|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري - العالم الوطني والزائر الاجنبي - قياس ارادة الشعوب يتحقق بالتعرّف علي نبض الشارع العلاقات بين الحضارات علاقات تعلم متبادل. فلم تكن الحضارات في يوم ما دوائر منعزلة عن بعضها البعض منغلقة علي نفسها. وإذا حدث فإنها تنقرض وتموت. الحضارات في تفاعل بينها للإثراء المتبادل )وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). والتفاعل بين الحضارات تعبير عن ميزان القوي الحضاري. فالحضارة "الأعلم" تصب في الحضارة الأقل علما. والحضارة "الأعقل" تنساب في الحضارة الأقل عقلا. الحضارة الأقوي تقوم بدور المعلم. والحضارة الأضعف تقوم بدور التلميذ، وكما هو الحال في الأواني المستطرقة، نظرا لوجود حضارة إنسانية واحدة تتغير مركزها علي مر الأيام، وتتغير علاقة المعلم بالتلميذ، مرة يكون المعلم معلما، والتلميذ تلميذا، ومرة يصبح التلميذ معلما، والمعلم تلميذا. فلا يوجد معلم أبدي ولا تلميذ أبدي. إنما هو تبادل للأدوار )وتلك الأيام نداولها بين الناس). حدث هذا في الصين قديما عندما انتشرت الكونفوشيوسية علي سائر ربوع آسيا، وكذلك في الهند عندما انتقلت البوذية من الهند إلي التبت والصين واليابان وجنوب شرق وأواسط آسيا. وحدث نفس الشيء في حضارة فارس عندما عمت المانوية والزرادشتية والمزدكية في آسيا وامتدت غربا حتي الوطن العربي. كما رحلت حضارات ما بين النهرين، بابل وآشور، إلي اليونان، مهد الحضارة الغربية. وذاعت حضارة مصر القديمة إلي السودان والشام واليونان. وأثرت حضارة كنعان في دين إبراهيم علي مختلف مراحله. وذاعت حضارة اليونان والرومان عبر شواطئ البحر الأبيض المتوسط كله شمالا وجنوبا، شرقا وغربا. وقد ورثت الحضارة العربية الإسلامية الحضارات القديمة كلها ووحّدتها في حضارة إنسانية واحدة، ونشرتها مع تنوعها في ربوع العالم كله شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا. ثم ورثتها الحضارة الغربية الحديثة منذ سقوطها الأندلس وحتي نهاية العصور الغربية الحديثة وبداية النهضة الإسلامية المعاصرة. كان الغرب يأتينا زمن هارون الرشيد يتعلم من أطبائنا وعلمائنا ورياضيينا وصيادلتنا وصناعاتنا. ثم كنا نأتيه منذ القرن التاسع عشر وإرسال محمد علي البعثات التعليمية من أجل نقل المعارف والعلوم وتأسيس النهضة العربية الحديثة. واستمرت البعثات التعليمية في العصر الليبرالي في النصف الأول من القرن العشرين، وفي العصر الاشتراكي في النصف الثاني منه. وقد قل إيقاعها نظرا لتحول مسار التاريخ وانتقال المركز الحضاري من الغرب إلي الشرق، ومن الغرب إلي الإسلام. فالقرن الواحد والعشرين هو قرن الصين صناعة ، وقرن الإسلام حضارة. وطبقا لهذا التصور "البندولي" للحضارات يزورنا الآن عديد من الباحثين والدارسين والصحفيين الغربيين لجمع المعلومات عن مصر والعرب، والإسلام والمسلمين. وينضم إليهم أحيانا رجال السياسة والأعمال، وزراء دفاع وثقافة وشئون دينية وأصحاب شركات يريدون الاطمئنان علي استثماراتهم من قبول للشعوب أو رفض لها بصرف النظر عن موافقة الحكومات. فالشعب هو الأهم لأنه هو الذي يعطي العمال وهو الذي يستهلك. وهو الذي يغضب ويثور، ويدمر ويحرق. وقد ينضم إليهم الجواسيس والمتآمرون وأصحاب النوايا الشريرة، المثيرون للشغب الطائفي والعرقي في مسموح الرهبان. ويبدو أن مجرد جمع المعلومات عن طريق شبكات المعلومات والملفات والتحليل الكمي لا يفيد في الإحساس بنبض الجماهير، وحركة الشارع ومسار التاريخ. فقد كانت عند أمريكا وإسرائيل أكبر قدر ممكن من المعلومات عن حركة الجيشين المصري والسوري ونقاط توجهاته، ولكن أجهزة استخباراتهما عجزا عن التنبؤ باندلاع الحرب الساعة الثانية إلا خمس دقائق ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر عام 1973. فإرادة الشعوب. والدفاع عن الاستقلال الوطني، وكرامة الأوطان لا يمكن أن تحسب كمّاً عن طريق الحسابات الآلية بل هي كيفيات خالصة حرة لا يمكن التنبؤ بها. لذلك يأتي الزوار الأجانب علي اختلاف تخصصاتهم لمعايشة المنطقة والحديث مع مثقفيها وعلمائها لمساعدتهم علي تحديد رؤية لهم لحاضر شعوب المنطقة ومستقبلها. فالفكر الوطني أقدر علي المعرفة من الزائر الأجنبي. الأول يعرف بالتجربة المعيشة، والثاني بالمعلومات الميتة. يريد الغرب ألا يؤخذ علي غرة كما حدث في