هل هناك موانع للديموقراطية؟ - د. حسن حنفي / مفكر مصري
اختلف النقاد، قدماء ومحدثين، حول علاقة الشكل بالمضمون. فصل القدماء بينهما طبقا للثنائيات التقليدية القديمة: اللفظ والمعني، البدن والنفس. فالمضمون مستقل عن الشكل استقلال المعني عن اللفظ، والنفس عن البدن. المعني ثابت في الذهن، واللفظ يتبدل. والوجود الذهني سابق علي الوجود اللفظي. المعني في الذهن واللفظ في اللسان والحلق. لذلك نشأ علمان منفصلان. علم المنطق لضبط المعاني وطرق الاستدلال، وعلوم البلاغة لاختيار أحسن الألفاظ وأفضل الأساليب طبقا لتعريف البلاغة القديم "حسن القول طبقا لمقتضي الحال".أما النقاد المحدثون فقد وحدوا بين الشكل والمضمون. فلا مضمون بلا شكل، ولا شكل بلا مضمون. يفرض الشكل مضمونه كما يفرض المضمون شكله. ومن هنا نشأت البنيوية والأسلوبية ومناهج تحليل الخطاب. وإذا كان القدماء قد وقعوا في المثالية وعالم الماهيات المستقل عن عالم الوقائع فإن المحدثين قد وقعوا في الشكلانية اللفظية.وربما تحتاج علوم اللغة إلي نظرية جدلية ثالثة تجعل العلاقة بين الشكل والمضمون ليست علاقة آلية ثابتة ، تمييزا أو توحيدا، انفصالا أو اتصالا، بل علاقة متحركة. يختار المضمون شكله أولا. ثم يعيد الشكل تكييف مضمونه ثانيا. ثم تظهر الوحدة العضوية الحركية بينهما في تجدد مستمر لكليهما معا طبقا لآليات الإبداع.والانتخابات مجرد شكل أو آلية لتحقيق الديموقراطية وليست غاية في ذاتها وإلا وجد الشكل دون المضمون أو وجد مضمون مغاير بل نقيض للديموقراطية وهو الطغيان أو كما يقول ابن رشد في جوامعه علي جمهورية أفلاطون "وحدانية التسلط". الانتخابات هنا مجرد تبرير للتسلط وتشريع للطغيان. تهدف إلي معرفة رأي الناس وإدراكهم للمصالح العامة ولأفضل من يمثلهم في الديموقراطية التمثيلية أو الديموقراطية البرلمانية أو في الديموقراطية المباشرة. الانتخابات آلية لآلية، آلية للديموقراطية، والديموقراطية آلية لتحقيق المصالح العامة. الانتخابات وسيلة لا غاية، وسيلة لإشراك الناس في إدارة شئون البلاد واختيار حكامها. والديموقراطية أيضا وسيلة لا غاية، وسيلة لتحقيق المصالح القومية بمشاركة الناس ضمانا لتحقيق أنجح وأفضل من بيروقراطية الدولة أو فردية الحاكم.والسؤال هو هل هناك موانع للديموقراطية في بعض الثقافات ولدي بعض الشعوب كما تروج لذلك بعض النظم العنصرية صاحبة التفوق الحضاري؟ فأوروبا نموذج للديموقراطية في نظم حكمها وليست آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية.
في الغرب وحده منذ القرن السابع عشر نشأت نظرية العقد الاجتماعي عند لوك واسبينوزا ونظّرها روسو في القرن الثامن عشر لتفسر نشأة السلطة في المجتمع عن طريق التفويض، تفويض الناس عن رضا جزء من سلطتهم إلي واحد يختارونه في ما بينهم ليحقق الإرادة العامة La Volontژ Gژnژrale. فـــــي حين عــــــــــــــــاش الشرق في "الاستبداد الشــــــــــــرقي" Le Dژspotisme Oriژntale كما نظّره مونتسكيو. ثم أضيفت عليها نظريات "المستبد العادل" أو "الزعيم" لتفسير بعض النظم السياسية في بعض الثقافات الأخري في أفريقيا وأمريكا اللاتينية التي يجّب فيها الفرد الدولة، ويعبر بقدراته الخاصة عن روح الشعب ومصالح الأمة.ويضرب المثل قديما بالفرعونية في مصر والتي مازالت في اللاوعي الجمعي للمصريين. هو الله الذي يقرر ماذا يفعل، وما علي الشعب إلا الطاعة. وعندما أتي الإسكندر إلي مصر اعتبره المصريون ابن الإله رع أو آمون. ورأي فيه المفسرون "ذو القرنين" الذي يتحدث عنه القرآن بلغة الإعجاب. وجعله الفلاسفة موحدا بالله ينشر التوحيد في ربوع أفريقيا وآسيا، وليس فقط تلميذ أرسطو. واستمرت الفرعونية في الكنيسة القبطية في الدور المركزي الذي يقوم به رئيس الكنيسة الأرثوذوكسية الذي يتوحد مع الملك أو الإمبراطور في العصر البيزنطي. وكانت الثقافة اليونانية الرومانية التي مارست الديموقراطية اللاتينية في أثينا والرومانية في روما، ثقافة وافدة من الخارج. وبقت هامشية في مقابل مركزية الموروث.
