|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري - القلب المفتوح.. من يعمل علي تطبيب جراح الجسد العربي؟ إن الوطن العربي اليوم بمثابة قلب مفتوح أو جوف مفتوح يجري فيه كل من شاء أي عملية جراحية دون أخذ رأي صاحبه ودون أن يعرف مدي الخطورة وعما إذا كان الهدف هو صحة الجسد أو القضاء عليه. إنه أشبه بملعب بلا صاحب، ملعب كل الفرق علي أرضه كما تشاء وتسجل الأهداف في شباك صاحبه إن وجد. لا يوجد متحدث باسمه، ولا معبرا عن مصالحه، ولا مجسدا لوجوده وثقله عبر التاريخ. بل هي مجموعة من الإرادات المتضاربة بل والمتعارضة، والمشارب المتباينة. يضرب بعضها بعضا سرا أم علنا. المغرب أقرب إلي الغرب منه إلي الشرق. والهجرات منه بالملايين إلي الدول الغربية. وهو قريب منه جغرافيا ولغويا. فلماذا لا يكون الخاصرة الجنوبية للاتحاد الأوروبي؟ والخليج العربي مستقر للقوات الأمريكية حتي لا يتكرر العدوان عليه من الشرق أو الشمال. ولم تنجح اتفاقية دمشق في أن يقوم العرب بالدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، بعد أن سمحوا للأجنبي بالتدخل في شئونهم ونصرة فريق علي فريق وحارب العربي مع الأمريكي ضد العربي. ويختلف العرب في مؤتمرات القمة. وإذا اتفقوا ففي عبارات إنشائية وبيانات عامة تتكرر في كل مؤتمر حتي حفظها الناس. فهي تدون قبل الانعقاد. وعرف الناس النتائج قبل المقدمات، والحلول قبل المشاكل. فلم يعد للعرب كلمة مسموعة. وردت إليهم مبادرة السلام العربية، اعتراف كامل في مقابل انسحاب كامل. فالجسد المسجي لا قيمة ولا ثقل ولا قوام له. ويعلم الغرب جيدا أنه يتعامل مع نظم سياسية قد لا تترجم تماما طبيعة القوي السياسية في الشارع العربي. نظم وريثة نصف قرن أو يزيد، والشارع العربي قد تغير. وظهرت الحركة الإسلامية كعامل مؤثر في المعادلة السياسية بعد أن استبعدت في بناء الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال وأصبح الكثير منها خريج سجون، ونزيل معتقلات. تعود إلي الساحة السياسية ناقمة غاضبة، وتبدو الفاعل الوحيد المؤثر في الداخل والخارج. تخشاها أنظمة الحكم في الداخل. ويهابها الغرب في الخارج، وبدل أن تكون داخل الجسد المسجي ترد إليه الحياة أصبحت خارجه، تهيم علي وجهها خارج الزمان والمكان. فلسطين قلب مفتوح، تلعب فيه إسرائيل كما تشاء. تحتل المدن وتقيم الحواجز، وتبني الحائط العنصري، وتقف علي المعابر، تداهم المخيمات وتدمر البيوت، وتجرف الأراضي. تغتال القادة والنشطاء. وتقبض علي أفراد المقاومة. ولا راد للعدوان إلا بعض عبارات الشجب والتنديد في الداخل، وإدانة الاستعمال المفرط للقوة دون أصل العدوان. فلسطين أرض بلا صاحب، ووطن بلا شعب. هي أرض الميعاد لبني إسرائيل ومن طرأ عليها ووفد إليها كعرب فلسطين حكمه حكم الأقليات كما هو الحال في الأنظمة العنصرية. المقاومة فيها إرهاب وعنف وقتل للأبرياء وإجبار لإسرائيل علي الانسحاب من الأراضي المحتلة وهو تهديد لأمنها، وانتقاص من سلطانها. الجسد المفتوح مسجي في فلسطين. تدوس عليه إسرائيل بالأقدام. وتربط شرايينه في دورات دموية صغيرة لا تعيد إلي القلب حياته. والعراق قلب مفتوح. تلعب فيه قوات التحالف الرئيسية والرمزية، وفي مقدمتها القوات الأمريكية. تدمر المدن، وتهدم المنازل، وتقتل الأبرياء. تحل الجيش والشرطة والحزب. وتنهب دور الحكومة وأبنية الدولة ومكتبات الجامعة والمتاحف. وتتاجر في نفط العراق باسم برنامج النفط في مقابل الغذاء. وتلعب فيه المخابرات الإسرائيلية والغربية والشرقية كما تشاء باستثناء