آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي / مفكر مصري
- الكوارث الانسانية مدعاة للتأمل
- العدل الإلهي في جنوب شرق آسيا

أبدع الفلاسفة في كل العصور وفي كل الثقافات نظريات في (العدل الإلهي) يبرئون فيها الله عن فعل الشر. فالله عادل رحيم، والشرور في العالم ظلم وقسوة. وإذا كان الله هو خالق العالم فكيف يصدر الشر عن الخير، والظلم عن العدل، والقسوة عن الرحمة؟ وكما برأ الفلاسفة الله عن فعل الشر فإنهم لم يستطيعوا جعل الإنسان بإرادته الحرة أو المجبرة مسئولا عنه. فالإرادة من خلق الله. والعقل القادر علي التمييز بين الحسن والقبيح من خلق الله (وما تشاءون إلا أن يشاء الله). لم يبق لدي فريق منهم إلا نفي الشر من أساسه. فالله خير، ولا يصدر عنه إلا الخير في الإنسان وفي الطبيعة.
الإنسان خيّر بطبيعته وفطرته. ولو ترك وحيدا في الطبيعة لما عرف الشر. والطبيعة خيّرة. كل شيء فيها متفق مع حاجات الإنسان: الماء للشراب، والهواء للاستنشاق، والنبات والحيوان للغذاء، والشجر والأحجار للإيواء. الشر سوء في الفهم أو خطأ في الحكم، وليس في طبائع الأشياء. الشر وجهة نظر، وليس في الموضوع، في المعرفة وليس في الوجود.
وأكبر مثالين علي ذلك ليبنتز في الفلسفة الغربية، والمعتزلة في الفلسفة الإسلامية. فعند ليبنتز، هذا العالم هو أفضل العوالم الممكنة، ولا يوجد أفضل منه. ولو وجد أفضل منه لخلقه الله بالفعل. وكل شيء فيه يحدث طبقا لقانون الانسجام والتآلف الذي قام عليه الكون. فلا تناقض فيه. ولا يند فيه شيء عن العقل والفهم. والعالم مكوّن من ذرات روحية وليست مادية. والأرواح تتوافق ولا تتخالف. وعند المعتزلة كل ما في هذا العلم صلاح. ويتفاوت الصلاح بين الأقل صلاحا والأكثر صلاحا. فالشر هو صلاح أصغر في سبيل صلاح أكبر. الجراثيم لاكتشاف الدواء، والهزائم لمعرفة مقومات النصر، والموت طريق إلي إطالة الحياة. وهو معني الآية (عسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون). والله لطيف بالعباد لا يفعل إلا ما فيه مصلحتهم. الشر ظاهر، والخير باطن. والإنسان في حكمه السليم يتجاوز الظاهر إلي الباطن. والشر الأصغر لخير أكبر. ويُعوض عن الآلام يوم القيامة. يُعوض للمظلوم بالاقتصاص من الظالم. ويُعوض للشاة المذبوحة بأن تكون شاة أعظم وأسمن وأجمل يوم القيامة. ويُعوض الأطفال والشهداء والأبرياء. فالظلم في العالم جزء صغير من نظرية أكبر في العدل الشامل.
وهناك فريق ثان من الفلاسفة وهم المانويون، يري أن الشر موجود في العالم، داخل في نسيج الوجود. ولا يمكن جعله فقط مجرد خطأ في الحكم أو مناسبة حاضرة لخير قادم. وهناك صراع فعلي في الكون بين الخير والشر كمبدأين متساويين في القوة. ومن هذا الصراع تنشأ الحياة. وانتشر هذا التيار في ربوع آسيا في الصين وفارس. وآخرون يرون أن الشر في النفس، في الأهواء والانفعالات والرغبات والميول واللذات البدنية. والخير هو السيطرة عليها، وتطهير النفس، والدخول في الكون في حالة من الرضا العام أو الفناء. وهو موقف البوذية في الهند، والصوفية عند المسلمين. وقد توسط بعض الفلاسفة القائلين بنظرية الفيض بين هاتين النظريتين، نفي الشر وإثباته بأن جعلوا الشر مرتبة دنيا في الوجود وفوقها مرتبة عليا. وكلما صعدنا إلي أعلي قل الشر وزاد الخير. والذروة خير مطلق بلا شر. وكلما هبطنا إلي أسفل قل الخير وزاد الشر. والقاعدة شر مطلق بلا خير. والإنسان بين الاثنين يستطيع أن يدرك ذلك بعقله حتي يصل إلي أعلي عليين أو أسفل سافلين. ويتم ذلك بالضرورة وليس بالإرادة، بالتأمل وليس بالفعل.
وجاء المعاصرون مثل جان بول سارتر، وجعلوا الشر في العام وفي الإنسان، في الوجود وفي الإرادة وسماه (عدم). فالوجود عدم. يقوم علي لا شيء. وليس له أساس. والحرية ليس لها هدف ولا غاية، حرية عادمة. وكل ما في الكون وفي الإنسان يبعث علي الغثيان والقرف. اللاوجود أساس الوجود، والإنسان دودة تنحر في تفاحة. هو تجويف في الأرض وليس بروزا فيه.
