آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري
- العراق لبنان آخر
- الطائفة والعرق أم الوطن؟

كانت الانتخابات العراقية الأخيرة ولادة عسيرة لأنها تمت تحت الاحتلال ولم يكن ضمن برامج مرشحيها وأحزابهم المطالبة بانسحاب قوات الاحتلال من أراضي العراق وتأكيد وحدة العراق الوطن وليس تمثيل العراق الطائفة والعرق. لذلك كان من الطبيعي أن يقاطع السنة الانتخابات. فلا انتخاب في وطن محتل. كما رفضوا الاشتراك في حكومة تتشكل تحت الاحتلال. ووزير الدفاع الأمريكي يملي شروطه. ينبه ويحذر من أن تكون المطالبة بانسحاب قوات التحالف من بين برنامج الحكومة المرتقبة. وطالت المدة. واختلفت الطوائف والأعراق علي توزيع الحقائب الوزارية
، ومن ضمنها الوزارات السيادية، الخارجية والدفاع والنفط والداخلية التي بيدها أمن الوطن السياسي والاقتصادي في الخارج والداخل. ووضع مبدأ التقسيم. وتم تنفيذه بالفعل بين الشيعة والأكراد والسنة. وسمع الناس لأول مرة عن التركمان والأشوريين. واختلفوا في معايير التوزيع طبقا للواقع أي نتائج الانتخابات أو طبقا للتوازنات بين الطوائف والأعراق، ومن ثم ضرورة تمثيل السنة بالرغم من عدم اشتراك أغلبيتهم في الانتخابات. ولم يسمع أحد عن الوطن العراقي والمواطن العراقي بصرف النظر عن طائفته أو عرقه والمواطنة العراقية التي يتساوي فيها كل العراقيين، والاتفاق علي الحد الأدني من البرنامج الوطني.
تحول العراق إلي لبنان آخر الذي أدت الطائفية فيه إلي حرب أهلية دامت خمسة عشر عاما، دمرت الوطن. ومازال أحد بنود اتفاق الطائف الذي أنهي الحرب لم يتحقق بعد وهو التخلي عن الهوية الطائفية إلي الهوية الوطنية. وكما تم الإجماع الوطني علي إخراج القوات الأجنبية من لبنان، السورية أولا، فلماذا نسيان القوات الإسرائيلية في مزارع شبعا؟ ولماذا لا يوجد إجماع وطني علي تنفيذ بند المواطنة الذي تحقق في الشارع اللبناني باختفاء الأعلام الطائفية ولكنه لم يختف بعد من الدستور ومن الممارسات السياسية. لبنان أولا، والعراق ثانيا في مخطط تقسيم الوطن العربي إلي فسيفساء عرقي طائفي، سنة وشيعة، مسلمين وأقباط ودروز، عرب وبربر وزنوج حتي تصبح إسرائيل هي أكبر دولة طائفية عرقية في المنطقة. تأخذ شرعية جديدة من طبيعة الجغرافيا السياسية فيها. وليس من الأساطير القديمة التي أعطاها لها هرتزل في "الدولة اليهودية"، أساطير العودة والمعاد وشعب الله المختار التي لم يعد يصدقها أحد.
والطبيعي ألا يشارك السنة في الانتخابات ولا في تشكيل الحكومة تحت الاحتلال. وفي فقه الأولويات مقاومة المحتل لها الأولوية المطلقة علي المغانم السياسية للأحزاب السياسية أو للطوائف والأعراق. وطالما قاوم الأكراد السلطة المركزية في بغداد مطالبين بالاستقلال الذاتي كخطوة نحو الاستقلال التام. ولم يسمع أحد عن مقاومتهم للاحتلال. ورئيس الجمهورية منهم. وكان صلاح الدين منهم أيضا. ولولا رفض تركيا السماح للقوات الأمريكية للمرور من أراضيها لمرت من خلال شمال العراق حيث يوجد الأكراد نحو بغداد. وتاريخ مقاومة الشيعة في العراق مشهود له منذ انتفاضة الجنوب في 1991 بعد إخراج القوات العراقية من الكويت وقمع النظام العراقي لها دون أن يساعدهم أحد. واستشهاد علمائهم وقادتهم يعرفه الجميع. وأخيرا تحرك الصدر. وأصبح رمزا للمقاومة الوطنية لولا الحسابات السياسية. ومازال السنة هم الذين يتحملون عبء التحرير كله ليس فقط في المثلث السني حول بغداد بل في كافة أنحاء العراق.
