|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري - 15 آيار (مايــو) - ثورة التصحيح أم ضياع فلسطين؟ حدثان متزامنان. وقع كلاهما في مثل هذا اليوم 15 مايو مع فارق ربع قرن يمثل حقبة من تاريخ العرب. الأول 15 مايو 1948 يوم ابتلاع ما يقرب من ثلاثة أرباع فلسطين، يوم تأسيس الكيان الصهيوني رسميا وإعلان نشأته في الأمم المتحدة والذي أصبح عيد "الاستقلال" حيث يتوقف الجميع الساعة الثانية عشر ظهرا إحياء لذكري ذلك اليوم الحزين للنكبة الأولي. والثاني 15 مايو 1971 فيما سمي ثورة التصحيح عندما انقلب اليمين الناصري علي اليسار الناصري واستولي علي نظام الحكم، عندما انقلبت الرياسة علي الجيش والحزب والإعلام والداخلية واستولت علي السلطة. وتحت ضغوط مظاهرات الطلاب في ميدان التحرير لمعرفة متي يتم التحرير، ومتي ساعة الحسم، اندلعت حرب أكتوبر بالجيش الذي أعيد بناؤه عندما كانت الناصرية مازالت حية وفي أيامها الأخيرة بشعاراتها المعروفة "إزالة آثار العدوان"، "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، واللاءات الثلاث بعد مؤتمر الخرطوم إثر هزيمة يونيو 1967 "لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضة". واندلعت حرب أكتوبر 1973 بالجيش الذي أعاد عبد الناصر بناءه، وبخطة بدر التي وضعها قبل أن يغادر بعد الإرهاق النفسي والبدني لإيقاف مذابح الفلسطينيين في الأردن في ايلول (سبتمبر) ــ أيلول الأسود 1970. وبعد الحرب بدأ التحول عن الناصرية تدريجيا بالتلاعب بمسارها. كانت الحرب للتحريك وليست للتحرير، من أجل لفت نظر أمريكا إلي النظام الجديد كما نصح الصديق هنري مستشار الأمن القومي في مصر بأن أمريكا لا تساعد جثة هامدة، ولابد من تحريك القضية. فبناء علي أمر رئيس الجمهورية السابق، وهو القائد الأعلي للقوات المسلحة لم تتقدم القوات المصرية في اندفاعها الأول الذي أخذ العدو علي غرة بفضل سياسة التمويه حتي المضايق للاستيلاء عليها، وهي المداخل إلي سيناء المكشوفة برا، والمفتوحة جوا. ولم تصف الثغرة في الدفرسوار وفك الحصار عن الجيش الثالث. وتُركت سوريا وحدها بعد أن قاربت علي تحرير الجولان، ورأت القوات مدينة صفد في الأفق في الأسبوع الثاني من الحرب حتي يقضي العدو علي القوات العربية، واحدة تلو الأخري، جبهة تلو الجبهة. وتحولت المكاسب العسكرية إلي خسائر سياسية في مفاوضات الكيلو 101. وتم استرداد سيناء منزوعة السلاح علي ثلاث دفعات. واستردت مصر طابا بقرار من محكمة العدل الدولية. وبرصيد حرب أكتوبر وبعد أداء جيش مصر الذي شهد له العدو قبل الصديق، بدأ التحول السياسي تدريجيا بصدور قانون الاستثمار في 1974، وبالقضاء علي الناصرية في الحزب في 1975 بدعوي المنابر، اليسار واليمين والوسط والذي بناء عليه بعد أن تحولت إلي أحزاب مثـّل "التجمع" اليسار، وحزب "الأحرار" اليمين ثم نشأ "الوفد" الليبرالي بحكم القضاء. ومثلت الدولة أي اليمين الناصري الوسط. ورفعت شعارات جديدة "العلم والإيمان"، واتهام الماركسية بالكفر، وممارسة العنف، والناصرية بالتحالف مع الاتحاد السوفيتي، والليبرالية بحكم الإقطاع والباشوات. وبدأ التحول من القطاع العام إلي القطاع الخاص، وتشجيع رأس المال الأجنبي. كما رفع شعار "العلم والتكنولوجيا" بديلا عن "الأيديولوجيا" التي أدت إلي هزيمة 1967. وبدأ النهب المنظم لثروة مصر في الداخل، وتهريب رؤوس الأموال الوطنية إلي الخارج بعد خصخصة البنوك والشركات، وإعفاء المستثمرين الأجانب من الضرائب لمدة عشر سنوات وإمدادها بالمرافق العامة مجانا. فالرأسمالية لم تعد جريمة. ورفعت شعارات "عربة وفيلا لكل مواطن"، "الكترون في يد كل جندي"، "حرب أكتوبر آخر الحروب". وبعد هبة يناير 1977 إثر قرارات رفع الأسعار، سيطرت جماهير عبد الناصر علي مصر من الإسكندرية إلي أسوان، وفجرت جام غضبها علي رموز الثروة والنفاق والسلطة، النوادي الليلية، مقار الحزب الحاكم وأقسام الشرطة، دون المدارس والمستشفيات، ووزعت المواد التموينية من المجمعات علي الأحياء الفقيرة. وبعد ثمان وأربعين ساعة فرضت الأحكام العرفية علي البلاد، وفرض حظر التجول. وانبري فقهاء السلطان لتبرير غلاء الأسعار. فالجسم المريض، وهو الاقتصاد المصري، في حاجة إلي دواء حر، وهو ارتفاع الأسعار، كي يصح، ويعبر عنق الزجاجة إلي دولة الرخاء. ورفعت صور عبد الناصر، وعادت شعاراته. ولولا غياب الحزب الثوري لعادت ثورة يوليو 1952 إلي