واستمرت مركزية السلطة في الثقافة الإسلامية في مصر السنية في الفقه، الشيعية في الثقافة الشعبية التي تقوم علي تأليه الإمام كما ظهر لدي الحاكم بأمر الله، وتقديس الأئمة المعصومين، وتبجيل آل البيت. وعمت ثقافة الأولياء وسلطتهم وقدرتهم علي إجراء المعجزات. وظهر حورس من جديد، رمزا لشركة مصر للطيران، والمعارض الفنية في الداخل والخارج في صورة "ابن البلد"، وفي الأغاني الشعبية "البلد عاوزه ولد"، والفتوة في ملحمة "الحرافيش"، والزعيم في مسرحية "الزعيم". وتعلم التلاميذ في المدارس دور منقذي مصر الكبار، أحمس طارد الهكسوس، وصلاح الدين محرر القدس، ومحمد علي باني مصر الحديثة، وعبد الناصر مفجر ثورة يوليو ومؤسس التجربة الاشتراكية ورائد القومية العربية.وفي الحياة الوطنية، ثم التركيز أيضا علي زعماء مصر الوطنيين: أحمد عرابي، عبد الله النديم، مصطفي كامل، محمد فريد، سعد زغلول، مكرم عبيد، مصطفي النحاس أكثر مما ذكر الشعب وحركات الجماهير وصفوف المقاومة. فالزعيم يجسد روح الشعب. والغناء له والمدح في "كامل الأوصاف" و"عاش اللي قال" و"زعيمنا جمال"، ورئيس الجمهورية الثانية "آخر فراعنة مصر"، وزوجته "ملكة مصر" نفرتيتي وكليوباترا وحتشبسوت وشجرة الدر معا.ولم يقتصر ذلك علي مصر. بل عمّ النموذج في آسيا عند ماوتسي تونج، وهوشي منه، وغاندي، ونهرو. وظهر أيضا عند محمد محاضر، باني ماليزيا الحديثة في المادة 116 التي تعطي له سلطات استثنائية. وظهر في أمريكا اللاتينية عند بيرون والبيرونية في الأرجنتين. بل ولم يخل النموذج الأوروبي الديموقراطي منه في المادة 16 في الدستور الفرنسي التي تعطي ديجول سلطات استثنائية لإنقاذ البلاد من الخطر.وإذا كانت الانتخابات مجرد آلية للديموقراطية، والديموقراطية مجرد وسيلة لمعرفة اتجاهات الرأي العام ورؤي القوي السياسية، فقد يستوفي النموذج الأوروبي الشكل دون المضمون.
فلا فرق بين الجمهوريين والديمقراطيين، أكبر حزبين سياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية، في العدوان علي العراق، وتأييد إسرائيل، وتدعيم النظام الرأسمالي.
ولا فرق بين المحافظين والعمال، أكبر حزبين سياسيين في بريطانيا أيضا، في العمل لنفس الأهداف. لذلك إن لم تكن الديموقراطية وآلية الانتخابات وسيلة لتحقيق نسق من القيم أو مشروعا قوميا يجسد مصالح الناس فإنها تكون مجرد شكل دون مضمون.وليس للديموقراطية شكل واحد أو نموذج أوحد بل تتعدد أشكالها. والشوري أحد الأشكال، تحقق الديموقراطية سلبا، وهو عدم التفرد بالرأي والقرار دون استشارة أهل الاختصاص، أهل الحل والعقد بتعبير القدماء، لتجنب الدوافع الشخصية أو المصالح الطبقية. ومعظم مآسي العرب من القرارات الفردية مثل زيارة رئيس الجمهورية الثانية للقدس، وعقد اتفاقيات كامب ديفيد، ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، والخصخصة، والاعتماد شبه الكامل علي الولايات المتحدة، وغزو العراق للكويت.
شرط الديمقراطية الأول هو حرية الرأي، وتداول السلطة. "إني وليت عليكم ولست بخيركم" ضد التمديد إلي ما لا نهاية. والعقد والبيعة والاختيار ضد التوريث وضد الانقلاب العسكري الذي سماه القدماء "الشوكة".

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2221 --- Date 24 / 9 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2221 --- التاريخ 24 / 9 /2005

AZP07
HSHN