آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري
- صوفيــــة السلطــــان.. الفكر الصوفي تسلل إلي عقول السياسيين فأغلق بصيرتهم

"سكت دهرا ونطق كفرا". هؤلاء هم صوفية السلطان الذين أعلنوا عن تأييدهم للرئيس قبل الاستفتاء الأخير في مصر. وهم بحسب تعدادهم عشرات من الفرق الصوفية وأتباعهم بالملايين. وتصدقهم ملايين أخري. فهم وجدانيا يقبعون في قلوب المصريين، ويتحكمون في الملايين منهم. هم جزء من رياسة الجمهورية مثل مشيخة الأزهر. يعين رئيسهم، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، بقرار جمهوري. فالرياسة دين ودولة، جيش وشعب، حزب حاكم في مجلس الشعب، وطرق صوفية متحكمة في الشعب. الأول تحت قبة البرلمان، والثاني تحت قبة الضريح.
يمتلكون قدرة رهيبة علي الاتصال بالجماهير من خلال الموالد، للنبي ولأولياء الله الصالحين، والاحتفالات الشعبية في المناسبات الدينية، في العيدين، شعبان، وطوال شهر رمضان، بسرادق بساحة الجامع الأزهر، يذكرون الله. يطعمهم الناس، ويقدمون لهم الفتة واللحم، تقربا إلي الله عن طريق أوليائه. ويعيشون علي الصدقات، ويقبلون التبرعات حتي أصبحوا من أغنياء القوم كشركات توظيف الأموال ولكن ليس بدافع الربح الدنيوي بل بدافع الربح الأخروي. وكلاهما تجارة، الأولي تبور، والثانية لن تبور.
أصبح التصوف دينا شعبيا، بديلا عن الدين الشعائري الرسمي. واختلط بالعادات الاجتماعية منذ الفاطميين من أجل إلهاء الناس بالدين بعيدا عن السياسة أو استخدام طاعة مشايخ الطرق كمقدمة لطاعة الشيخ الأكبر، الحاكم بأمر الله. وتلهي الناس بالموالد وعرائس الحلوي وأحصنة الفرسان.
وهم فنانون شعبيون، يمدحون الرسول، ينافسون في مجال الصوت أشهر المقرئين. يتوشحون بالألوان الزاهية ويلبسون العمم الخضراء ويتمنطقون بالوشاح الأحمر أو الأخضر. ويرفعون البيارق والأعلام، وفي آخرها النجوم الذهبية. ويذكرون الله. ويتمايلون يمينا ويسارا في الأذكار. ويرقصون كما يفعل المولويون في إيران وفي فرقة الفنون الشعبية في قصور الثقافة الشعبية مثل قصر الغوري. ويلفون حول أنفسهم كالنحل حتي يسقطون مغشيا عليهم في حب الله. ويتبرك الناس بهم، ويتوسطون بهم لقضاء حاجاتهم عند الله. يتبركون بهم، وينالون بالبركة الحظوة بما في ذلك "فك الربط" من أجل تنشيط القوة الذكورية ضد العزال.
وبما أن لهم باعا في السياسة، يؤيدون الرئيس في الاستفتاء ويبايعونه علي فترة خامسة وكأنهم فرع شعبي من الحزب الحاكم بفروعه في السياسة والاقتصاد فلماذا لم يذكروا مرة فلسطين وإعلانهم عن تأييد المقاومة الفلسطينية، وإحيائهم ذكري الشهداء؟ لماذا لم يدينوا العدوان الأمريكي علي العراق وأفغانستان، والعدوان الروسي علي مسلمي الشيشان؟ لماذا لا يدافعون عن حق الشعب الكشميري في تقرير المصير؟
وإذا لم يكن لهم باع في السياسة الخارجية فعلي الأقل هم علي دراية بالسياسة الداخلية ماداموا قد اختاروا مبايعة الرئيس ضد إجماع الأمة علي رفض التجديد والتمديد. فلماذا لم يدينوا قانون الطوارئ والأحكام العرفية وزج المعتقلين السياسيين في السجون بلا تحقيق أو تهمة أو محاكمة أو إدانة؟ لماذا لم يرفضوا التوريث، والوراثة ليست مصدرا من مصادر السلطة في الإسلام ولا الانقلاب الذي سماه القدماء "الشوكة"؟ لماذا لم ينقدوا الفساد، وتبديد أموال الأمة، ونهب ثرواتها، وبيع القطاع العام، وغلاء الأسعار، ونواب القروض، وتهريب الأموال إلي الخارج؟ لماذا لم ينقدوا مظاهر التغريب في حياتنا، وبيان مخاطر العولمة علي هوية الأمة؟ لماذا لم ينقدوا نظم الهيمنة السياسة والاقتصادية للخارج وتبعية الداخل، وفيهم من العلماء والمتخصصين الكثير؟
لقد نشأت الطرق الصوفية في العهد العثماني لنفس السبب أيام الفاطميين، إلهاء الناس بالدين الشعبي بعيدا عن السياسة، والسيطرة بالدين علي مصائر الناس، وتوجيههم نحو الطاعة، فطاعة السلطان من طاعة الله ?وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم(. وكلما ضعفت دولة الخلافة في إدارة شئون البلاد في الداخل والخارج ازدهرت الطرق الصوفية كحل بديل لأزمات الناس. وانتشرت خزعبلاتهم وكراماتهم في هذا العصر.
