|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري - مصير اللغة مثل حال البلاد - تأثير متعدد للأدب السياسي في الضمير الانساني في العقود الثلاثة الأخيرة، عصر الانفتاح علي الغرب الأمريكي غزت اللغة العربية مجموعة من الألفاظ المعربة تخص الوجبات السريعة علي الطريقة الأمريكية. حملت معها قيم الاستهلاك السريع، ومتعة الطعام البارد والحار "ياللا ابدأ المرح والمتعة"، "المتعة بقت متعتين". ووزعت الإعلانات الملونة علي أوراق ناعمة داخل "الأهرام" أكبر صحيفة قومية يومية. ودخلت الملايين منها كل بيت، بالإضافة إلي كتابتها علي واجهة المحلات واللافتات الكبيرة حتي أصبحت زاد كل يوم. يقرأوه الشباب الجديد ويندفع نحوها. ومعظمه عاطل عن العمل أو من طبقة متوسطة أو راقية، يتشبه بالغير، ويعشق الجديد الذي ترمز له الولايات المتحدة الأمريكية. يعجز الفقراء عن الاقتراب منها لأسعارها. ويعجب المثقفون من فخامة الطباعة الملونة والأوراق الناعمة، ومؤلفاتهم علي أوراق جرائد صفراء، وأسعارها المرتفعة تدخل في جيوب الناشرين. يتفقون علي ألف ويطبعون ألوفا. ولا فرق بين السياسة المباشرة، الحكم والمعارضة حول السلطة السياسية، والثقافة الشعبية وتحليل الخطاب في الحياة اليومية. فكلاهما كاشفان عن الأوضاع السياسية والاجتماعية سواء كان في ظاهر الحكم أو في باطن السلطة. فاللغة سلطة وثقافة. وقد تم تحليل ما يقرب من ثلاثين إعلانا لمعرفة لغتها ومفاهيمها ودلالتها علي الأحوال العامة في البلاد التي يختلف فيها السياسي والثقافي في الثقافة السياسية التي تكشف عنها اللغة التداولية في الحياة اليومية. وهي ليست مجرد تأملات وملاحظات عابرة بل تقوم علي تحليل دقيق للمضمون. ولا يفهم من ذلك دعاية لهذا أو نقدا لذلك بل مجرد وصف للغة الإعلان كما هو الحال في الدراسات الإعلامية المعاصرة. والمفارقة هي كيف يكون الاتجاه السياسي العام معارضا للولايات المتحدة الأمريكية واللغة التداولية في الحياة اليومية لغة الوجبات الأمريكية السريعة مما يوقع في ازدواجية الشخصية بين القول والعمل، القول الأمريكي والعمل الوطني؟ إن دخول الألفاظ الأجنبية وتعريبها شيء طبيعي مثل دخول الألفاظ العربية إلي اللاتينية ثم أصبحت فرنسية أو إيطالية أو أسبانية أو إنجليزية. ومنذ عصر النهضة في القرن الثامن عشر دخلت ألفاظ التنوير مثل "الشَّرطة" أي القانون، "الأندستريا" أي الصناعة والعمران أو "الأيديولوجيا" و"البرلمان" و"الليبرالية" أي الألفاظ السياسية. ثم دخلت بعد ذلك ألفاظ التكنولوجيا الحديثة مثل: "الراديو"، "التليفزيون"، "التليفون"، "التليجراف"، "الكمبيوتر"، "الانترنت". والآن دخل كم هائل من مصطلحات الوجبات السريعة وقيم الاستهلاك وعمت المحلات العامة والإعلانات بالألفاظ المعربة أو بالعامية الدارجة. وظهرت ألفاظ معربة عن أنواع الأطعمة الأجنبية وطرق الطهي التي لا يوجد مقابل لها عند العرب. وأشهرها لفظ "برجر" وهو اللحم المفروم. يعرف العرب الشواء. وهو اللحم الطبيعي للشاة كلها دون فرمها. ويُضاف إليه ألفاظ أخري معربة مثل "تشيز برجر" أي اللحم المفروم بالجبن، "تشيكين برجر" أي لحم الدجاج