آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري
- صيغ التفضيل
- مبالغة الخطاب السياسي نتاج الغموض

يكشف تحليل الخطاب السياسي اليومي خاصة الخطاب الإعلامي عن نوع من المبالغات وإطلاق الأحكام. وتصل المبالغات إلي حد التهويل والتكبير والتعظيم والتفخيم. ويبدو ذلك في كثرة استعمال أفضل التفضيل في وصف الرئيس، رئيس دولة أو مؤسسة أو مصلحة أو هيئة أو جماعة أو حتي عصابة. فهو ليس فقط فاضلا بل أفضل والأفضل. وليس فقط ذكيا بل أذكي والأذكي. وليس فقط قادرا بل أقدر والأقدر. وليس فقط عالما بل أعلم والأعلم.
فإذا ما قرر الرئيس تغيير مادة في الدستور طالما طالبت بها المعارضة منذ سنوات واعتبر الطلب في غير موعده، متهورا، يؤدي إلي القلق، وهروب أموال الاستثمار فإنه زلزال سياسي، حدث تاريخي، لم يحدث منذ أيام الفراعنة، ضربة معلم، حسن تخطيط، إجهاض للمعارضة، استجابة لرغبة الشعب. وهو مثل حوادث الطبيعة والظواهر الكونية، رعد وبرق. ويتحول الخطاب السياسي من الصمت المطبق إلي الصراخ المطلق، ومن اللاشيء إلي كل شيء، ومن الصفر إلي اللانهائي، ومن العجز المطلق إلي القوة الخارقة.
وهو خطاب سياسي في الظاهر، وديني في الباطن. فالخطاب الديني هو الذي يقوم علي التعظيم والتفخيم والإجلال كما يبدو في التعظيم الإلهي، والمدائح النبوية، وتفسير الظواهر بعلة واحدة وسبب أول هو الفاعل الحق، وغيره فاعل بالمجاز. هو خطاب التأليه الذي يعظم كامل الأوصاف، لا فرق بين صفات الله وصفات السلطان، يقوم به رجال الدين ورجال السياسة، وفقهاء الشريعة وفقهاء السلطان. يصف القرارات وكأنها معجزات، لم يتوقعها أحد، ولا يقدر عليها إنسان.
وإذا تقدمت الحكومة بمشروع فهو أعظم المشاريع الذي لم يأت به الأولون ولا الآخرون، تغيير خريطة مصر، الخروج من الوادي، وتحويل الوادي الرأسي إلي وادي أفقي، والخروج من ضيق الوادي القديم إلي رحاب الصحراء. مياه الشرب أنقي مياه في العالم، والأسعار أرخص أسعار في الكون، ومكتبة الأسرة قدوة لتجارب القراءة في العالم، ومشروع القراءة للجميع أصبح نموذجا لقراءة كل الشعوب. والعناية بأطفالنا نموذج للعناية بأطفال العالم، ومعارضنا تكشف عن إبداعنا وعبقريتنا علي المستوي الدولي. صحافتنا حرة، وتعليمنا للجميع، وطرقنا العلوية والدائرية وأنفاقنا كلها آية في العمران.
أصبحت حياتنا كلها مبالغات في مبالغات. وغاب عن حياتنا النقد الذاتي، ووضع كل شيء في مكانه الصحيح، وفي نسبته المقررة. لم يعد للخطاب السياسي أي ثقل. ولا يتطلب أي تصديق من كثرة ما تعود عليه الناس. لا يؤدي غرضا، ولا يهدف إلي شيء إلا مزيدا من مدح السلطان. نقص الخطاب السياسي الصدق وأصبح لا فرق بين الخطاب السياسي والخطاب الديني. الأول مدح للسلطان، والثاني مدح لله.
وفي نفس الوقت الذي نضخم فيه الحدث الصغير، نصغر الحدث الكبير ليس عن طريق أفعل التصغير بل عن طريق تصغير الأسماء. الأفعال للتفضيل، والأسماء للتصغير. فالمظاهرة السياسية الضخمة التي تناقلتها أجهزة الإعلام، وعرضتها القنوات الفضائية، محدودة العدد، معزولة عن الجماهير، نظمتها فئة ضالة، أو مندسون من التاريخ. وتفجير قنبلة في حي سياحي تودي بحياة الأبرياء حادث فردي منعزل، ولا يوجد تنظيم وراءه، خلية نائمة أو نشطة. لم تتأثر السياحة، ولم تلغ الأفواج، والفنادق عامرة، والأمن مستتب. والفقر محدود، والاقتصاد قارب أن يخرج من عنق الزجاجة، والبطالة أمكن السيطرة عليها بتوفير آلاف من فرص العمل عن طريق الشركات الاستثمارية الجديدة. واختناقات المرور محدودة. والتهريب استثناء. والاقتصاد بخير. فقد أمكن السيطرة علي ارتفاع أسعار العملات الأجنبية، وقويت العملة المحلية. ومخالفات الشرطة تمت المعاقبة عليها. وقانون الطوارئ فقط في الحالات الحرجة وأوقات الخطر التي يتهدد فيها الأمن القومي للبلاد. والطائفية حوادث متفرقة في حين أن نسيج الأمة سليم.