مسارها الصحيح ضد الانقلاب عليها بما سُمي بثورة التصحيح. وفي نوفمبر من نفس العام 1977 أراد النظام السياسي في الجمهورية الثانية العثور علي أحلاف تقويه ضد الثورة الشعبية في الداخل. فتمت زيارة القدس وكأنها بوحي من السماء، والرئيس في طائرة بين السماء والأرض، قريبا من الله، مع أن كل شيء قد تم إعداده من قبل عن طريق رومانيا ورئيسها شاوشسكو الذي اغتيل أيضا هو وزوجه بعد الانتفاضة الشعبية في أوروبا الشرقية ضد التسلط والطغيان باسم الاشتراكية. ثم عقدت معاهدة كامب ديفيد في 1978 ثم معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني في 1979. وبالصلح المنفرد خرجت مصر من موازين القوي. تحررت سيناء منزوعة السلاح. وبقت باقي الأراضي المحتلة في الضفة والجولان تحت الاحتلال. وبعد حادث المنصة في 1981، استمرت سياسات الجمهورية الثانية في الجمهورية الثالثة. ورفعت شعارات جديدة استبشر بها الناس خيرا، نظافة اليد، الشفافية. وتم الإفراج عن آلاف المعتقلين من كافة التيارات السياسية في البلاد إيذانا ببداية عهد حر ديموقراطي جديد. واختفت حرم الرئيس عن الأنظار بعد أن كانت مركز الإعلام والنشاط الاجتماعي والثقافي في البلاد، بالرغم من تحذير أحد أقطاب المعارضة آنذاك وكتابته عن "الوضع الدستوري لحرم الرئيس". واستفردت إسرائيل بالوطن العربي بعد إخراج مصر من المعادلة. وتم العدوان علي لبنان وغزو بيروت في 1982، وضرب المفاعل النووي في العراق في 1984، واغتيال أبي جهاد في تونس أثناء الانتفاضة الأولي، انتفاضة الحجارة، ثم احتلال كل فلسطين أثناء الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصي. وتدمر الصواريخ السورية في البقاع، والاعتداء علي حدود مصر، وتهديد سوريا المستمر. وفي الداخل، ازداد القهر والتسلط في الجمهورية الثالثة باستمرار العمل بقانون الطوارئ وتزوير الانتخابات، وسيطرة الحزب الحاكم، وامتلاء السجون بالمعتقلين السياسيين. ولم تنفع تحذيرات مظاهرات الأمن المركزي في 1986. بل تم التوقيع في مؤتمر القاهرة في 1990 علي شرعية العدوان الأمريكي علي العراق في 1991، ودخول بعض القوات المصرية جنبا إلي جنب مع القوات الأمريكية، بدعوي تحرير الكويت وكما صور فيلم "العاصفة". واستأنف ضرب العراق في 1998 بدعوي رفض التفتيش علي قصور الرياسة، ثم احتلاله كلية في اذار (مارس) 2003 بدعوي امتلاك أسلحة الدمار الشامل. وإسرائيل تحتل أراضي ثلاث دول عربية، سوريا وفلسطين ولبنان، وتمتلك السلاح النووي. ولا أحد يعتدي عليها. بل تشجعها الولايات المتحدة الأمريكية علي العدوان والاستيطان. وفي مايو 1948 قام الكيان الصهيوني مخترقا حدود الهدنة، وإحلال شعب محل شعب. ثم اعتدي علي غزة في 1955 مما دفع مصر لعقد صفقة الأسلحة التشيكية للدفاع عن النفس. ثم كانت إحدي دول العدوان الثلاثي علي مصر في 1967 مما دفع مصر إلي إعادة تسليح نفسها بالسلاح السوفيتي مع بناء السد العالي بمعونته المالية والتقنية. وانتشر الاستيطان، وزادت الهجرة الروسية سكان الكيان الصهيوني بحوالي مليون مهاجر. وتوالت معاهدات الصلح مع الأردن من دول المواجهة ومع موريتانيا من المغرب الأقصي. وفتحت مكاتب تجارية أو اتصال في المغرب وتونس وقطر. وتقدمت الأردن بمشروع في مؤتمر القمة العربي الأخير في الجزائر باعتراف عشر دول عربية بإسرائيل إغراء لها من أجل تطبيق خارطة الطريق أو قبول مبادرة السلام العربية. فالدفع مقدما قبل توريد السلعة. منذ مايو 1948 ابتلع الكيان الصهيوني كل فلسطين. ومنذ معاهدات الصلح والاعتراف والهرولة في تسارع لخطب ودها تقربا للولايات المتحدة الأمريكية. ووقعت اتفاقيات الكويز لابتلاع الاقتصاد العربي. والخطورة هو خلق طبقة عربية مرتبطة بمصالحها مع إسرائيل في مجمع اقتصادي واحد. ثم يأتي الدور علي العقل العربي والثوابت العربية وتصبح إسرائيل نموذجا لتحديث الوطن العربي، وتقوم بدور مصر التقليدي، مركزية إسرائيل بدلا من مركزية مصر. فما أشبه ايار (مايو) 1948 بايار (مايو) 1971. وما أبعدهما معا عن مايو 2005 بعد أن تحرك الشارع العربي في مصر ليفك الحصار عن النظام السياسي العربي المحاصر بين المطرقة والسندان، مطرقة الولايات المتحدة الأمريكية وسندان الشعوب. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2112 --- Date 16 / 5 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2112 --- التاريخ 16 / 5 /2005 AZP07 HSHN |