|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري - ضحية المطرقة والسندان.. مَنْ قتل سفير مصر في العراق؟ يفرق الفلاسفة، شرقيين وغربيين، عند وقوع أي حدث بين أنواع من العلل أهمها العلة الفاعلة والعلة الغائية. ويتساءلوا: أيهما أكثر تأثيرا في وقوع الحدث؟ فمن الذي قتل سفير مصر، مختطفوه وهي العلة الفاعلة أم سياسة مصر وهي العلة الغائية أي السبب الذي من أجله اغتيل سفير مصر؟ ويفصل فلاسفة آخرون العلة الفاعلة ويجعلونها علي أنواع: الأداة، السلاح الأبيض أو السلاح الناري أو اليد التي تمسك به أو الشخص القابض بيده علي السلاح. ويضيف آخرون، والضحية نفسها، عدم قدرتها علي الهرب أو عدم نجاحها في المقاومة. ومع ذلك يتفق الجميع علي أن العلة الفاعلة الحقيقية هو الهدف من الفعل والغاية من ارتكابه. وقد تكوّن إجماع الأمة الآن بعد طول تردد، وبعد النجاحات التي حققتها علي أن ما يحدث في العراق الآن مقاومة مشروعة للاحتلال يقوم به الجيش العراقي الذي حافظ علي نفسه بأسلحته وعتاده يوم احتلال بغداد في أبريل 2003 بعد شهر من المقاومة بعد أن تحول من جيش إلي شعب، ومن عسكريين إلي مدنيين. فالجيش جيش الشعب. وانضم إليهم البعثيون والإسلاميون واليساريون والليبراليون الوطنيون. فالأرض أرض العرب والمسلمين. ولا فرق بين أن يكونوا من الداخل أو من الخارج، من العراق أو سوريا أو لبنان أو إيران. فالمعركة واحدة. وأرض العروبة واحدة. والشعب العربي واحد. بل إن قوات الاحتلال بعد أن غاصت في مستنقع العراق وتكبدت الخسائر في الأرواح والعتاد بدأت تفاوض المقاومة المسلحة مباشرة في الميدان أو عن طريق الحكومة التي تشكلت تحت الاحتلال أو عن طريق تنظيمات جديدة تنشأ بوازع من الاحتلال وكأنها مستقلة، وتنادي بضرورة الوصول إلي كلمة سواء حتي تغطي انسحاب قوات الاحتلال وكأنه كان رضوخا لإرادة شعب العراق، ووقفا لإراقة الدماء، وحماية لشعب العراق. وأصبحت المقاومة تشتد يوما وراء يوم. وتكسب شرعية جديدة ممن كانوا يترددون في الاعتراف بها وبعد أن انتقلت من الدفاع إلي الهجوم، وتحولت قوات الاحتلال من هجوم إلي دفاع، وبعد أن قامت ببطولات نالت احترام الجميع في الداخل والخارج. من قتل سفير مصر هي سياسة مصر الخارجية تجاه العراق وفلسطين خاصة ومجمل القضايا العربية والإسلامية. فقد آثرت مصر الانكماش علي نفسها بدعوي استهلاك مواردها علي أكثر من نصف قرن علي الأمن القومي في مصر في الشام، حدود مصر الشرقية المفتوحة، والتي كانت تأتي منها الغزوات. وكان زرع الكيان الصهيوني لفصل مصر عن الشام، وبتر الوطن العربي قسمين، قسم في آسيا، وقسم في أفريقيا. وأخطر من الانكماش هو تحالف مصر مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. فقد أعطت سياسة مصر للعدوان علي العراق في مؤتمر القاهرة في 1990 الشرعية للغزو الأول لأمريكا للعراق في يناير 1991 بفارق صوت واحد، وتخلت عن دورها في الوساطة والمصالحة بين العراق والكويت من أجل انسحاب العراق من الكويت بإرادة العرب وليس بالغزو الخارجي. ومن مظاهر هذا التحالف الاعتراف بحكومة العراق التي تكونت تحت الاحتلال، وإرسال سفير لمصر هناك. بل وتزعمت مصر الدعوة إلي استئناف التمثيل الدبلوماسي بين الأقطار العربية والحكومة التي تكونت تحت الاحتلال بدعوي مساندة شعب العراق والعمل لصالحه. وتثار تساؤلات في الشارع المصري حول الضغوط الأمريكية علي مصر للقيام بذلك حتي لا تسقط حكومة العراق وينكشف للعالم أن كل الانتخابات التي تمت في العراق تحت الاحتلال والتي قاطعها قسم كبير من الشعب العراقي كانت غير شرعية وأن الحكومة لا تمثل شعب العراق. ولو فعلت مصر، الشقيقة الكبري ذلك لتبعها العرب