المفروم، "مشروم برجر" أي اللحم المفروم بعش الغراب. وأحيانا يتضاعف اللفظ ويصبح عبارة ثلاثية اللفظ مثل "دوبل تشيز برجر". وأحيانا لا يلتفت إلي الثقافات الشعبية. ففي الطعام لا يوجد حلال أو حرام إلا الطعم والحاجة مثل "هامبورجر" و"الهام" هو شرائح الخنزير. وقد تم تعبير لفظ "البيرة" من قبل. وأحيانا يصبح الأمر غير مفهوم ولكن له دلالة صوتية أنه غربي مثل "البوس برجر"، وبالإضافة إلي اللحوم هناك أيضا الحلوي مثل "كيك المفن". وقد يكون التعبير كله معربا لا عربية فيه مثل "سندوتش كانتوك"، "البيتزا تراديشونال" وما أسهل أن يقال الفطائر التقليدية، "روست بيف" أي اللحم البقري المحمر، "مشروم آند سويس" وهما عشر الغراب وسويسرا ولا رابط بينهما إلا طريقة الطهي. "فيمس ستار برجر" وهو اللحم المفروم الكبير علي شكل النجمة، "روست بيف آند شيدر" وهو اللحم البقري المحمر مع الجبن، "تشيكين فيليه" وهو شرائح الدجاج، "ميجا مشروم" أي عش الغراب الكبير، "ستار ناجتس" وهو غير معروف إلا نصفه الأول نجمة شيء ما. والمحشي هو "ستافت كراست"، والأجنحة المحمرة "فاير ونجز"، والبعض يتعلق بفواتح الشهية مثل "صوص الباربكيو" وهي صلصة الطماطم الحراقة، "صوص الببر مايونيز" وهي صلصة الفلفل بالخل والبيض، "كاتشب" وتعني "إمسك من فوق" مثل "سفن آب" سبعة من فوق. وقد يكون اللفظ الأجنبي غير مفهوم مثل "وجية الريزو" إلا أن جرس العبارة أفضل من "وجبة الفول" أو "وجبة الطعمية" أو "وجبة الكشري". فشتان بين الموروث والوافد، بين البلدي والمستورد، بين المحلي والعالمي، بين الشعبي والراقي. وسكر "الايسنح"، والمعروف هو سكر التموين، وسكر القمع، وسكر البودرة. وما حدث في المأكولات حدث أيضا في المشروبات الشهيرة مثل "البيبسي كولا" وهي كبيرة ولذيذة، و"الكوكاكولا" وقد أصبحت رمزا للحضارة الأمريكية الحديثة، و"سفن آب" ودون معرفة لماذا هي "سبعة اللي فوق"، هل هي فقاعات الغاز المتصاعدة منها؟ ويتحول اللامعقول العشوائي في اللغات الأجنبية إلي العربية ويتحول إلي مفهوم بالعادة والتكرار. بل إن بعض الألفاظ المعربة هي مجرد كلمات عادية في اللغة الإنجليزية وليست مصطلحات مثل "كول سلو كبير" أي "بارد وبطئ" أي سلطة الكرنب. ومعظم أسماء محلات هذه الوجبات السريعة أجنبية وأشهرها "ماكدونالد"، "بيتزاهت"، "كنتاكي"، "هارديز"، "جينو"، وصندوق الطعام هو "باكت". وطريقة توصيل الطلبات "هوم ديليفري" أي التوصيل للمنازل، وأماكنها ميدان تريومف، بجوار مركب أمريكانا، في المدن الجديدة بيفرلي هيلز، وليس المدن الصناعية كمدينة العمال أو شبرا الخيمة. وما أسهل من تعريب البعض منها مثل "سولت آند بيبر" وهما الملح والفلفل، ولكن الجرس الغربي يؤثر في الأذن العربية أكثر من اللفظين العربيين، "داي آند نايت" أي "الليل والنهار" ولهما رصيد في القرآن. واستعمل أحدهما من قبل في "كازينو الليل"، و"ويك إند" أي عطلة نهاية الأسبوع. وقد يُمصر أحد الأسماء الأجنبية مثل "تكا النيل" كما مصرت من قبل بعض وكالات العربات مثل "محمد موتورز"، "منصور شيفورليه" جمعا بين الموروث والوافد، بين المحلي والعالمي. وكل هذه الألفاظ المعربة أي