|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري - الجامع والكنيسة أم المدرسة والمستشفي؟ - هل تنشأ هويات مزيفة بديلاً للهويات الوطنية انشغلت مصر هذه الأيام والمنزل يحترق حولها في لبنان وسوريا والعراق والسودان. بل وفي دول الجوار مثل إيران وأفغانستان والشيشان وكشمير بالجامع والكنيسة والمسلم والقبطي. وهو الفتيل الذي تود قوي الهيمنة الخارجية إشعاله من أجل تفتيت مصر في استراتيجية التجزئة والتقسيم للأوطان وللوطن العربي والعالم الإسلامي للقضاء علي أي شكل من أشكال الوحدة، الوطنية أو القومية أو الإسلامية. فقد تحررت الشعوب بفضل أيديولوجيات الوحدة والاستقلال للوطن، في حركات الاستقلال الوطني أو العروبة، القومية العربية، أو الأمة الإسلامية. ولا تريد قوي الهيمنة الحالية الممثلة في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية أي وحدة أخري باستثناء العولمة، ومجموعة الثمانية، وحدة السوق المركزي حتي تظل الأطراف أسواقا وطاقة وعمالة، ويظل التقابل قائما إلي الأبد بين المركز والأطراف، المنتج والمستهلك، المعلم والتلميذ، المتقدم والمتخلف، الأبيض والملون. وهي مباراة في الانفصال، وتأكيد للهويات البديلة الدينية والعرقية والقبلية والعشائرية والعائلية كما هو الحال في لبنان والعراق والسودان والخليج والجزائر في وقت ضعفت فيه الدولة، وتوقف النظام السياسي عن الحركة، وغاب فيه الولاء للوطن والجماعة. وكلها هويات تجزيئية مفتعلة يُظن أنها تجلب الحماية للأقليات وهي أداة للتدخل الأجنبي. ولما كان الوطن العربي والعالم الإسلامي مازال مرتبطا بتراثه وبموروثه الثقافي فإنه يمده بهويته الدائمة عبر العصور بالرغم من نتوءات الحداثة بين الحين والآخر هنا أو هناك، ليبرالية مرة، وماركسية مرة أخري. ولما كان التراث مقدسا وكأنه ليس من صنع الرجال واجتهاد العلماء، فقد تماهي مع الدين، وأصبحت الهوية الثقافية هوية دينية. تؤيدها قوي الهيمنة وصعود اليمين الغربي، وتغذيها المحافظة الجديدة في الولايات المتحدة لإشغال الشعوب بمشاكل مزيفة بعيدا عن الأوطان والقوميات والأمميات. ولما كانت الثقافات بطبيعتها خاصة، وقع صدام الحضارات، وتكون العولمة هي النظرة التوحيدية الممكنة باسم السوق، والعالم قرية واحدة، وثورة الاتصالات. ومن ثم يتوحد المركز وتتفتت الأطراف. وتصبح مصر وتمسي علي أخبار من تحول من المسيحية إلي الإسلام إما عن اقتناع أو بدافع الحب، سرا أم علنا، الآن أم منذ وقت طويل. وتثور الكنائس علي نقص عدد الأقباط واحدا، ويفرح المسلمون بزيادة المليار والربع واحدا أو اثنين. وتعجز الدولة. وتلجأ للسلطة، سلطة الكنيسة أو الأزهر ليمنع هذه " التحولات" تطفئةً للنار، ودفاعا عن الأمن وحتي لا تتحول مظاهرات الكنائس إلي مظاهرات الشوارع، ويتحول الديني إلي سياسي، والضيق في النفوس، والقلوب في الحناجر، والحطب جاف ينتظر الشرارة. وتحول الشخصي إلي عام، والعام إلي شخصي مع أن الدين في القلب، ولا فرق بين إسلام ومسيحية فكلاهما دين إبراهيم (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) وجوهر الإيمان العمل الصالح (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الإيمان في القلب وليس في الشعائر، وفي النية الحسنة وليس في الطقوس. وجوهر الإيمان محبة الجار أو السعي في مصالح الناس. و الله في عون العبد مادام في عون أخيه . بل إن تسوية الطريق في العراق حتي لا تتعثر بغلة فيه من واجبات الحاكم، فما حال مولاة الأجنبي والتعاون مع المحتل ونهب الثروات والإضرار بالصالح العام؟ وقد أوحي المسيح بأنه إذا أرادنا الصلاة فليغلق كل منا نفسه في حجرته، ويغلق الأبواب ويصلي حتي لا يراه إلا أباه الذي في السماوات، تحذيرا من النفاق والتظاهر والادعاء. كما قال الرسول جعلت لي الأرض مسجدا طهورا . لقد نشأت حركة بناء المساجد والجوامع عندما تراكم رأس المال في عصور الملكية والإقطاع موازية لحركة بناء القصور. الغرض منها الأبهة والعظمة وبيان مدي سلطة الملك. لا فرق بين دار العبادة والقصر والسجن في الفخامة والقوة. والدين زهد وتقشف، وإيثار الآخرة علي الدنيا. الدين ليسن من جانب المنغلق بل المنفتح. ولا يهدف إلي إشغال الأرض بالمباني والحضور المزيف بل إلي مزيد من التقوي في القلوب. وكان مسجد الرسول من سعف النخل وكانت كنيسة المسيح في الإخوة بين الحواريين والعشاء الرباني. والدولة تشكو من ضيق الميزانية، وعدم توافر الدعم اللازم للخدمات العامة، والعجز في ميزان المدفوعات، ونقص المرافق. فالأولي من بناء الكنائس والمساجد، بناء المدارس والمستشفيات وإعادة بناء المرافق العامة التي يستفيد منها كل الناس بصرف النظر عن دينه. الدولة فقيرة مكبلة بالديون الخارجية، وتعيش علي المعونات الدولية. وأموال الزكاة وصدقات البر إنما تنفق لإشباع الحاجات الأساسية وهي الضروريات وليس الحاجيات أو التحسينات بتعبير الأصوليين. الناس في حاجة إلي مستشفيات ومدارس وأندية رياضية. فالجسد المريض ليس مسلما ولا قبطيا. وكان المسيح يبرئ الأكمأ والأبرص ويقيم القعيد ويحيي الموتي باذن الله. وكان الطب صنعة الأقباط والمسلمين، أسرة بختيشوع، وحنين بن اسحق، وابن سينا والرازي وابن رشد. والناس في حاجة إلي مدرسة للعلم بدلا من اكتظاظ الفصل بالعشرات، وكثرة الصراخ الإعلامي وبرامج التنمية عن محو الأمية. فالدين وحي، والوحي معرفة. وصحة الجسد في النادي الرياضي لا تفرق بين مسلم وقبطي. وأطفال الشوارع والميادين الذين يلعبون الكرة علي قارعة الطريق في حاجة إلي نوادي رياضية للجميع. وتعليم الدين في المدارس ليس عن طريق حصص في العقائد الإسلامية أو المسيحية وفصل التلاميذ. المسلمون لحصة الدين الإسلامي. والأقباط لحصة الدين المسيحي. هنا تبدأ الفرقة في الوطن، وتنشأ الهويات البديلة المزيفة عن الهوية الوطنية. ويشعر التلاميذ أن الوطن به عنصران وطائفتان وثقافتان وحقيقتان. وإن وحّد العلم بينهما فإن الدين يفرق بينهما. وهنا تبدأ الطائفية والمغايرة والتمييز بين المواطنين. الأفضل تعليم القيم الدينية المشتركة في كل الأديان عن محبة الجار، والتسامح، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وحرية الفرد، وديموقراطية الحكم، وإعمال العقل، وخدمة الناس. وهي مقاصد الشريعة عند الأصوليين، والمواعظ علي الجبل في الإنجيل. الدين جزء من التربية الوطنية. الوطن واحد، والدين واحد، لإحقاق العدل في الداخل والاستقلال عن الخارج. فالمواطنة أولا والتنوع الثقافي ثانيا. يستطيع البرنامج الوطني العام أن يجمع بين المواطنين جميعا في مشروع وطني مشترك يضم محو الأمية، تعمير الصحراء، إيجاد فرص عمل، تجميل المدن، تنظيم المرور، تنظيف الشوارع، تعبيد الطرق. فالعلاقة مباشرة بين المواطن والوطن وليس عن طريق الحكومة أو جهاز الدولة. فيشعر المواطن بالانتماء للوطن الذي يشارك فيه الجميع وليس للطائفة أو العرق أو العشيرة أو العائلة. والمسيحي مسلم ثقافة لأنه يعيش بين المسلمين، والمسلم المسيحية جزء منه، والمسيح كلمة الله وروح منه. والدين الشعبي يوحد بين الدينين. فالمسلم يطلب الشفاء والمرأة المسلمة ترجو الحمل من السيدة تيريزا. والمسيحية تطلب الحمل والشفاء من الإمام الشافعي. كلاهما قدري، صابر، يرضي بما رزقه الله له. وفي الأزمات الكبري يتوحد الشعب ويظهر الولاء للأوطان. وفي حالات الضعف للنظم السياسة تظهر الفرقة الدينية كهويات بديلة وتخلق الأزمات. فالدين وسيلة لتوحيد الأوطان والشعوب وليس لبث الفرق وقسمة الأوطان. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2080 --- Date 9 / 4 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2080 --- التاريخ 9 / 4 /2005 AZP07 HSHN |