إن المقاومة العراقية هي الحكومة الشرعية في العراق التي تعطي الأولوية لتحرير الوطن من الاحتلال الأجنبي علي المساهمة في انتخابات ليس من برامجها انسحاب قوات الاحتلال وقسمة الحقائب الوزارية طبقا للطوائف والأعراق. فتحرير الأرض سابق علي الحكم في القصر. الحكومة الشرعية هي قيادة المقاومة السرية تحت الأرض ضد الاحتلال. هكذا فعلت المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي لفرنسا. وهو منطق المقاومة في كل مكان.
إن الحل الوحيد لإيقاف نهر الدم في العراق من دماء العراقيين هو تشكيل حكومة وطنية لها برنامج وطني. تقاوم بيد وتفاوض باليد الأخري. يد تفاوض ويد تحمل السلاح. وتطالب بوضع جدول زمني للانسحاب في موعد أقصاه نهاية هذا العام. ويقوم علي تعددية سياسية تمثل كافة التيارات السياسية في البلاد كما هو الحال في كافة حركات التحرر الوطني في الجزائر والمغرب وكوبا وفيتنام والهند، وكما هو الحال في حركة المقاومة الفلسطينية حاليا.
ويحدد البرنامج السياسي إذا كانت دولة العراق تابعة لقوي خارجية غربية أو أمريكية مثل كثير من الأنظمة العربية أو وطنية مستقلة مثل إيران وماليزيا؟ كما يحدد النظام السياسي هل يقوم علي نظام الحزب الواحد والتسلط الفردي أم علي التعددية السياسية والانتخابات الحرة واختيار الشعب؟ ويختار النظام الاقتصادي، السوق والنشاط الاقتصادي الحر والخصوصية والدخول في العولمة فرأس المال ليس لها وطن أو النظام الاقتصادي الموجه والملكية العامة لوسائل الإنتاج، والقطاع العام، والتصنيع، وتدعيم المواد الغذائية، وتقريب الفوارق بين الطبقات وهي بعض التوجهات الاشتراكية التي عرفها العرب في الستينات؟ ويحدد انتماء الدولة القطري، العراق أولا، أو القومي، فالعراق جزء من الأمة العربية؟ كما تعيد النظر في علاقاتها بدول الجوار خاصة إيران وتركيا حماية للبوابة الشرقية للوطن العربي بدلا من التناقض المفتعل بين القومية العربية والقومية التركية أو الثورة الإسلامية. وعليه أن يختار بين التحالف مع الاستعمار والصهيونية أم يظل وفيا للثوابت في السياسات العربية، مناهضة الاستعمار والصهيونية، وعدم الصلح معها أو الاعتراف بها قبل الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة والعودة إلي حدود الخامس من يونيو ــ حزيران 1967، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. وتحدد أيضا موقعها بالنسبة للهجمة الاستعمارية الجديدة علي الوطن العربي ودول الجوار، واحتلال أفغانستان والشيشان وكشمير وسبته ومليلية المدينتين المغربيتين من بقايا الاستعمار الأوروبي في بداياته. وعلي هذا البرنامج الوطني يتكون الائتلاف الوطني أو الجبهة الوطنية أو جبهة الإنقاذ. لن تتوقف إراقة دم العراقيين، ولن يعرف العراق الاستقرار إلا بانسحاب قوات الاحتلال من كافة أراضيه، والتحول من جيوب المقاومة إلي مقاومة المدن، ومن مقاومة المدن إلي الثورة الشعبية العامة، انتفاضة الوطن بأكمله حتي يبني العراقيون وطنهم، ويعود كما كان وطنا واحدا لشعب واحد.
إن المقاومة حسب آخر التقارير حتي الأمريكية وعلي لسان وزير الدفاع الأمريكي تنتظم حوالي نصف مليون، نصف جيش العراق الذي اختفي بسلاحه أثناء الغزو قبل سقوط بغداد، وتحول إلي عصب شعب يناضل. فهو جيش الشعب، وشعب الجيش كما كان الحال في الجزائر وفيتنام. ولا غرابة أن تلقي قوات الاحتلال نفس المصير. وهناك عشرات العمليات يوميا، ومئات الخسائر من قوات الاحتلال. ولا تعلن البيانات الرسمية إلا جزءا منها لرفع الروح المعنوية للجنود وللاستمرار في خطأ السياسة الأمريكية بتبرير العدوان بصرف النظر عن الذريعة. فهو عدوان يبحث عن سبب دون أن يكون هناك سبب للعدوان.
هذا هو اختصار الطريق، واللحاق بما فات، وسرعة اللحاق بالزمن. ولا خروج من المستنقع العراقي إلا بتجفيفه أو جريان الماء فيه.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2110 --- Date 14 / 5 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2110 --- التاريخ 14 / 5 /2005

AZP07
HSHN