المنقولة نقلا صوتيا من الإنجليزية إلي العربية لها ألفاظ عربية مقابل مثل "ميل" أي وجبة، و"سوبر" أي كبير، "سمارت" أي لطيف، "ميجا" كبير، "فاميلي" أي عائلة، "منيو" أي قائمة طعام. ومن ثم ظهرت تعبيرات مثل "سوبر ميل"، "سمارت ميل"، "ميجا ميل"، "فاميلي ميل"، "سمارت منيو ميل"، "كرسبي ستريس ميل". وقد يختلط المعرب بالعربي مثل "ميجا مطافي ميل". وقد يصبح الأمر خليطا غير مفهوم إلا أنه أجنبي. والناس تعشق الأجنبي في عصر الانفتاح مثل "زنجر سوبريم ميل" أو "السينا بارتس". لا يهم المعني المفهوم بل المطلوب فقط اللفظ الأجنبي المنطوق. وأحيانا تستعمل ألفاظ معربة بلا داع بالرغم من وجود المقابل العربي المستقر مثل "بيتي" أي صغير و"بان" أي خبز في "بيتي بان"، و"سبايسي" أي حريف باللغة الفصحي و"حراق" باللغة المتادولة، و"تشيز" أي جبن في "تشيز برجر"، "بيف" أي لحم بقري، "بيري" أي بالزبد في "خبز بيوري"، "سينمون ريزن" وتعني القرفة والزبيب، "تشيز لفرز" وتعني محبي الجبن، بالإضافة إلي إمكانية تعميم لفظ "لفرز" في مجتمع مازال يحرم الحب ويعشقه. ومن السهل إيجاد ألفاظ عربية أصيلة للألفاظ الأجنبية المعربة المنقولة صوتيا مثل "بيج تستي" أي طعم لذيذ، "بيج كوكي" أي مخبوزات جافة كبيرة. وقد تعربت ألفاظ الطهي من قبل من الفرنسية والإيطالية وقت الاستعمار الفرنسي والإيطالي والبريطاني قبل الغزو الأمريكي وذلك مثل "فيليه" في "دجاج فيليه"، وهو عرق اللحم الملفوف بالخيط، "بانيه" في "دجاج بانيه" وهو المقلي، "روست" أي المحمر. و"فيلتو" في "دجاج فيلتو" وهو لحم رقيق من الصدر من الألفاظ الإيطالية. كما دخلت أنواع الأطعمة وتعربت من قبل مثل "شيكولاته" بل وأصبحت كلمات شائعة في الأغاني الشعبية، و"بسكويت" وتستعمل أحيانا في الغزل. "كوكي" وهي المخبوزات الجافة الحلوة، "كيك" التي تحولت إلي كعك، كما عربت أنواع الأطعمة، "ماركات" الجبن في "جبنة امنتال" أو "موتزاريللا" في "دجاج موتزاريللا"، وكذلك أنواع الأرز مثل "أرز بسمتي". ويختلط التركي القديم مع الأمريكي الجديد، وكلاهما يقص تاريخ العرب الحديث كما تعكسه اللغة العربية مثل "شيش طاووق". وقد دخلت من قبل أنواع الأطعمة الشرقية، الهندية مثل "الكاري" في "دجاج بالكاري". وقد نقلت بعض التعبيرات حرفيا مثل "هوت دوج" وتعني الكلب الساخن، وهو ما لا يؤكل، دون مراعاة للثقافة الشعبية ومنظومة قيمها. مع أنه من السهولة وضع ألفاظ عربية وتعبيرات عربية، وأصناف مأكولات عربية مثل "كبده اسكندراني" حتي ولو كانت عامية مثل "لهاليبو". فهي أفضل من "سبايسي" و"شيلي". وأفضل منها بعض العبارات مثل "عاوز تولعها"، "هاتقدر علي الملهلب؟". وإذا اختيرت أسماء عربية فإنها تكشف عن بنية الثقافة العربية، الثقافة الأبوية مثل "وصاية" في "عرض خطير... من كومبو وصاية الكبير". وحتي السلاطة "سلطة سيزار" أي القيصر إشارة إلي العظمة والسَّلطة في مجتمع ثار علي سلطة الإقطاع والباشوات والقياصرة الجدد. فأصبحت السُّلْطة والسَّلَطة قرينين. ومعظمها صفات الكم مثل كبير، عظيم، أو مرادفها المعرب مثل "جامبو" في "سمان جامبو"، سوبر في "سوبر ستار"، "كومبو"، "ميجا"، "دوبل". وقد