فأي النظريات في العدل الإلهي أقرب إلي تفسير ما حدث في جنوب شرق آسيا وغضب المحيط وثورة تسونامي الذي كلف ما يقارب ربع مليون شهيد معظمهم من المسلمين؟ من المسئول عن ذلك؟ الله أم الطبيعة أم الإنسان؟ في نظرية العدل الإلهي الله ليس مسئولا عن الشر في العالم والإنسان بل عن الخير فقط. الخير من الله والشر من النفس. وإذا كانت النفس من خلق الله فكيف يصدر الشر عن الخير؟ ولماذا هذه القسمة التي يبدو فيها الإنسان مسئولا عن الشر وحده دون الخير وكأن الإنسان لا يفعل إلا الشر أما الخير فمن غيره ومن خارجه؟ ولم هذه الثنائية في مصادر الفعل وهي أقرب إلي الشرك، القول بفاعلين، وليس التوحيد القول بفاعل واحد؟ هل يعاقب الله المسلمين لإهمالهم وكسلهم وتخلفهم وعدم قيام السلاطين بالدفاع عن الأوطان وبتحقيق العدل أو العلماء بواجباتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل يعاقب الله الأوروبيين لأنهم احتلوا بلاد غيرهم، وحولوا العالم إلي متجر، والمعبد إلي دكان، وكأن الدنيا هي البداية والنهاية؟ وماذا عن الأطفال الأبرياء غير المكلفين الذين غرقوا وطوتهم الأمواج؟
هل الخطأ في الطبيعة، والطبيعة هي المسئولة عن مآسي البشر؟ وفي نظرية العدل الإلهي العالم مخلوق، والخير لا يخلق إلا خيرا. ولماذا يكون الإنسان هو الخاسر إذا ما غضبت الطبيعة، وهو لا يستطيع السيطرة علي قاع المحيط، وليس مسؤولا عن تكوين القشرة الأرضية، ولا عن كيفية انفصال الكرة الأرضية عن الشمس، ولا عن عدم استقرار القشرة الأرضية، ولا عن عدم برودة جوفها، ولا عن حزام السلاسل الكبري في آسيا أو الصغري في أفريقيا؟ وإن قدرات الإنسان في النهاية أضعف من قدرات الطبيعة ومهما بلغ الإنسان من قدرة علي السيطرة علي الطبيعة، إقامة السدود والجسور لتجنب غضب المحيطات والفيضانات فإنه يظل محدود القدرة. واليابان التي بلغت الذروة في العالم والتكنولوجيا وطرق مقاومة الزلازل الأفقية والرأسية بطرز البناء وأساليبه وأنواعه لم تنج من مخاطر الزلازل والبراكين. ولماذا لا تكون الطبيعة لصالح الإنسان كما تقرر نظرية العدل الإلهي؟ ولماذا لا يكون الإنسان سيد الطبيعة كما هو الحال في النموذج الغربي؟
وإذا كان الخطأ إنسانيا فهل كانت إقامة محطات إنذار مبكر في قاع المحيط أو علي الشاطئ كافية لتجنب كوارث تسونامي؟ ألا يتفق البناء قريبا من الشواطئ مع مقتضيات المنتجعات السياحية؟ أليس البناء بالأخشاب يتفق مع بيئة الغابات؟ وقد سئم السواح الغربيون من سكني ناطحات السحاب ويريدون الاستجمام في الأكواخ الخشبية وسط الغابات أو علي شواطئ المحيطات. هل خطأ الأوروبيون أنهم يهربون من البرد القاسي في شتاء أوروبا للاستجمام بدفء الشمس، من أقصي شمال أوروبا، البلاد الاسكندنافية إلي جنوب شرق آسيا؟ لقد فنيت أسر بأكملها. أخذها الموت علي حين غرة. وإن تبقي واحد منها فالأب دون أسرة أو الطفل دون عائلة. تيتم الأطفال. ونشطت شركات النخاسة لشرائهم في سوق العمال الرخيصة أو من أجل متعة الشواذ جنسيا.
وتسابقت الدول في العطاء من أجل الغوث والمعونة. سبقت اليابان الدولة الغنية غير الإسلامية والتي تعرف مآسي الكوارث الطبيعية. وتخلفت أمريكا أولا وتبرعت بعشرات الملايين من الدولارات وهي التي تنفق المليارات في الحروب والعدوان علي الشعوب. وجاءت الدول العربية والإسلامية في نهاية المطاف، ليس لضيق ذات اليد. فأموال النفط تتراكم في البنوك الغربية، وحياة البذخ والترف والسفه في الإنفاق شاهدة للعيان. والأخوة الإسلامية، والأمة الواحدة ورابطة الدين والتاريخ والجوار الجغرافي لم تجعل العرب والمسلمين أكثر كرما وسخاء من النصاري والكفار.
فماذا يقول الفلاسفة؟ كيف يعيدون صياغة العدل الإلهي من أجل استيعاب ربع مليون شهيد في جنوب شرق آسيا، معظمهم من خير أمة أخرجت للناس؟ أين العدل في الكوارث الطبيعية والمآسي الإنسانية التي لا يستطيع الإنسان لها دفعا؟ فإما تبرئة الله وتخطئة الطبيعة، والطبيعة خيّرة من صنع إله خير. وإما تبرئة الله والطبيعة وتخطئة الإنسان، وهو ما يفوق قدراته ومن مبادئ الشريعة عدم جواز تكليف ما لا يطاق (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به). وماذا يقول الفلاسفة الجدد لمراجعة الفلاسفة القدماء؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2026 --- Date 4 / 2 /2005

جريدة (الزمان) --- العدد 2026 --- التاريخ 4 / 2 /2005

AZP07
HSHN