|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - كاتب واكاديمي مصري - صــورة السلطــان - تداخلات ما بين الرموز الشخصية والوطنية طالعتنا الصحف القومية أخيرا بقرار مجلس الشرطة الأعلي أو هيئة الشرطة أو أكاديمية الشرطة، فكلها شرطة مثل أقسام الشرطة بتصميم طابع شرطة عليه صورة الرئيس لما له من أفضال علي الشرطة أو تيمننا للشرطة به. وقد كانت سنة من سلاطين آل عثمان. استمرت في عهد محمد علي وأسرته حتي الملك فاروق. وكان من أوائل قرارات ثورة يوليو رفع صور الملوك من علي أوراق البريد والأوراق المالية والإبقاء علي رموز الوطن وأعياده ومعاركه وانتصاراته مثل ثورة يوليو 1952، وتأميم قناة السويس وعيد تحرير سيناء في 1956، ومناهضة الأحلاف، حلف بغداد في 1954، والحلف الإسلامي محور الرياض ــ طهران ــ كراتشي في 1965، والوحدة المصرية السورية 1958 ــ 1961، وحرب تشرين الاول 1973. ووضعت علي طوابع البريد والأوراق المالية صور الفلاح والإصلاح الزراعي والعامل والمصنع والطالب والأستاذ في عيد العلم. ويحدث ذلك في وقت تشتد المعارضة المصرية ضد التمديد والتوريث مطالبة بإصلاح الدستور والانتخاب بين أكثر من مرشح، لكل برنامجه الانتخابي، وفرصته المتساوية في الإعلام والظهور العام. فالوقت غير مناسب. والجو النفسي غير ملائم. مما يكشف عن أن النظام في واد والشعب في واد آخر. مع أن الشرطة أحيانا لا تستطيع مواجهة الهبات الشعبية مثل هبة 18/19 كانون الثاني 1977، وتحرك الأمن المركزي في 1986 ورفض الجيش في الحالتين القيام بوظيفة الشرطة. إذ أن مهمته الدفاع عم الأمن الوطني ضد العدوان الخارجي وليس حفظ النظام في الداخل. كما أن الشرطة لا تقوم بدور الجيش في الدفاع عن البلاد مثل الشرطة في سيناء بل مهمتها الدفاع المدني، وحماية الجبهة الداخلية. لم يفكر عبد الناصر مفجر الثورة المصرية أن يضع صورته علي طابع بريد أو ورقة مالية كما يفعل الملوك أو الضباط بل أبقي علي رموز مصر وتاريخها وحمايتها للوطن العربي ضد غزوات التتار والمغول من الشرق، في مرج دابق وعين جالوت، أو ضد الصليبين من الغرب في معركة حطين. فالمبدأ له الأولوية علي الشخص (من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). كما وضعت آثار مصر: الأهرام، أبو الهول، معبد الكرنك، وادي الملوك، رأس نفرتيتي، معبد الدير البحري، طريق الكباش، تمثالا ممنون، آثار مصر الوسطي، عربة رمسيس الحربية، النيل، مكتبة الإسكندرية، القناطر الخيرية، خزان أسوان، السد العالي. فكانت أوراق البريد مدرسة لتعليم تاريخ الوطن والحفاظ علي ذاكرته من النسيان. وقد كانت من هوايات الأطفال جمع هذه الطوابع ورؤية تاريخ مصر في استمراريته. "أنا المصري كريم العنصرين". ولا يحتاج السلطان إلي صورة إضافية فصورة السلطان قبل طابع البريد في كل مكان: محطة مترو، مكتبة، جائزة، أكاديمية، دور الحكومة والمصالح العامة. والميادين الكبري بجوار الإعلانات التجارية، بالإضافة إلي الجرائد اليومية ونشرات الأخبار، والبرامج الخاصة، والاشتراك في المناسبات، وافتتاح المشروعات، ووضع حجر الأساس، وإعطاء التوجيهات في توفير الدواء الناقص في ساعات في مقابل عجز وزير الصحة، واقتراحات حل أزمة المرور. وما علي وزير المواصلات إلا الطاعة والتنفيذ وكل ذلك أقرب إلي الدعاية في عام الانتخابات الرئاسية. وهو مثل رئيس المدينة الفاضلة عند الفارابي يعلم كل شيء، ويقدر علي كل شيء، أكمل العقول والأجسام. وهو الوحيد الذي يتصل بالعقل الفعال. وهو الإمام والنبي والفيلسوف "كامل الأوصاف" الذي يفتتن به كل الناس. ولا فرق بين شعارات الإسلاميين وصورة السلطان. كلاهما حاكمية، حاكمية الله، وحاكمية السلطان. وكلاهما الحل، الإسلام هو الحال، والحزب الحاكم هو الحل. وكلاهما تطبيق للشريعة، الإسلامية أو جهاز الدولة. لا فرق بين الرئيس والأمير. كلاهما عبادة للشخص وطاعة للحاكم. والحقيقة أن تصميم طابع بريد للشرطة