آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري
- سؤال المتضادات
- التشريع الجنائي الإسلامي بين الحقوق والواجبات

عُقد في مدينة إسلام أباد بين 26 ــ 28 مايو الماضي ندوة دولية بعنوان "التشريع الجنائي الإسلامي وحقوق الإنسان" نظمه مجلس الأيديولوجية الإسلامية التابع لرئاسة الجمهورية الباكستانية. وافتتحه رئيس الجمهورية بنفسه، مبينا أهمية التحديث والتجديد والاجتهاد والتكيف مع ظروف العصر. وكان لي شرف إلقاء المحاضرة الافتتاحية بعده أمام خمسمائة من علماء باكستان، وممثلي الدول الأجنبية، وبعض أجهزة الإعلام. وكان الدافع وراء إنشاء هذا المجلس هو تجديد العلوم الإسلامية الموروثة بما يتفق مع روح العصر، وتحقيقا لأصل الاجتهاد، وهو أحد واجبات علماء الأمة. وكان من أهم إنجازاته إعادة النظر في قانون العقوبات في تطبيق الشريعة الإسلامية وهي المصدر الرئيسي للدستور الباكستاني. فقد قامت دولة باكستان علي أساس الإسلام بعد تقسيم الهند إثر الصراع الطائفي بين المسلمين والهندوس الذي لم تنجح حركة المقاومة السلمية عند غاندي ولا حزب المؤتمر القومي عند نهرو في إيقافه.
وكان الدافع لتناول هذا الموضوع في ندوة دولية هو الهجوم المستمر للمستشرقين وأجهزة الإعلام الغربية علي الإسلام كدين وحضارة وثقافة، وعلي المسلمين كشعوب ودول وحكومات بأننا مازلنا نعيش في الماضي، ولم نتكيف مع معطيات العصر، وأن هناك صراع حضارات بين الإسلام والغرب. يربط الإسلام بالتخلف والقسوة والإرهاب والعنف والتسلط والقهر والتعذيب وخرق حقوق الإنسان في مقابل حضارة الغرب، نموذج التقدم والحرية والسلام والحوار والديموقراطية وموطن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ويكون هذا الصراع الحضاري مقدمة لتبرير الغزو علي الشعوب الإسلامية بدعوي الإرهاب، والعنف، وامتلاك أسلحة الدمار الشامل. وبمثل هذه الذرائع تم غزو أفغانستان والعراق والشيشان. ويستمر التهديد لإيران وسوريا ولبنان والسودان، وبالرغم من أن الواقع يكشف عن هذا الادعاء بعد فضائح التعذيب في سجن أبو غريب وجوانتانامو، وتعذيب بعض معتقليه في بعض النظم السياسية العربية، وتأييد الغرب لأبشع النظم التسلطية خارج حدوده، واستعماله المعيار المزدوج في حكمه علي الآخرين إلا أن تشويه الحضارات والشعوب اللاأوروبية مازال مستمرا.
ومن الداخل يوجه العلمانيون مثل هذا الانتقاد للتشريع الجنائي الإسلامي خاصة العقوبات البدنية ضد دفاع السلفيين والمحافظين عنها. ويطالبون بتطبيق القانون المدني الحديث نظرا لما قد يسببه تطبيق الشريعة الإسلامية في الظروف الحالية من خطورة علي وحدة الأوطان، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. وقد تم تطبيق القانون المدني الحديث في كثير من البلدان العربية والإسلامية إبان تجارب التحديث في القرنين الأخيرين منذ أن عرّب الطهطاوي قانون نابليون "الشَّرطة"، ومحاولات إعادة قوانين الأحوال الشخصية وإلغاء المحاكم الشرعية.
ويقف المجددون موقفا وسطا بين السلفيين والعلمانيين من أجل تحديث الشريعة إعمالا لمبدأ الاجتهاد. وأنشئت لجان متخصصة لذلك لتقنين الشريعة الإسلامية بناء علي ظروف العصر الحاضر. فقد أدي التطبيق الحرفي للشريعة الإسلامية إلي خطرين عظيمين. الأول تهديد وحدة الأوطان في البلاد المتعددة الثقافات مثل بعض البلدان الأفريقية التي في شمالها يقطن المسلمون عربا وأفارقة، وفي جنوبها الأفارقة مسيحيون أو ذوي ديانات محلية مثل السودان، ونيجريا، وتشاد ومالي أو في بعض البلدان المتعددة الطوائف مثل لبنان ومصر وسوريا والأردن والعراق. والثاني الاصطدام مع حقوق الإنسان ومواثيقها التي أقرتها الأمم المتحدة وفي مقدمتها "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" والإعلانات الأخري عن حقوق المرأة والطفل والشيخ والأقليات. فمن حق الذمي ألا يطبق عليه الحد. ومن حق المرأة والرجل الاحترام دون التشهير العلني. والجسد حق من حقوق الفرد، لا يجوز بتر أعضائه أو تعذيبه أو حتي القصاص فيه جزئيا أو كليا تحت أي ظرف وإلا نشأ مجتمع من المشوهين والعاطلين. وبالرغم من أن حقوق الإنسان مشروطة بالثقافات المحلية مثل حق الإجهاض والشذوذ الجنسي والعري في الثقافة الغربية دون غيرها، وحقوق الإنسان الفردي دون حقوق الشعوب في "الإعلان العالمي"، وبالرغم من الازدواجية في التطبيق بين الإنسان الأوروبي والإنسان غير الأوروبي إلا أنها أصبحت عالمية نظرا لسيادة الثقافة الغربية في إعلان مواثيقها وسيطرة القوي الغربية علي المنظمات الدولية في إصدار قراراتها. ومن ثم أصبحت ثقافة عالمية بفعل القوة ومن لا يلتزم بها يصبح خارجا علي الشرعية الدولية ويستحق العقاب.