وما يتم علي الصعيد الداخلي يتم أيضا علي الصعيد الخارجي. علاقتنا بأمريكا ممتازة. والخلاف لا يفسد للود قضية، خلافات داخل الأسرة الواحدة، عاصفة في فنجان. والخلاف مع إسرائيل طبيعي، ولكن السلام قائم، والأمن علي الحدود مستتب. والسفارات مفتوحة، وحوادث قتل المصريين علي الحدود حوادث فردية، خطأ حراس الحدود. واعتذار إسرائيل مقبول. وشارون رجل سلام. والسلام قائم إنما يحتاج فرصة، وخيار استراتيجي يستلزم الصبر.
وخلافاتنا مع إثيوبيا في خبر كان. وقطع علاقاتنا مع إيران منذ ربع قرن لاشيء في إيقاع التاريخ. صادقناها أيام الشاه حليف إسرائيل. وعاديناها بعد الثورة المعادية للكيان الصهيوني. تبعث الجواسيس، وظهير الحركات الإسلامية، وتصدر الثورة. ونبعث مراقبين للسودان لحل أزمة دارفور التي كبرها الإعلام الغربي وضخمتها القوي المعادية. وإهانات المصريين خارج الوطن مشاكل صغيرة تحلها السفارات في الخارج. وفرنسا دولة صديقة. والمجموعة الرباعية متعاطفة. وروسيا مازالت حليفة. والصين صديق تقليدي. والعالم كله ينظر إلينا نظرة إعجاب.
وهكذا نحول الصغير كبيرا ونجعل الكبير صغيرا بفضل أفعل التفضيل وطرق التصغير مما يدل علي تقصي التحليل، والتسرع في الحكم علي الأشياء. فالتطرف ليس فقط في الواقع لدي جماعات التطرف بل هو في لغة الخطاب السياسي، ورؤية العالم، وإصدار الأحكام بين التهويل والتهوين. نأخذ مواقف انفعالية من الواقع بين الحد الأقصي والحد الأدني. ونـَصِف الواقع بين الخير المطلق والشر المطلق. ونخلط بين الذات والموضوع، بين انفعالات النفس وبنية الواقع، بين ما نتمني أن يكون وما هو كائن. لذلك يجيب الرئيس باستمرار عن أي سؤال عن أمر واقع في الأوضاع الداخلية أو الخارجية بألفاظ "أتمني"، "أرجو"، "أتعشم". والواقع له بنيته الخاصة بعيدا عن الأمنيات. لذلك غلب الإنشاء علي الخبر في الخطاب السياسي الإعلامي، وكثرت الماينبغيات، وتراكمت الأخلاقيات حتي أصبحت كغطاء للتعمية علي واقع يصعب تحليله ورؤية عناصره ومكوناته. والعيش في الأوهام خير من رؤية الواقع. والنفس تعشق الأماني، وتنكف من الغم والهم والقرف.
ونظرا لسيادة الإعلام خاصة المرئي منه فقد عم الخطاب الإعلامي الخطاب الثقافي والخطاب العلمي كما ضم من قبل الإعلام والثقافة في وزارة واحدة. وأصبح سمة عادة للثقافة الوطنية. واتهمت كل محاولة لنسبية الأحكام بالخيانة في السياسة والكفر في الدين. تشكك المعارضة في كل شيء ولا تري الإنجازات. تهدم أكثر مما تبني، وتحقد أكثر مما تحب.
أصبح الاحتماء بأفعل التفضيل وسيلة للهروب من الواقع، وطريقا للتقرب لأصحاب السلطة الذين لا يستدعون إلا من يكثر من المديح للسلطان، والهجاء لخصومه السياسيين، باستعمال أفعل التفضيل له، وطرق التصغير لهم. وعادة ما ينتهي الذهاب إلي أقصي حد إلي نيل أقل شيء. وكلما اتسع الخطاب قل التحقيق. وكلما علا الصوت رجع الصدي. ولا شيء إلا الصوت. وأصبح الكلام رخيصا بلا ثمن مع أن الله هو الكلمة.
وتنتهي الثقافة إلي سجال بين الإثبات والنفي. ويتحول الحوار إلي خصومة، والبرهان إلي جدل، والتعددية في الرؤية إلي أحادية في النظر. ثم تقع الواقعة، ويقع الخطب الجلل. وينكسر الخطاب القائم علي أفعل التفضيل. ويظهر خطاب الأسي والحسرة والندم. ويكثر البكاء ونعي الحظ (والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون).

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2101 --- Date 2 / 5 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2101 --- التاريخ 2 / 5 /2005

AZP07
HSHN