طبقا للتصور الشائع. يضاف إلي ذلك سوء الاختيار، وتردد السفير الضحية في القبول. فقد أمضي من قبل عدة سنوات في البعثة الدبلوماسية المصرية في إسرائيل، وفلسطين تحت الاحتلال. وها هو ينتقل إلي العراق، أيضا تحت الاحتلال. وقد تم التعيين مواكبا لصفقة الغاز المصرية إلي إسرائيل بالمليارات علي عدة سنوات قادمة. يضاف إلي ذلك اضطهاد جماعات المعارضة في مصر، واعتقال أعضاء الإخوان المصريين، قادة وشبابا طبقا لقانون الطوارئ. المسئول هو سياسة مصر الخارجية التي وضعت سفرائها في الخارج في موضع الخطر وسياسة مصر الداخلية التي اضطهدت الحركة الإسلامية. المقاومة العراقية هي مجرد أداة التنفيذ وليس سببه بل السبب سياسة مصر الخارجية، العربية والإقليمية والدولية. لذلك جاء في بيان الخاطفين: "مصر، دولة الطاغوت التي والت النصاري واليهود"، وكما تقرر كتب الفقه القديم. والسرعة التي تم بها الاختطاف والقتل تبين أن الأمر يتعلق بالمبادئ والمواقف العامة من مصر وسياساتها العربية. ولم يكن هناك مجال للحوار أو المساومة أو الوصول إلي وعود. وأصبح السفير ضحية المطرقة والسندان، مطرقة المقاومة وسندان سياسة مصر العربية وموقفها من حكومة العراق تحت الاحتلال، وحكومة إسرائيل المحتلة لأراضي فلسطين. وقد نجحت سياسة المقاومة في سحب القائم بأعمال البحرين بعد أن تمت محاولة الاغتيال، وانتقال سفير باكستان إلي عمان، وتقليل عدد أعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية في العراق. وقد نجحت المقاومة من قبل بعد تفجير قطارات مدريد في إسقاط الحكومة اليمينية الأسبانية المتحالفة مع الولايات المتحدة وانتخاب الشعب الأسباني حكومة اشتراكية سحبت القوات الأسبانية من العراق. كما نجحت تفجيرات قطارات لندن بإعلان رئيس الوزراء البريطاني بنية بريطانيا سحب قواها في ظرف عام. بل جاءت التقارير أيضا لخوف أمريكا أن يصيبها ما أصابها من قبل أن أمريكا ستسحب معظم قواتها في ظرف عام حتي لا تظل وحيدة تغرق في مستنقع العراق. وتهيج ذكريات فيتنام وانتصار شعب من شعوب العالم الثالث علي أكبر قوة في العالم. فالتاريخ يعيد نفسه. وأمريكا لا تتعلم من التاريخ لأنها لا تاريخ لها. إن مؤازرة العرب للمقاومة في العراق وفلسطين بل وفي أفغانستان والشيشان يوما بعد يوم، وتحمل مناظر الدماء التي تسيل من أجل استقلال العراق، سواء من قوات الاحتلال أو من الشرطة المتعاونة معها يحاصر سياسة العرب الخارجية تجاه العراق خوفا من أن تنتقل إليهم المقاومة بعد استقلال العراق، كما انتقلت إليهم بعد طرد القوات السوفيتية من أفغانستان وعودة العرب الأفغان إلي أوطانهم. ويفخر العرب بدور سوريا ولبنان وإيران في حرب تحرير العراق. إن تيار العداوة إلي الولايات المتحدة وإسرائيل يشتد يوما بعد يوم في الوطن العربي والعالم الإسلامي بل في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بل وداخل الولايات المتحدة ذاتها. وانتخاب رئيس جمهورية إيران دليل علي ذلك. فالناس سئمت استجداء الكرامة والتذلل للقَوي ليرحمها. فلا يفل الحديد إلا الحديد. ولا يقاوم المحافظة الجديدة في الولايات المتحدة إلا المحافظة القديمة في العالم الإسلامي، حماية لإيران وسوريا ولبنان. إن شهادة سفير مصر هي نتيجة لسياساتها. ولا يعوض عن ذلك تعزية عامة أو خاصة، مرة أو مرتين، ورعاية أسرة الشهيد. فلا شيء يعوض الرجال إلا الاتعاظ بهم وحمايتهم من رعونة الحكام. قد يكون الأمر معادا، ولكن الذكري تنفع المؤمنين. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2172 --- Date 26 / 7 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2172 --- التاريخ 26 / 7 /2005 AZP07 HSHN |