وقد حاول ذلك من قبل عبد القادر عودة في "التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي" الذي صدر في جزأين قبل أن يستشهد في 1954، جمعا بين الخصوصية الإسلامية والعمومية القانونية. ووضعت في إطارها التاريخي القديم والحديث. فقد كانت كثير من التشريعات الجنائية الإسلامية لها ما يشابهها في التشريعات الفارسية والرومانية القديمة مثل الصلب، وقطع يد السارق. وكان الرجم عقابا علي الزنا في الشريعة اليهودية. وقد أتت المسيحية للتخفيف منها رحمة بالناس، والتحول من شريعة الجوارح إلي شريعة القلوب كما حاول الصوفية بعد ذلك. فالزنا زنا القلب والعين. وأتي التشريع الإسلامي تخييرا بين الشريعتين ?وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به. ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. العين بالعين والسن بالسن شريعة يهودية (ومن عفا وأصلح فإن أجره علي الله( أقرب إلي المسيحية. والتشريع الإسلامي خيار بين الاثنين.
والحدود في الإسلام جزء من كل. وتطبيق الشريعة الإسلامية لا يعني فقط تطبيق قانون العقوبات بل يعني تطبيق النظام الإسلامي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والقانوني ككل. والحدود أصغر جزء فيها. النظام الإسلامي ككل حقوق، والحدود واجبات. ولا توجد حقوق دون واجبات، ولا واجبات دون حقوق. ومن حق المسلم الغذاء والسكن والتعليم والزواج والعلاج وتوفير فرص العمل من بيت المال. فإذا استوفي حقوقه طولب بواجباته في عدم القتل والسرقة والزنا وشرب الخمر. ولا يمكن تطبيق حد القتل في مجتمع يقتل بعضه بعضا، ولا حد السرقة في نظام يسرق فيه الشريف فيترك ويسرق فيه الضعيف فيطبق عليه الحد أو في مجتمع كله سارق، ويقوم الحارسون عليه بنهب المال العام، ولا حد الزنا في مجتمع لا يستطيع فيه الشباب الزواج المبكر، وتذخر إعلاناته وأغانيه و"الفيديو كليب" بالإثارات والإيحاءات الجنسية.
ليس القصد من الحد العقاب بل التنبيه علي خروج الطبيعة البشرية عن كمالها الطبيعي. "الحد" اشتقاقا يعني ما لا يجوز الخروج عليه أو تجاوزه لأنه إغراق للطبيعة. والإسلام دين الطبيعة والفطرة. تعني العقوبة فقط أن لكل فعل رد فعل، ولكل سبب نتيجة، ولكل عمل أثر. فأعمال البشر لها آثارها الحسنة والقبيحة في الدنيا منفعة أو مضرة، وفي الآخرة ثوابا وعقابا. العقوبة من "العقب" أي الأثر، وما يأتي عقب شيء ما. الغرض منها الهداية والنذير وإرجاع الطبيعة إلي مسارها الصحيح، وليس الإيلام والإيذاء، وإحداث العاهات، وتشويه السمعة. الغاية منها الردع والإيحاء والتنبيه والتحذير وليس التطبيق الآلي. هي أشبه بجرس إنذار. ليس الغرض منها القسوة بل الردع كما هو الحال في الأسلحة الذرية والكيميائية، ليس للاستعمال بل للتخويف.
هذه هي فلسفة التشريع الجنائي الإسلامي علي غير ما تصوره أجهزة الإعلام الغربية وما قد يقصد من استعمال المحافظين لها زيادة في الحمية وحرصا علي حقوق الله، وحقوق الإنسان أولي بالحفظ. ويظل السؤال قائما: إلي أي حد تتفق العقوبات البدنية مع حقوق الإنسان؟ وقد آن للمشرع أن يجيب عليه.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2130 --- Date 6 / 6 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2130 --- التاريخ 6 / 6 /2005

AZP07
HSHN