|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري - رايات الشوارع تحكم السياسة في بيروت - تحيـــة إلي لبنـــان ورفعت الأعلام الحمراء والبيضاء ووسطها شجرة الأرز باسقة تهزها أيادي العرب في لبنان. وتذكّر بالثورة الفرنسية والعلم المثلث الألوان، والمارسيليز، والاستيلاء علي سجن الباستيل. وأين؟ في أصغر دولة حجما مساحة وسكانا، صورتها في ذهن العرب الجمال والحب، والشعر والغناء، والجبل والسهل والبحر، جمال الروح وجمال الطبيعة. وفي نفس الوقت في أكبر دولة من حيث المقاومة والقدرة علي العمل والإعمار. فقد حرر شعبها الجنوب المحتل بفضل تنظيماته السياسية وقواه الشعبية. ومازال صامدا ضد كل محاولات نزع سلاحه وإنهاء مقاومته بدعوي السلام القادم مع العدو المحتل واستقلال الدولة وسيطرتها علي المجتمع. في حين أنه في دول أخري مركزية مثل مصر وسوريا تطالب الولايات المتحدة الأمريكية بتقوية المجتمع المدني وتخفيف الدولة قبضتها عليه. وهي لا تريد هذا ولا ذاك، لا مجتمعا مدنيا قادرا علي مناهضتها، ولا دولة وطنية مستقلة ترفض التبعية لها. لبنان عقل الأمة في الفكر والأدب، طباعة ونشرا. لغتها وشعرها ونهضتها منذ القرن التاسع عشر، وأدباؤها ومصلحوها المهاجرون من بر الشام إلي بر مصر. وقد كان حصار بيروت في 1982 من شارون، رجل السلام الآن، هو حصار لعقل العرب بعد الجثمان علي جسد العرب في فلسطين والجولان. وكتم نفس العرب في مصر. ولقد تساءل الناس من قبل: أين الشارع العربي؟ أين جماهير العرب؟ أين الأمة العربية التي طالما خاطبها عبد الناصر لردع العدوان عنها وتوحيدها؟ لقد نزلت الملايين في عواصم الغرب ومدنه الكبري، وفي قلب الولايات المتحدة الأمريكية، باريس ولندن وبراج وسياتل وفلورنسا وجنوه ضد الاحتلال الأمريكي للعراق رافعة أعلام العراق وفلسطين فوق الأعناق. ولم يتحرك الشارع العربي إلا في هبات وقتية ومظاهرات طلابية أعظمها الرباط، في أقصي المحيط، وأولها في الخليج الذي لم يتعود علي حركة الشارع، وقلبها في جامعات مصر. ومع ذلك ظلت منذ عدة سنوات محدودة الأثر. وغلب علي الشارع العربي السكون وكأن الأمر لا يعنيه، بعد أن أدار ظهره لنظم الحكم التي احتكرت القرار السياسي علي مدي نصف قرن، في الحرب والسلام، وفي الاشتراكية والرأسمالية، بل وفي الاستقلال والتبعية. والأمة يتزايد عددها منذ أن كان يشير إليها عبد الناصر في خطبه مائة وخمسون مليونا، وقد جاوزت الآن المائتي وخمسين. بل إن الأمة الإسلامية المحيطة تزيد علي المليار، خمس سكان العالم، ومازالت القدس محتلة، وأفغانستان والشيشان وكشمير أيضا محتلة. أصبحت الأمة كالقلب أو الجوف المفتوح تجري فيه القوي الدولية ما تشاء من عمليات جراحية وكأن الجسد بلا صاحب، جثة هامدة واراها التراب. صاحبه يخدره، وعدوه يقتله. وأخيرا تحرك الشارع العربي في بيروت يحمل الأعلام الوطنية وليست الحزبية، ويترنم بالنشيد الوطني. ويقف في ساحة الشهداء يرثي شهداءه القدماء والجدد. وتسقط الجماهير الحكومة، وتفرض إرادتها علي المجلس النيابي. فليست جماهير جورجيا وأوكرانيا وكولومبيا وشيلي بأفضل من الجماهير العربية. تجاوزت الجماهير ممثليها المنتخبين. وتجاوز الممثلون حكومة الأغلبية. فالغليان في القلب قد طالت مدته. وتدافع الجماهير العربية عن كرامتها الوطنية. وتسأل عمن اغتال رئيسها ومعمّرها وموحّدها. وتدافع عن استقلال الأوطان. وتطالب بانسحاب قوات دولة الجوار التي طالت علي أكثر من عقد من الزمان بعد اتفاق الطائف وانسحاب الأجهزة الأمنية التي لم يتعود عليها لبنان الحر الطليق، بل والفوضوي العتيق. والتدخل الأجنبي في هذه الحالة من القوي الغربية التي تسيطر علي المنظمات الدولية