إيران. فقد اندلعت الثورة الإسلامية في إيران في فبراير 1979 والغرب يظنها واحة أمان. كما أخذت إسرائيل علي غرة في الانتفاضة الأولي، وفوجئت أمريكا بعد احتلال العراق وتغيير النظام بالمقاومة الشعبية العراقية ورفض الشعب العراقي الاحتلال الأمريكي لوطنه. يستعد الغرب للمستقبل، ويستبصر مدي بقاء النظم السياسية الحالية، ويحاور القوي السياسية البديلة المؤثر في الشارع العربي وعلي رأسها الحركة الإسلامية، والمعارضة العلمانية، فتحييدها والتعامل معها أفضل من تجاهلها أو معاداتها كما تفعل النظم السياسية الحالية. فالغرب ليس له صديق أبدي إلا مصالحه. وقد تتغير المصالح من الحاكم إلي المحكوم، ومن الحكومة إلي المعارضة، ومن النظام السياسي إلي أوضاع الشعوب. ويأتي الزوار الأجانب عن طريق سفاراتهم بالقاهرة. فالتنسيق بين العلماء والمفكرين والساسة مع وطنه ومن يمثله في الخارج نظرا لأن النظام السياسي الذي يعيش فيه يمثله. أتي بانتخاب حر. فبينه و بين مؤسساته تعاون وتفاهم. وليس كالعالم الوطني منا الذي كثيرا ما يزور الخارج ولا يتصل بسفارته ولا تتصل به سفارته لأنه بينه وبينها عداوة أصيلة. فهو من المعارضة التي لا يعترف بها النظام السياسي، ولا يشعر بأن سفارته تمثله. ويعمل بالسفارات الأجنبية في القاهرة موظفون مصريون ولاؤهم لمكان عملهم وليس لوطنهم مصر. فالرزق يفرض سلوكه. ويطلبون من علماء مصر تكييف أوقاتهم ومواعيدهم طبقا للوقت المحدود والمشاغل الكبري التي لدي الزائر الأجنبي. وحمدا لله أن العالم المصري قد وقع عليه الاختيار بأن يكون هو الند للزائر الأجنبي. فالأجنبي هو الأساس، والوطني هو الفرع. الأجنبي صاحب الحق، والوطني عليه الواجب. ويفرح العالم الوطني بأنه في النهاية سيكون رفيقا للزائر الأجنبي متحدثا بالإنجليزية مع الخواجة الأجنبي. وأحيانا تقترح موظفة السفارة الأجنبية إحضار مترجم مع الزائر لأن العالم الوطني قد لا تصل قدراته إلي معرفة لغة الزائر الأجنبي. ومن الطبيعي ألا يعرف الزائر العربية. وماذا سيأخذ منها إن عرفها؟ وما هي العلوم والثقافة التي سينهل منها إذا تكلمها؟ لقد تربي لدي العالم الوطني أحيانا عقدة نقص في مواجهة الخواجة الأجنبي الذي تربي لديه عقدة عظمة. فيكون الحوار ليس حوارا بين ندين، بل يسأل الأجنبي، وعلي الوطني أن يجيب. ويتهم الأجنبي، وعلي الوطني أن يدافع. يسأل الأجنبي عن أسباب العنف وكراهية الآخر والعداء للغرب. كما يسأل عن الأوضاع الداخلية ومدي شعبية نظم الحكم. ولا يسأل الوطني كي يجيب الأجنبي. لا يسأل عن العنف في أيرلندا والباسك، والجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، وصعود اليمين المحافظ في أمريكا، واليمين النازي الجديد في أوروبا. الأجنبي هو الذات والوطني هو الموضوع. الأجنبي هو السائل والوطني هو المسئول. الأجنبي هو السيد، والوطني هو العبد. وكلنا في خدمة السيد، حكام ومحكمين، سياسيين وعلماء. والغريب أن العالم الوطني يفيض بمعلوماته علي الزائر الأجنبي. ويعطيه ما يعرف وما لا يعرف. ويبوح له بأخص خصائص الوطن وسراديبه الداخلية. فهو سعيد بما لديه من معلومات يجهلها الأجنبي. وقد يضر بالبلاد دون أن يقصد. وقد يمارس المعارضة السياسية في غير محلها، فهي في داخل الأوطان وليست في خارجها، مع الوطنيين ومع الأجانب. فالأجنبي لا يريد بالبلاد خيرا حتي وإن بدا متعاطفا مع مطالب المعارضة ومتباعدا عن السلطة. وقد يكون أحد الأهداف اللاشعورية للعالم الوطني هو أن ينال الحظوة لدي الأجنبي، وإشراكه في مشروع بحث أو تكليفه بكتابة مقال أو دعوته إلي ندوة أو مؤتمر. وإذا ما كان علي صلة بعلماء الخارج فإنه قد ينال حظوة في الداخل في معهده أو مركزه أو جامعته. متي يعتز العالم الوطني بنفسه، ويعرف قدره، وأنه يعيش لحظة تحول تاريخي، وأنه يتحول من التلميذ إلي المعلم، وأن الأجنبي يتحول من المعلم إلي التلميذ؟ متي يشعر الوطني أن مفاتيح العالم بيده، وأن مسار التاريخ مرهون بموقفه وفكره وفعله؟ متي يفرض احترامه ومواعيده وهيبته علي السفارات الأجنبية حتي تقدره، وتدرك وضعه في وطنه وفي العالم، وأن الزائر الأجنبي هو الذي يحتاج العالم الوطني؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2163 --- Date 16 / 7 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2163 --- التاريخ 16 / 7 /2005 AZP07 HSHN |