لذلك نقدت معظم الحركات الإصلاحية الحديثة التصوف والمتصوفة مثل الأفغاني وإقبال لخطورته علي نضال المسلمين ضد القهر في الداخل والاستعمار في الخارج. وكان أهل السلف قد نقدوهم من قبل وسماهم ابن تيمية "أولياء الشيطان" وميز بينهم وبين "أولياء الرحمن". وبينوا خطورته علي الشرع والأحكام الشرعية التي تقوم علي التمييز بين الحلال والحرام وليس علي التوحيد بين كل شيء وكل شيء باسم المحبة المتبادلة والحب الإلهي.
ومازال التصوف في حاجة إلي إصلاح، أن يتحول من المحور الرأسي إلي المحور الأفقي، ومن العلاقة بين الإنسان والله إلي العلاقة بين الإنسان والإنسان، ومن الصعود من العالم إلي الله إلي النزول من الله إلي العالم، ومن الذهاب من الدنيا إلي الآخرة إلي العودة من الآخرة إلي الدنيا أي من "التأويل" إلي "التنزيل" حتي تلحق الأمة بغيرها من الأمم بدلا من تصنيفها في عداد الأمم المتخلفة وأعداؤها من الأمم المتقدمة.
التصوف في حاجة إلي الخروج من الباطن إلي الظاهر، ومن الداخل إلي الخارج، ومن أفعال القلوب إلي أفعال الجوارح. فما تحتاجه الأمة الآن هي الأفعال في الخارج وليس في الداخل.
ويحتاج التصوف إلي أن يتغير من المقامات والأحوال السلبية، المقامات كالرضا والتوكل والورع والخشية والتوبة والفقر، والأحوال مثل السكر والقبض والخوف إلي مقامات وأحوال إيجابية مثل المقاومة والرفض والغضب والتمرد والاعتراض والثورة علي الأوضاع حتي تتحول الجماهير من سلبية ولامبالاة كما لاحظ الكواكبي في "أم القري" بعد دراسة أسباب الفتور عند المسلمين، إلي إيجابية والتزام والعودة إلي حمل الأمانة وتحقيق الرسالة. كما يحتاج التصوف إلي التحول من علوم الذوق إلي علوم النظر، ومن العلم اللدني إلي العلم الإنساني حتي يسيطر المسلمون علي نظم المعلومات، ويشاركون في ثورة الاتصالات. وبدلا من الكرامات يجتهد المسلمون في تحقيق مطالبهم دون التضرع إلي الأولياء الصالحين، واستجداء النصر من الله أو الانتقام من الظالمين.
لقد نشأ التصوف في البداية كحركة مقاومة سلبية ضد الحكم الأموي بعد مقاومة آل البيت للظلم والقهر واللاشرعية. واستشهد الأئمة الأعلام، واستتب الأمر للحاكم الظالم. فانبري الأتقياء ليقاوموا بالقلب بعد أن عزت المقاومة باليد، وهو أضعف الإيمان. وتحولت المعركة من الخارج، جهاد العدو، إلي الداخل، جهاد النفس. وخلقت بالخيال مدينة ينتصر فيها الحق علي الباطل، مدينة الأقطاب والأبدال، بفعل الخيال الخلاق بحثا عن الإنسان الكامل في الذهن بعد أن عز وجوده في الواقع.
والآن، ليست المقاومة ميئوس منها بعد نجاحها في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير. ومازالت مقاومة الحاكم الظالم مستمرة بعد تحرك الشارع العربي في الآونة الأخيرة خاصة في مصر مطالبا بالحرية والتعددية السياسية وإلغاء الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ وجميع القوانين المقيدة للحريات، وبيان أوجه الفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وحكم البلاد بمجموعة من المصالح الشخصية والإضرار بالمصالح العامة والأمن القومي للبلاد.
لقد ساعدت الطرق الصوفية علي انتشار الإسلام في السنغال وجنوب السودان وأواسط وجنوب أفريقيا وأواسط آسيا وجنوب شرقي آسيا جنبا إلي جنب مع حركات المقاومة التي قادها الصوفية مثل الحلاج واشتراكه في ثورة القرامطة، ونجم الدين كبري في مقاومة الصليبيين في الشام، والسنوسية في ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي، والمهدية في السودان ضد الاستعمار البريطاني.
فلماذا لا يخرج صوفية السلطان من عمامته ويتوجهون إلي قيادة الشعب ومقاومته للطغيان والتسلط والفساد والتبعية في الداخل والعدوان والهيمنة علي الأمة من الخارج؟ ولماذا لا يدافعون عن استقلالهم كتنظيم أهلي غير حكومي، ينتخبون رئيسهم بدلا من أين يكون جزءا من رياسة الجمهورية يعين رئيسهم بقرار جمهوري؟ والإصلاح من داخلهم أولي من الإصلاح من خارجهم. ورضا الناس والله عنهم خير من رضا السلطان وسخط الله عليهم.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2145 --- Date 25 / 6 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2145 --- التاريخ 25 / 6 /2005

AZP07
HSHN