وعليه صورة الرئيس ليس تكريما له فالشرطة في ذهن الشعب مصدر قهر وتسلط وظلم وطغيان. تلفق الاتهامات، وتعذب المواطنين في الأقسام. تربت علي أن المواطن هو العدو، وأن الطالب هو المشاغب، وأن المعارض، الإخواني أو الشيوعي أو الليبرالي الوطني هو عدو البلاد في الداخل، والطابور الخامس للخارج، إيران أو الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة الأمريكية. ولم تتغير منذ الملكية قبل 1952 حتي الآن. والشرطي بيده اليمني العصا (الشومة)، وبيده اليسري الدرع لحماية نفسه من القذف بالطوب. الشرطي هو الهراوة الغليظة، وصاحب الشارب الكبير، والضخم الجسم، والمكفهر الوجه. هو حارس النظام والمحافظ علي أمنه ضد المواطنين. وشعار "الشرطة في خدمة الشعب" تزدان به مداخل الأقسام. و(الشرطة ضد الشعب) ممارسات عملية داخل الأقسام وخارجها. وطالما أُخرجت أفلام تبين فساد الشرطة وارتكابها الجرائم في كل الدول ولدي كل الشعوب. ولا يوجد نظام به أنواع من الشرطة كما هو الحال في نظمنا. الشرطة المدنية، الشرطة العسكرية، أمناء الشرطة، الشرطة السرية، الشرطة السياسية، الشرطة الخاصة، شرطة الحراسة، أمن الدولة، الحراسات الخاصة، الحرس الجامعي...الخ. فالدولة دولة شرطة. همها الأمن الداخلي. وفي أتون هزيمة 1967 كانت الشرطة في الداخل تعتقل الإخوان والشيوعيين وتحافظ علي أمن النظام. ومنذ هبة 18/19 كانون الثاني 1977 خرجت صور عبد الناصر محمولة علي الأعناق. فالصورة الغائبة تزيح الصورة الحاضرة. والصورة في الأذهان تطغي علي الصورة في الأعيان. وصورة الماضي تجرف أمامها صورة الحاضر. وكلما اشتد الكرب رفعت الصورة من القلوب في مصر وفلسطين تستنجد بصاحبها وامعتصماه، وناصراه. وتذكّر الخلف سيرة السلف (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات(. الصورة التي ترفعها المعارضة بالأيادي تطل من فوق الرؤوس. تشهد ولاء الناس لتاريخها، وحفاظها علي ذاكرتها من غوائل النسيان. وكما أن الشرطة خاضعة للنظام فهي خادمة للوطن مثل دفاع قسم شرطة حي الأربعين في السويس ضد العدوان البريطاني عليه في 1952 مما كان نذيرا باندلاع الثورة. واستشهد رجال الشرطة العزل من السلاح. وهناك شرطة المطافئ التي تطفئ النيران. وهناك شرطة السياحة للمحافظة علي الآثار وسلامة المواطنين والأجانب. وهناك شرطة الأموال العامة، وشرطة مكافحة المخدرات، وشرطة الآداب، وكلها في خدمة الشعب، وليست في خدمة النظام. وهي الصورة المتوارية عن الأنظار أمام الصورة السلبية الأولي. فالشرطي يُخوّف به الأطفال. ينتصر عليه اللص كما يفعل أرسين لوبين اللص الشريف. إن دولا بأكملها تسمي بأسماء العائلات والقبائل والأنساب. فالشخص أبقي من الدولة. والناس يدينون له بالطاعة أكثر مما يدينون للوطن الأم. فوضع صورة الحاكم علي طابع بريد أو ورقة مالية أقل مما يجب إذا كانت الدولة كلها تسمي باسمه. إن صورة الرئيس مديرا للكلية الحربية، وقائدا لسلاح الطيران، ومنفذا للضربة الجوية الأولي يوم السادس من تشرين الاول 1973 الساعة الثانية إلا خمس دقائق مازالت راسخة في القلوب، لم يطوها النسيان بعد. وفرق بين بطل الحرب وداعية السلام. فلم تكن حرب أكتوبر آخر الحروب بل كانت اتفاقات كامب ديفيد في 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 1979 بداية حروب إسرائيل، غزو جنوب لبنان وحصار بيروت، وقذف المفاعل النووي العراقي، واغتيال أبي جهاد في تونس، والاستيلاء علي كامل فلسطين، واحتلالها المستمر للجولان ومزارع شبعا في جنوب لبنان، وقتلها الشرطة المصرية علي الحدود مع فلسطين. ليست الصورة طريقا للخلود بل الآثار والأفعال (إنك ميت وإنهم لميتون). هذه آثارنا تدل علينا فأنظروا بعدنا إلي الآثار AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2050 --- Date 5 / 3 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2050 --- التاريخ 5 / 3 /2005 AZP07 HSHN |