فرق بين النظر والعمل، بين المبدأ والواقع، بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كوثيقة وأوضاع حقوق الإنسان في الغرب كممارسة. وهو موضوع مهم بالنسبة لنا أيضا. فأوضاع حقوق الإنسان لدينا مخترقة. وتـُتهم ثقافتنا بأنها لم تعرف مفهوم حقوق الإنسان. وتعيش شعوبنا في القهر والتسلط والطغيان. لذلك نجد أنفسنا في موقف الدفاع باستمرار عن ثقافاتنا وأنها عرفت أيضا مفاهيم عدة لحقوق الإنسان. فليس هناك مفهوم واحد، هو المفهوم الغربي، القائم علي التصور الفردي للإنسان وحريته المطلقة بما في ذلك حق الإجهاض والشذوذ الجنسي والعري. في حين يوجد مفهوم جماعي لحقوق الإنسان يقوم علي الاعتراف بالآخر وبأنساق القيم كما يقررها الحق الطبيعي أو الفطرة الإنسانية. لذلك أصدرنا "الإعلان العالمي لحقوق الشعوب" لتأكيد حق كل شعب في تقرير المصير، وفي حريته واستقلاله، تعبيراً عن نضال الشعوب وحركات التحرر الوطني في الخمسينات والستينات. وقد صدر هذا الإعلان في الجزائر عام 1971. مازال الغرب يفرض علينا موضوع حقوق الإنسان ويدعم ماليا ومعنويا عشرات الجمعيات الأهلية النشطة في هذا المجال، تقوية للفرد علي حساب الجماعة، وفرضا لجدول الأعمال الغربي علي باقي الموضوعات مثل المجتمع المدني، والمرأة، والأقليات، والإدارة، والتحول الديموقراطي كأساس للخصخصة والنشاط الاقتصادي للقطاع الخاص وغيرها من العناصر التي تكون مشروع "الشرق الأوسط الكبير". والعولمة ليست فقط اقتصادية وقوانين السوق بل أيضا خضوع العالم كله إلي منظومة ثقافية واحدة، هي المنظومة الغربية. أما جدول أعمالنا الخاص باستكمال تحرير الأرض والدفاع عن الاستقلال الوطني، ومقاومة الهجمة الاستعمارية الجديدة، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستقلة، والدفاع عن الهوية، وحشد الجماهير فهي أساطير قديمة عانتها الشعوب، وانقلبت إلي ضدها بعد إفلاس الدولة الوطنية وتحولها إلي دولة قهر وفساد، وتبعية واستغلال. مازال الغرب يهاجم ونحن في موقف الدفاع. نحاول أن نبين "حقوق الإنسان في الإسلام". والهجوم أقوي من الدفاع. الغرب يقف في موضع قوة، ونحن في موقف ضعف. وتتجلي عقدة العظمة لديه في نقاط قوته، وعقدة النقص لدينا في نقاط ضعفنا. الغرب هو الذي يضع اللحن، ويضبط الإيقاع وما علينا إلا الرقص والدوران. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2243 --- Date 24 / 10 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2243 --- التاريخ 24 / 10 /2005 AZP07 HSHN |