إرادة شعب العراق. الكل يخطط لمستقبله إلا شعبه. الكل يسعي إلي تقطيع الأطراف ولا أحد يسعي إلي حماية القلب والحفاظ علي نبضه وقوته. والسودان قلب مفتوح تلعب فيه القوي الغربية ما تشاء في جنوب السودان وغربه. ظل الغرب يدعم الجنوبيين بإرسال السلاح مباشرة، واستعمال مطارات الجنوب دون المرور بالخرطوم. ويعلن رئيس وزراء بريطانيا أنه سيرسل ثلاثة آلاف جندي دفاعا عن سكان دارفور. والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ودول الجوار والاتحاد الأفريقي، الكل يلعب في جوف السودان، ويعيد ترتيب الأوراق طبقا لميزان القوي الحالي. والولايات المتحدة الأمريكية تعلن أن ما يحدث فيه هو تطهير عرقي أما ما يحدث في فلسطين فهو دفاع عن أمن إسرائيل. ومن يصمد من العرب والمسلمين مثل سوريا وإيران من أجل حماية الجسد العربي والإسلامي إلا أن الخنجر بيد القاتل ممدودة تهدد سوريا إن لم تتوقف عن مساعدة المقاومة العراقية، وتأييد حزب الله في جنوب لبنان وفتح دمشق لقادة المقاومة الفلسطينية، والاستسلام التام لإسرائيل. وكذلك يتم تهديد إيران إن لم تتوقف عن التجارب النووية وإن لم تقبل التفتيش علي مفاعلاتها وإن لم تقبل الخضوع التام للغرب، الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أنه يجب أن تتوقف عن تدعيم سوريا وحزب الله في لبنان. وأفغانستان والشيشان وكشمير أيضا قلوب مفتوحة يلعب من يشاء فيها. فقد غزت الولايات المتحدة أفغانستان بدعوي القضاء علي نظام الطالبان الذي يأوي تنظيم القاعدة. وتم تدمير وطن بأكمله بالطائرات والصواريخ والمدافع الطويلة المدي. وهو مدمر أصلا بالقهر والفقر والتخلف وتجار الحروب والمخدرات. وغزت روسيا الشيشان، وقضت علي استقلالها التاريخي. وليس هناك أعز علي الشعوب من استقلالها الوطني. ومازال الجسد الشيشاني يصارع من يلعب في جوفه مادام القلب مازال ينبض بالحياة والأفضل لروسيا الاتحاد السوفيتي السابق، اتحاد بين دول مستقلة كنوع من الكومنولث الأسيوي. وكشمير أيضا قلب مفتوح، والعشرات تسقط من أجل الاستقلال. وتفرقت كلمة المسلمين. وفقدت القدرة علي الضغط علي الهند والنظام الدولي لإجراء الاستفتاء وإعطاء شعب كشمير حق تقرير المصير. ونفس الجوف المفتوح في تايلاند وبورما والصين حيث يلاقي المسلمون أبشع أنواع الاضطهاد وليس لهم نصير. والأمة فاقت المليار. وتكون خمس سكان العالم. لم يعد الجسد الملقي، والقلب المفتوح بقادر علي الاستلقاء إلي الأبد، والعبث بجوفه وقلبه من كل جانب إلا من صاحب الجسد الذي لا يكد ينطق. لذلك فقدت الأمة قوتها التفاوضية. وغاب من يتحدث باسمها. وإن تحدث أحد باسم قطره فالغرب يعلم أنه يتحدث باسم نفسه بالرغم من ادعاء البعض (إن شعبي ورائي). الجراح مفتوحة في الجسد العربي. والكل يوسّع فيها دون أن يلئمها حتي أصبح الجسد العربي مثخنا بالجراح، في نزيف دائم حتي يصفي دمه ويصبح جثة هامدة بلا حراك. هل يمكن عقد قمة عربية للاتفاق علي الحد الأدني من الوفاق العربي. ويتحدث باسمه رئيس عربي بقوة تفاوضية جماعية؟ هل يمكن للنظم العربية أن تعبر عن شعوبها بعد أن تعبر الشعوب عن نفسها، وتكون قوة للموقف التفاوضي العربي؟ فالحاكم الذي يتكلم باسم شعبه أقوي من الحاكم الذي يفاوض بشخصه. والقرار الجماعي أقوي وأكثر مدعاة للاحترام من القرار الفردي. ويد الله مع الجماعة. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2012 --- Date 12 / 1 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2012 --- التاريخ 12 / 1 /2005 AZP07 HSHN |