آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري
- ألفاظ التكفير والتعددية والسياسية
- تصنيف الناس حسب طوائفهم واعراقهم قنابل سياسية موقوتة

اللغة أداة للتعبير عند المتكلم، ووسيلة للفهم عند السامع، ومدخل لمعرفة نوع الخطاب. وتحليل لغة الخطاب يكشف عن نوع الثقافة وطرق الممارسة. ولا فرق في ذلك بين الخطاب الديني والخطاب السياسي والخطاب الإعلامي بل والخطاب في الحياة اليومية.
وقد ورثنا تركة ثقيلة من ألفاظ تمثل لغة الاستبعاد والإقصاء للمعارضين السياسيين، ظاهرها ديني أو طائفي أو عرقي أو جغرافي وفي باطنها سياسي، استبعاد السلطة للمعارضة لإقصائها وإدانتها كسلطة بديلة، وبالتالي القضاء علي تداول السلطة.
ومن هذه الألفاظ: كافر، ملحد، مشرك، مرتد. وهي تقضي علي المعارضة من الأساس. فمن يلصق به هذا الاتهام يخرج من زمرة الجماعة. لا يعيش معها، ولا يتزوج من نسائها، ولا يدفن في مقابرها، ولا يرث من أموالها. بل ويُقتل المرتد إذا ما فارق الجماعة. وأخفها زنديق، ومنافق، فاسق، عاصي. خرج عمله عن إيمانه، ومن ثم فأفعال المعارضة السياسية تخرج عن حظيرة الإيمان مع أن الحاكم أيضا قد يخرج فعله عن إيمانه ويتستر بالنفاق وهو أولي بالاستبعاد. و"من قال لأخيه كافر فقد باء بها". وأخف منها شيعي، خارجي، معتزلي. وهي فرق المعارضة السياسية الرئيسية في تاريخنا القديم في مقابل السني أو الأموي أو الأشعري الذي في السلطة. فالشيعي اتبع الأهواء ومال. والخارجي فارق الجماعة. والمعتزلي اعتزلها. وكل من عارض السلطة القائمة فقد "زعم" و"ادعي". والسلطة القائمة وحدها هي التي "تقول". فالمعارضة زعم وادعاء وبطلان. والحكومة حق وصواب دون بهتان.
فإذا ما خفت لغة التكفير ظهرت لغة الطائفية لتصنيف الناس والتفرقة بين المواطنين طبقا للطائفة. فهذا سني وذاك شيعي، وهذا مسلم وذاك ماروني. وتفرق أبناء الوطن الواحد وتوزع الوطن علي الطوائف. شيعة الجنوب، ومسلمو الشمال، كما توزعت ضواحي المدن علي الطوائف، بيروت الشرقية للمسلمين وغربها للمسيحيين وما بينها نقاط تماس. وشمالها للمارونيين وجنوبها لأمل. ويقع الخليج في نفس الفخ، بالحديث عن الشيعة والسنة بالإضافة إلي أهل البلاد أصحاب رؤوس الأموال والمهاجرين. والمهاجرون نوعان عرب وأسيويون. والعرب نوعان فلسطينيون وسوريون من ناحية ومصريون من ناحية أخري، منافسة علي الأرزاق. وقد تأخذ القسمة الطائفية شكلا سياسيا بين معارضة وموالاة، والمعارضة في أغلبها مسيحية، والموالاة في أغلبها إسلامية. صحيح أن تحرك الشارع اللبناني أخيرا كان تحت علم لبنان الوطن، واختفت أعلام الطوائف. ومع ذلك ظلت الطائفية المحرك الباطني، كل منها يريد استبعاد الآخر من الحكم، والاستئثار بالسلطة، وتقنين ذلك بالدستور. رئيس جمهورية ماروني، ورئيس وزراء سني، ورئيس برلمان شيعي. واختفت المواطنة لصالح الطائفة. وهو ما يحدث الآن في العراق. وتحولت معارك السلطة إلي معارك الطائفة. وما قد تجر إليه سوريا والسودان ومصر والجزائر والمغرب. إذ تحكم طائفة وتستبعد طوائف أخري. قد تتحكم أغلبية في أقلية أو أقلية علي أغلبية ليس بناء علي اختيار للمواطنين بل علي التحكم والاستبعاد، مما جعل الغرب يثير قضية الأقليات في الوطن العربي. وقد يعطي نظام نسبة معينة لتمثيل الأقليات في المجالس النيابية، ومن ثم تختفي المساواة بين المواطنين. كما يتواري قانون الجدارة والاستحقاق في رعاية المصالح العامة. والكافر العادل خير عند الله من المسلم الظالم.
وقد يحل العرق محل الطائفة أو معها فهذا عربي وذاك بربري أو زنجي. العرب في الحكم والبربر أو الزنوج في المعارضة. وكما ينقسم العرب إلي قبائل كذلك ينقسم الزنوج إلي قبائل، هذا من البشارية وذاك من النوبة ويكون الصراع علي السلطة بين القبائل والعشائر، وليس فقط بين الحكومة والمعارضة.
وقد تكون القطرية أحد عوامل التمييز بين العرب، والمنافسة علي المناصب القيادية في المنظمات الإقليمية. هذا مصري وذاك مغربي، هذا سوري وذاك سعودي. وقد يتم توزيع المناصب دوريا علي الأقطار العربية. فأصبح القطر مثل الطائفة أو العرق. وضاعت العروبة كعنصر جامع. وتورث المناصب طبقا للأقطار حتي لا يفقد القطر نفوذه علي المنظمة الإقليمية. وبدلا من أن يكون القطر في خدمة المنظمة العربية تكون المنظمة في خدمة القطر.
