|
|
التدفـــــؤ بالكلمــــــــات وبنـــات شـــــــــهرزاد - نبيل سليمان / دمشق لأن شهرزاد ظاهرة كونية، فبناتها يملأن الأصقاع والأزمنة. ولذلك يجري الحديث في هذه الزاوية عن خمس كاتبات معاصرات، واحدة منهن بريطانية والأخريات أمريكيات: إنهن الكاتبات اللواتي رسم كرم نعمة لهن في كتابه (التدفؤ بالكلمات) بورتريهات تعرّف قراء وقارئات العربية بهنّ، كما تعرّف بهن بنات وأبناء شهرزاد ممن يكتبن ويكتبون بالعربية. أما الكاتبة البريطانية فهي جينات وينتيرسون التي ولدت في مانشستر عام 1959 لأبوين كانا يهيئانها لتكون مبشرة، لكن جينات استقلت عن أبويها في السادسة عشرة، ودرست الأدب الإنكليزي في أكسفورد، وعملت في فرقة مسرحية وفي صحيفة محلية قبل أن تظهر عام 1985 روايتها الأولي (البرتقالة ليست الفاكهة الوحيدة في العالم). يتحدث كرم نعمة عن علاقته (الألكترونية) بجينات وينتيرسون، بأسلوبه المميز في الصحافة الثقافية، فيذكر أنه تعرف علي الكاتبة (ألكترونياً) أثناء دراسته الجامعية، وتوطدت العلاقة علي هذا النحو علي الرغم من قرب المزار بينهما. واللافت فيما يذكر نعمة هو مالازم رواية (البرتقالة..) من المطابقة مع السيرة الذاتية لصاحبتها التي عدّتْ هذه المطابقة خطأً فاحشاً فقالت: "أردت أن أخترع نفسي كشخصية روائية، مما سبب لي الكثير من الحيرة. بالطبع إن الأساس قائم في رواية (البرتقالة) لكن هناك الكثير من ذاتي وحياتي بداخل متن جميع كتبي". وهكذا ذاع شذوذ جينات وينتيرسون التي تعيش منذ عشر سنوات مع صديقة، نائية عن صخب وأضواء الحياة الثقافية، تتابع مزرعتها الصغيرة وتكتب أعمدتها الصحفية في الغارديان والتايمز، كما تكتب دراساتها عن واقع المرأة. والأهم أنها تكتب الروايات التي صدر منها (ركوب الزوارق للمبتدئين ـ 1985) و(العاطفة ـ 1987) و(ثمار الكرز ـ 1989) و(الكتابة علي الجسد ـ 1992) و(ثلاثة أصوات وسمسار ـ 1994) و(تماثل ـ 1997) و(ياويربول ـ 2000) والحبل علي الجرار. أما عبء السيري في الرواية، ، يبهظ الكاتبة العربية وحدها. يحضر الفضاء الألكتروني فيما يكتب كرم نعمة عن الكاتبات الأمريكيات أيضاً. فمن حوار (ألكتروني) مع كايت وايت ومع لوان رايس ومع جيليان هوفمان، ينقل كرم نعمة ما يضيء عمل الكاتبات، كما ينقل عن موقع باربارا ديلينسكاي الأليكتروني ما تصوغه من حوار تفترض فيه من يسألها، وتعيد فيه صياغة أسئلة قرائها. ويبدو أن ما يجمع أولاء الكاتبات الأمريكيات هو احتراف ذلك النمط الروائي الشعبي: روايات المتعة والإثارة والرعب والرومانسية . تلك هي تاس جيريتسين التي يُسأل زوجها دائماً: "ألست خائفاً من أن تكون متزوجاً من هذه المرأة؟" فهذه الكاتبة صاحبة الخمس عشرة رواية تبدو للقراء المولعة بالمطابقة بين الرواية والسيرة، حفارة قبور أو مصاصة دماء، فيما هي تفيض (أنوثية رقيقة) وتعزف علي الكمان وتعني بحديقتها المنزلية. لكن رواياتها مرعبة، وقد توزعت بين ست روايات في الإثارة الطبية وبين الباقي في الإثارة الرومانسية. والكاتبة تؤكد أن لا حاجة لأن يكون المرء ذا نزعة قتالية كيما يكتب بطريقة مقنعة عن القتل. وقد كانت جيرتسين في طفولتها تجمع العقارب والسعالي وتشرّح الثعابين، ثم درست علم الأحياء والأنثربولوجيا الطبيعية، فالطب، مما أفادها في رواياتها التي تتساءل عن طبيعة الإنسان الظلامي وعما يقوده إلي الشر. فالبطلة الجرّاحة المتدربة في رواية (تيار الدم) تكشف تفاصيل زرع الأعضاء للأغنياء بدلاً من المرضي المحتاجين لها، والمتبرَّع بها لهم. وقد روت الكاتبة أن شخصية السفّاح في روايتها (الجراح) قد سكنتها بعد الانتهاء من كتابة الرواية، كما تروي أن زوجها بدأ يشعر أن شخصاً ثالثاً يشاركهما البيت. وستشغل شخصية السفاح كاتبة أمريكية أخري هي جيليان هوفمان وروايتها (العقاب ـ 2004) التي تبدأ في نيويورك عام 1988 وتنتهي بنهاية القرن. وكانت الكاتبة قد تعرضت للاغتصاب علي يد صديقها، فغدت معاقة جسدياً ونفسياً. إلا أن الكاتبة صارت المحامية ك. ج تاونسند في قضية سفاح النساء في ميامي، والذي سيتكشف عن ذلك الصديق المغتصب: تلك هي الرواية (العقاب) ولكن كم فيها من السيرية؟ كم في تاونسند من هوفمان؟ إنه السؤال الذي ينقله كرم نعمة من حوار مع الكاتبة علي موقع بوك ريبورتر، كما ينقل الجواب الذي يخاطب المحاور: "اكتب ما تعرفه. هناك الكثير مني". عن الموقع نفسه ينقل نعمة من حوار مع كاتبة أخري هي كايت وايت، فنتعرف علي تجربة أخري لهذه الصحفية ـ رئيسة تحرير مجلة كوزمو التي تعني بالمراهقين ـ الروائية التي تقول بصدد روايتها الأولي (إذا نظرت يمكن أن تقتل): "كان عليّ أن أنتفض علي أدواتي الصحفية وأنا أنجز روايتي الأولي، من دون أن أتنكر لها". وبصدد روايتها (أجواء حمام معدني) تروي كايت وايت أنها شرعت تتردد علي الحمام المعدني أسبوعياً وهي تعد للرواية، حتي أدمنت هذا الترداد، و"تأليف رواية يستحق هذا الإدمان". والكاتبة مشغولة بالمرح ـ أهو السخرية؟ ـ في كتابتها الروائية التي تفرد لها ساعة صباح كل يوم، بالإضافة إلي عطلة نهاية الأسبوع كلها، وتلك هي ضريبة العمل في الصحافة فضلاً عن الأمومة، والكاتبة أم لطفلين. وقد تبدو كايت وايت إذن أقل احترافاً، علي النقيض من باربار ادينيسكاي التي "تقضم الوقت كقطعة حلوي". فهذه الكاتبة بلغ رصيدها خمساً وستين رواية، وهي التي جاءت روايتها الأولي (تلال جنة) عام 1980، حين كانت تربي أطفالها الأربعة، فتكتب ودفترها في حجرها وهم حولها. ليست باربارا دينيسكي محترفة كتابة فقط، بل محترفة قراءة أيضاً. ومن قراءاتها الواسعة تأتيها أفكار رواياتها. وإذا كانت ـ كما تروي ـ قد أنجزت روايتها الأولي في ثلاثة أسابيع، وإذا كان نجاح روايتها الأولي قد دفعها إلي أن تكتب ست روايات في سنة واحدة(!!) فقد بات إنجاز رواية يقتضي منها تسعة أشهر، وهي التي تعمل يومياً تسع ساعات. أما السبب فهو "العقد الذي وقعته مع الناشر والمال الذي سأحصل عليه". ومع أن هذا (الاحتراف) يبدو (اقتصادياً) أضعاف مما ينبغي، يظل لدي هذه الكاتبة ما تقوله بصدد ما اشتهر من لغتها الروائية: "أنا لا أفكر بنفسي كروائية ما لم أمسك بجودة الكلمة الساحرة دائماً، مثل شبح تآكل صوته وتضعف بصره، لكن براعته في نسج الحكايات مازالت تبهر المستمعين". حين تشرع هذه الكاتبة التي درست في الجامعة سيكولوجيا الفنون والآداب، بكتابة رواية، تضع مخططاً تفصيلياً، وتستهلك مئات المسودات الكومبيوترية قبل أن تسلم للمحرر النسخة التي سيعمل عليها. وقريباً من هذا النمط الذي تمثله دينيسكاي تبدو لوان رايس التي عملت علي إنجاز روايتين معاً لصيف 2005 هما (طفل الصيف) و(صيف من الورد)، بعدما كرستها روايتها (الأجراس الفضية) كاتبة للعطل بامتياز. وعن هذه الرواية المفعمة بالتفاصيل عن الطراز المعماري لنيويورك تقول الكاتبة إنها درست تاريخ الفن، وإن أستاذ النقد الأدبي بريندن جل الذي أصبح ناقد الهندسة المعمارية في النيويوركر، كان يصحبها بنزهة معمارية لدراسة جسر بروكلن، ولمعاينة رواق معرض كلوكتوير في مانهاتن، ورواق قلعة بيلفيدير في المتنزه المركزي، ولتأمل نوافذ السفينة الشراعية من الشارع الرابع والأربعين غرباً. وقد كان كل ذلك" دروساً في التذوق البصري هذبت ذائقتي وعلمتني كيف أنتقي الزاوية النظر للشواخص القائمة؛ لم أكن أغفل مساحة امرّ من أمامها من دون أن أدوّن شـــــــــــــــيئاً عما تركته من إيحاء". تلك هي البورتريهات التي قدمها كرم نعمة في كتابه (التدفؤ بالكلمات) بالخبرة التي توفرت له في الصحافة الثقافية. ولعل تلك البورتريهات الغريبة غالباً عمّن لشهرزاد منا من بنات وأبناء، أن تكون حافزاً حتي وهي تستدعي نقيضها، سواء تعلق ذلك بالاحتراف خاصة، أم بالإبداع عامة. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2220 --- Date 22 / 9 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2220 --- التاريخ 22 / 9 /2005 AZP09 NBSL |