يصطاد في الماء العكر. وتصدر القرارات دفاعا عن استقلال لبنان وسيادته وهو يهدف إلي السيطرة علي المقاومة. وتوطين اللاجئين، وجر لبنان إلي مخططات التسوية في اتفاق 17 مايو ــ آزار جديد. ويركب الموجة، موجة الشارع اللبناني والوطنية اللبنانية باسم الشرعية الدولية، ومزارع شبعا مازالت محتلة في الجنوب، والجولان مازال محتلا في الشمال، بالرغم من صدور العشرات من القرارات الدولية بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في يونيو ــ حزيران 1967. وتم تشويه الحركة الوطنية اللبنانية التي استطاعت لأول مرة منذ الاستقلال وبعد الحرب الأهلية النزول إلي الشارع باسم الاستقلال الوطني وليس باسم الطائفية والعشائرية محققة بذلك، وعلي نحو تلقائي، أحد بنود اتفاق الطائف. وتم تشويهها بقسمتها إلي موالين ومعارضين، موالين لسوريا والنظام في لبنان، ومعارضين لهما. وكلاهما وطنيون عروبيون قوميون. إنما هي التعددية السياسية التي تصل إلي حد الصراع السياسي علي حساب الوفاق الوطني الذي يعمل له (حزب الله) في الجنوب، والمتهم بالإرهاب والعنف. والمطلوب نزع سلاحه وكأنه ميليشيات تقاتل علي الهوية وليس محررا للجنوب. إن ما حدث في بيروت وتحرك الشارع العربي قابل أن يتكرر في باقي العواصم العربية. يقلب موازين القوي في الوطن العربي لصالح الشعوب. ويفك أسر الأنظمة المحاصرة بين المطرقة والسندان، مطرقة الخارج وسندان الداخل. فليست نظرية (الدومينو) في دول البلقان وأوروبا الشرقية وفي جنوب شرق آسيا قاصرة علي الطوفان القادم بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق من أجل زعزعة المنطقة كلها، واختلاط الحابل بالنابل لإشعال فتيل حروب أهلية في العراق وفلسطين ولبنان والمغرب العربي ومصر وسوريا والسعودية طبقا لمخططات القوي الكبري. بل تنطبق أيضا في الاتجاه المضاد، في حركة الشارع العربي ضد مخططات التجزئة في الوطن العربي إلي فسيفساء عرقي طائفي، تكون فيه إسرائيل هي أقوي دولة عرقية طائفية في المنطقة، وتأخذ شرعية جديدة من طبيعة الجغرافيا السياسية فيها بدلا من أساطير المعاد وشعب الله المختار التي أعطاها لها هرتزل في "الدولة اليهودية" في أواخر القرن التاسع عشر، والتي ولم يعد يصدقها أحد. الاحتقان في الشارع العربي علي أشده. بلغ الذروة. وينتظر الشرارة التي قد تكون قد وقعت في بيروت. ولن تستغرق وقتا طويلا حتي تمتد حركة الشارع إلي باقي العواصم والمدن العربية، تسترد زمانها بأيديها، وتدافع عن استقلال أوطانها، وتحمي كرامتها من الطعن في القلب باحتلال فلسطين والعراق، وقص الأطراف بالتلويح بالعدوان أو الهجر للنظم العربية التي لم تسر بعد في طريق التحول الديموقراطي أو التي تسير ببطء أو التي تعطي باليمين ما تأخذه باليسار، خطوة إلي الأمام وخطوتان إلي الوراء، انتخاب الرئيس بين أكثر من مرشح وليس الاستفتاء علي مرشح واحد ثم وضع الضوابط التي تمنع من الترشيح، وإبقاء المدة بلا حدود، واستعمال إعلام الدولة وأجهزتها وراء المرشح الأوحد الذي تعود عليه الناس علي مدي نصف قرن. لقد حدث التراكم الكمي الضروري في الشعب العربي الذي أحدث في بيروت تغيرا كيفيا. وبالتالي تصبح العواصم العربية زينة الحاضر كما كانت زينة الماضي. ويفك الحصار العربي عن الأنظمة بفعل الداخل وليس بفعل الخارج. فالنظم الشعبية قادمة بعد بيروت. تحرر الأوطان من العدوان الخارجي وتحرر الشعوب من القهر الداخلي. ومن ثم تنتهي موجة العقود العجاف وتبدأ موجة العقود السمان. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2061 --- Date 17 / 3 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2061 --- التاريخ 17 / 3 /2005 AZP07 HSHN |