وقد يأتي الإقليم كقسمة داخل القطر الواحد. ويتحزب أبناء الإقليم ضد أبناء الأقاليم الأخري في توارث المناصب. فهذا بحراوي وذاك صعيدي، هذا حضري وذاك بدوي. بل قد يوزع المواطنون علي المحافظات. هذا شرقاوي وذاك منوفي. ويظهر التنافس بين سكان كل إقليم. ويسخر بعضهم من بعض طبقا للذكاء والغباء، الفهم وعدم الفهم، "الحداقة" والسذاجة، الفهلوة والعبط.
وقد يدخل التعليم الذي يحدد نوع المهنة في التمايز بين المواطنين. فهذا أفندي وذاك "بلدي". هذا شيخ وذاك علماني. وهذا عسكري وذاك مدني. ولكلٍ زيه. الطربوش أو عري الرأس للأفندي، و"الطاقية" للبلدي، و"العمامة" للشيخ، و"الكاسكيت" للعسكري. بل ويتم احتكار المهنة والحفاظ بالمنصب للتوارث من الآباء إلي الأبناء. فالطبيب ابن الطبيب. والمهندس نجل المهندس. والمحامي الابن يخلف المحامي الأب. ويتم توارث المهن حتي المهن اليدوية. فذاك من أسرة النحاس وذاك من أسرة الخباز، وثالث من أسرة الحداد. ويتم التنافس بين المهن. وتتحول المهن إلي طبقات يصارع بعضها بعض. ويزهو أصحاب المهن النظرية علي أصحاب المهن العملية، ويترفع خريجو الجامعات علي خريجي المعاهد الفنية والمدارس المهنية أو الصناعات الحرفية عن طريق الخبرة والممارسة. وقد يتحول الأمر إلي التحزب لنادي رياضي والانتصار له ولو بالضرب علي النادي المعارض. فهذا أهلي وذاك "زملكاوي". وقد يصبح الأمر أيضا منافسة علي المطربين. فهذا من أنصار عبد الوهاب وذاك من أنصار أم كلثوم. وهذا من أنصار الفنان القديم وذاك من أنصار الغناء الشبابي الجديد. واختلف الناس وتحزبوا وتفرقوا شيعا فيما لا فرقة فيه ولا تشيع.
قد يكون من المقبول تصنيف الناس والقوي السياسية طبقا لاختياراتهم السياسية. وفي الشارع العربي هناك أربعة اختيارات رئيسية تمثل تيارات فكرية تحولت بعدها إلي قوي سياسية: الإسلاميون والقوميون والناصريون، والليبراليون والماركسيون. فالتيار الإسلامي هو المحرك الرئيسي للشارع العربي والأقدر علي تجنيد الجماهير بعد أن استبعدوا من الحكم علي مدي نصف قرن. ومازال سلاح اللاشرعية والمنع وراءهم بالرغم من وجودهم في الشارع ونجاحهم في الانتخابات في الاتحادات والنقابات والمنظمات الأهلية. والتيار القومي الناصري هو الذي يمثل حركات الضباط الأحرار التي استولت علي السلطة في منتصف القرن الماضي بالرغم من انقلابها إلي ثورات مضادة في الربع الأخير من ذات القرن. ومازال الحنين إليه قائما، والمعارضة منه قوية ومؤثرة. والتيار الليبرالي حكم البلاد في النصف الأول من القرن العشرين والذي يمثل الوطنية والحرية والاستقلال بالرغم من عدائه للثورات العربية الأخيرة وتبنيه الاقتصاد الحر. والتيار الماركسي بالرغم من ضعفه أو حضوره الهامشي، السري أو العلني إلا أنه مازال اختيار من بعض المثقفين وقطاع من العمال. الخطورة إذا أتي فريق في السلطة استبعد القوي الأخري باعتبارها خصوما سياسيين أو معارضة غير شرعية كما استبعد الليبراليون الإخوان والشيوعيين، وكما استبعد الناصريون الإخوان دائما والشيوعيون بعد انقلاب الثورات القومية علي أنفسها.
وقد يكون من المقبول تصنيف الناس طبقا لأصولهم الاجتماعية، هذا غني وذاك فقير، هذا رأسمالي وذاك اشتراكي، ذاك من الصفوة وذاك من العامة، هذا من النخبة وذاك من الجماهير، هذا من الحكومة وذاك من المعارضة، دون تداول للسلطة وبعقلية الفرقة الناجية في السلطة، والفرق الهالكة في المعارضة. لقد نجحت الثورة الفرنسية في خلق لفظ جديد هو "المواطنة" يتساوي فيه الجميع كما هو في نشيد المارسيلييز "إلي السلاح، أيها المواطنون". كما نجحت الثورة الاشتراكية في روسيا في خلق لفظ آخر يتساوي فيه المواطنون وهو "الرفيق". ونجحت الحركة الإسلامية في اختيار لفظ يتساوي فيه جميع أفراد الأمة وهو "الأخ" إلا أننا مازلنا في ثقافتنا الوطنية متأرجحين بين هذه الألفاظ بالإضافة إلي ألفاظ "الراعي" و"الرعية" و"الإمام" و"الأمة". ومازلنا نفتقد ألفاظ "الوطن" و"المواطن" و"المواطنة" ومازال خطاب عبد الناصر يرن في الآذان "أيها الأخوة المواطنون".

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2095 --- Date 26 / 4 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2095 --- التاريخ 26 / 4 /2005

AZP07
HSHN