تقترن الألفاظ كلها مثل "كومبو حجم سوبر"، وفي أفعل التفضيل "أكبر" و"أعظم" وما يقابله مثل "اكسترا" في "اكسترا تشيزي" أي جبن إضافي. وهي الصفات الغالبة علي الثقافة العربية الحالية. ونظرا لموسيقي اللغة العربية والتي بدأت في بعض المسرحيات التجارية وعباراتها النمطية بعد هزيمة يونيو 1967 "وشر البلية ما يضحك" مثل "العملية في النملية"، "الفاس في الرأس"، مجرد إيقاع صوتي، ظهرت بعض مثل هذه العبارات في إعلانات الوجبات السريعة مثل "وجبة ذكية، سعر وكمية"، "عرض خطير.. من كومبو وصاية الكبير"، "وفر أكتر مع كومبو الأكبر". والغالب علي ذلك العامية مثل "كل اللي تتمنوه... بسعر مش حتقاوموه"، "قطع دجاج مقرمشة... بصلصة سبايسي محبشة". وقد تختلط العربية بالألفاظ الأجنبية المعربة مثل "ميني فيليه... قول للكل عليه"، "حب استافت كراست مرتين... لأن المتعة بقت متعتين". وتستعمل حضارة مصر القديمة كنوع من الدعاية للوجبات السريعة وكذلك حضارة أفريقيا التي مازالت قطب جذب وسحر للغربيين بغاباتها وحيواناتها. وهي أيضا للتصحر وأمراض ضعف المناعة والفقر والتخلف والحروب الأهلية والنزاعات الحدودية. ففي إعلان باللغة الإنجليزية "مصر، حيث حكم الفراعنة، وازدهرت الحضارة أولا". مع أنها لم تكن حضارة الوجبات السريعة بل حضارة العلوم والفنون والصناعات. وبعض الإعلانات كلها باللغة الإنجليزية وكأننا في أمريكا. فقد أصبحت اللغة الإنجليزية شائعة كلغة تداولية في الحياة اليومية. وأنشات أقسام في الكليات الجامعية بالفرنسية والإنجليزية تدعمها فرنسا أو أمريكا بالأساتذة والمراجع. فهناك ليسانس حقوق بالفرنسي أو بالإنجليزي بجوار العربي، وهناك بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية بالإنجليزي أو بالعربي. وهناك بكالوريوس تجارة محلية أو خارجية بالإنجليزي "بالإنجلش". والغريب أن المحلات التي تقوم بذلك محلات شعبية أصحابها أولاد البلد مثل "مؤمن"، وتُكتب بالحروف اللاتينية! وعلي الوجه الآخر لورقة الإعلان الملساء الملونة هناك إما مسابقة يانصيب عربيات للكبار. فقد أصبحت العربة الفارهة هدفا ورمزا "بي إم دبليو". والأغلب عربات لعب للأطفال كلها تدل علي القوة السحرية "هيليكوبتر بالريموت" القادر علي الوصول إلي كل مكان. فقد تم غزو العراق بالريموت من البوارج والصواريخ الموجهة. والألعاب حربية، مدمرة وطائرة، مثل الطائر الناري، التورنايدي. حتي الفار هو "الفار جيري"، والسمكة "السمكة ميمو". كل ذلك مع "كارت الخربوشتين". ولا يهم ماذا يعني بل يدل فقط بصوته الأجنبي علي الغرابة فيثير الخيال. ومادام أجنبيا فهو عظيم. وتستعمل أيضا بعض اللازمات الشعرية الإيقاعية مثل "لف لي البليدز الدوارة... مع كل وجبة أطفال جبارة". هذه هي اللغة العربية وهذا هو مصيرها. وهو نفس مصير البلاد. واللغة أحد مقومات الوطن تبعية للخارج في السياسة والثقافة دون مقاومة أو إبداع. لذلك أنشد شاعر النيل: أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2119 --- Date 24 / 5 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2119 --- التاريخ 24 / 5 /2005 AZP07 HSHN |