|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري - مشايخ السلطان - الاسلام سلاحاً سياسياً في لعبة الحكم منذ الصراع الأول علي السلطة بعد وفاة الرسول وانقسام الأمة إلي فريقين، سنة وشيعة، حكومة ومعارضة، ثم انقسام السنة إلي فرق أخري، أشاعرة في السلطة ومعتزلة وروافض في المعارضة، انبري كل فريق بحشد حججه النقلية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأقوال الصحابة والتابعين لإثبات شرعية موقفه. فتحول النزاع السياسي إلي خلاف ديني، والأحزاب السياسية إلي فرق دينية. وانقسم العلماء إلي فريقين، فريق يأخذ الخلعة والصرة والركب، ويتقلد المناصب، ويعيش في قصر السلطان وتحت رعايته. جاهز في فتاويه طبقا لرغبات ولي النعم، وفريق يزج به في السجون والمعتقلات، ويقضي حياته في الحبس حتي الموت لأنه يفتي رعاية لمصالح الأمة، دفاعا عن الحق، مقاصد الشريعة وحقوق الناس، ومبينا واجبات السلطان. ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، رعاية لحقوق الله، وينصح أولي الأمر ابتغاء لوجه الله ومصالح الناس، ويقومون بالحسبة وهي الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية. واستمر الأمر كذلك حتي العصر الحديث عندما بايع علماء الأمة محمد علي واليا علي مصر، لما رأوه فيه من قدرة علي بناء البلاد والدفاع عن ثغورها. ولما استتب له الأمر وخشي من المعارضة في يوم ما أو أن تتم البيعة لغيره قضي علي استقلالهم، وعينهم موظفين في الدولة مثل قادة الجند وأمراء الشرطة وأصحاب البريد. ومنذ ذلك الوقت أصبح شيخ المشايخ والمشايخ من كبار رجال الدولة لهم وضعهم في التشريفات والمراسم الخديوية والسلطانية والملكية والجمهورية بعد الخديوي والملك والرئيس، ورئيس الوزراء، ورئيس مجلس الشعب. تأتي السلطة السياسية أولا ثم السلطة الدينية ثانيا، المتبوع قبل التابع، والتابع بعد المتبوع. لهم الألقاب والزي والهبات والعطايا حتي بعد إلغاء الوقف. يفتون لسلطان مصر أو لملك مصر والسودان إذا أراد أن يكون خليفة للمسلمين بعد إلغاء الخلافة في استانبول. واستمر الحال كذلك بعد الثورة لحاجة الضباط الأحرار إلي السلطة الدينية لتبرير شرعيتهم السياسية بعد صدامهم مع الإخوان في أول الثورة في 1954. ولما كان مسار الثورة بين مد وجذر، ثورة وثورة مضادة. فقد سار مشايخ السلطان في الركاب. فبعد قرارات مؤتمر الخرطوم بعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967، اللاءات الثلاث، لا صلح ولا مفاوضة ولا اعتراف بإسرائيل. انبري مشايخ السلطان بتبريرها بالفتاوي والنصوص الدينية (?وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)، (وجاهدوا في الله حق جهاده)، (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله علي نصرهم لقدير)، (وقاتلوا الذين يقاتلوكم)، وما أكثر الآيات والأحاديث في هذا السياق. وبعد أن انقلبت الجمهورية الثانية علي الجمهورية الأولي، وعقدت اتفاقيات كامب ديفيد في 1978 ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979 انبري مشايخ السلطان، هم أنفسهم، بتبرير قرارات السلطان الجديد بآيات وأحاديث أخري (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، (أدخلوا في السلم كافة). وسلام وشالوم من نفس الاشتقاق، وكلانا أولاد عم من نسل إبراهيم. وحدث نفس التحول علي الصعيد الداخلي من الاشتراكية والقومية وعدم الانحياز اختيار الجمهورية الأولي إلي الرأسمالية والقطرية والانحياز إلي أمريكا وإسرائيل، انقلاب الجمهورية الثانية والذي مازال مستمرا في الجمهورية الثالثة والأخيرة في حقبة من تاريخ مصر المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين، نهاية لمرحلة، وبداية لمرحلة أخري. فأفتي مشايخ السلطان في الجمهورية الأولي بان الإسلام دين الاشتراكية "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، والقطاع العام من الإسلام كما مثله "الإقطاع"، وهو ما يقطعه الخلفاء للصالح العام كالمراعي للإبل، و"ليس منا من بات جوعان وجاره طاو" . (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم). وجاء الشعر: والاشتراكيــــــــــون أنت إمامهـــــــــــــم لولا دعاوي القوم والغلـــــــواء أنصفت أهل الفقر من أهل الغني فالكل في حق الحياة سواء ولما حدث الانقلاب في الجمهورية الثانية انبري مشايخ السلطان لتبرير سياسة الانفتاح ونقد الشيوعية الملحدة، "من لا إيمان له لا أمان له". والكسب الحر مشروع، والتجارة حلال في الأسواق، ومع الله تجارة لن تبور. وكل ما أتي الإنسان هو رزق، حلالا أم حراما، اعتمادا علي رأي بعض القدماء، والرفاهية حق المؤمنين (قل من حرم زينة الله والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا). والغرب مؤمن، والشرق كافر. والانحياز إلي الغرب المؤمن ضد الشرق الكافر خير وبركة، ونصرة للإسلام والمسلمين. وقد انبري شيخ مشايخ السلطان أخيرا بفتوي من نفس النوع لحث الناس علي الاشتراك في التصويت علي تغيير المادة 76 من الدستور وعدم مقاطعته كما تريد المعارضة (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). وهي نصف شهادة. فأين الشهادة علي الباقي، إلغاء قوانين الطوارئ، والأحكام العرفية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ورفض التمديد والتوريث لأن الحكم في الإسلام عقد وبيعة واختيار حر من الناس، لا انقلابا ولا وراثة، "إني وليت عليكم ولست بخيركم"، "والله لو عثرت بغلة في العراق لسئلت عنها يا عمر لماذا لم تسو لها الطريق؟" فما بال العدوان الأمريكي منذ ثلاث سنوات علي العراق، ومنذ أكثر من أربع سنوات علي أفغانستان، ومنذ أكثر من خمس سنوات علي الشيشان، ومنذ أكثر من نصف قرن علي فلسطين وكشمير، ومنذ أكثر من خمسة قرون علي سبته ومليليه في شمال المغرب المحتلة من أسبانيا منذ سقوط الأندلس؟ أين الشهادة علي فقر الفقراء وغني الأغنياء، وتهريب ثروة مصر إلي الخارج، ونواب القروض، وتجار المخدرات، ومظاهر الفساد الاجتماعي والسياسي؟ أين الشهادة علي آلاف المعتقلين السياسيين والتعذيب في السجون كما هو وارد في تقرير حقوق الإنسان الذي صدر من مؤسسات الدولة ذاتها؟ أين الشهادة علي ضرورة التعددية السياسية لأن "اختلاف الأئمة رحمة بينهم"، "كلكم راد وكلكم مردود عليه"، وشرعية الاختلاف، وضرورة الخروج علي الحاكم الظالم؟ إن لفظ "الشهادة" في القرآن له معاني عديدة. فالشهادة لا تكون إلا بالحق. وتشهد الألسنة علي شاهد الزور، والشهادة علي النفس أولي، ولا تجوز الشهادة مع شاهد الزور (فإن شهدوا فلا تشهد معهم)، وشهادة النفاق (والله يشهد أن المنافقين لكاذبون) . والشهادة لا تكون إلا بالقسط (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله). هذه هي الشهادة الكلية علي أحوال الأمة ومصالحها وعدم رعاية الحكام لها (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله)، (ولا نكتم شهادة الله، إنا إذاً لمن الآثمين). والأخطر من ذلك كله الشهادة المضادة وهي أخطر من شهادة الزور. والشهادة المضادة هي تكفير المخالفين في الرأي، والحكم بالردة علي معارضي السلطان، وإلقاء تهم البغي والفتنة والخروج علي إجماع الأمة والإفساد في الأرض عليهم. فتقوم بعض جماعات الرفض الإسلامية بتكفير مشايخ السلطان، وتكفير الأمة كلها التي تستمع لفتاويهم. وكل تكفير له تكفير مضاد. وكل فتوي لها فتوي مضادة. ويصبح الدين سلاحا ذا حدين، للسلطان وضد السلطان. يكفر به مشايخ السلطان المعارضة، وتكفر المعارضة السلطان ومشايخ السلطان. وقد يصبح السلطان نفسه ضحية مشايخه كما حدث في الجمهورية الثانية في حادث المنصة. متي يستقل العلماء عن السلطان ويصبحوا فقهاء الأمة، يدافعون عن مصالحها، وليسوا فقهاء السلطان لتبرير مواقفه السياسية التي تضر بمصالح الجماعة حتي تعود المصداقية إلي علماء الأمة ويجهرون بالحق في وجه السلطان الجائر؟ متي يكون العلماء ورثة الأنبياء؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2159 --- Date 11 / 7 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2159 --- التاريخ 11 / 7 /2005 AZP07 HSHN |