|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري - الجســد العربــي مدمي - اجتثاث القيم وتجريح المجتمعات جرت العادة علي تشويه ثقافة الشعوب من أجل تبرير احتلالها والقضاء عليها. فالشعوب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، لها عقل بدائي، وفكر متوحش، وسلوك همجي، وثقافة بدوية. وقد ساهم في خلق هذه الصور النمطية الاستشراق، وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية، والمؤرخون، وعلماء تاريخ الأديان، وفلاسفة التاريخ في الغرب بالتوازي مع المد الاستعماري الذي بلغ أوجه في القرن التاسع عشر. ونشأت النظريات العنصرية لتحديد الخصائص الأبدية للشعوب من أجل إثبات تفوق بعضها علي البعض الآخر. والأكثر تفوقا هو الذي له الغلبة علي الأقل تفوقا طبقا لقوانين التطور التي وضعها دارون، الغلبة للأقوي، والصراع من أجل البقاء. وبعد حركات التحرر الوطني وحماية الشعوب لثقافاتها والدفاع عنها عاد الاستعمار في موجة ثانية لاحتلال إسرائيل ما تبقي من فلسطين بعد الاحتلال الأول في 1948 ثم احتلال الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان ثم العراق واحتلال روسيا الشيشان. ليس الهدف فقط احتلال الأرض وتشويه الثقافات بل استئصال الأجساد كما فعلت الهجرات الأوروبية مع الهنود الحمر، السكان الأصليين في نصف القارة الغربي. فالجسد مازال هو جسم الجريمة. عليه أن يختفي حتي تنظف الأرض ممن عليها، وإحلال الغزاة محلها وإعطاء أرض بلا شعب إلي شعب بلا أرض كما تريد إسرائيل أو السيطرة علي العالم كله باسم العولمة وأيديولوجية اليمين المحافظ، والمحافظة الجديدة، والمسيحية الصهيونية. فالأرض قد تنتفض. والشعب قد يعود إلي المقاومة. والثقافة قد تظل حية في قلوب الأحياء. لذلك وجب هذه المرة استئصال الجسد نفسه. ولو بُعث فإنه لن يكون في هذا العالم. ولا يعلم الاستعمار الجديد أن العنقاء تبعث من خلال الرماد في هذا العالم. وهو ما يحدث الآن عندما تغتال إسرائيل طفلة حاملة حقيبة كتبها علي ظهرها في طريقها إلي المدرسة والضابط القاتل يتصورها فدائية تحمل متفجرات علي ظهرها في عملية استشهادية. وبعد أن يقترب ويتحقق أنها طفلة ذاهبة إلي مدرستها يطلق علي الجثة عشرين طلقة حتي يخفي جسم الجريمة. فإنه يخاف من الطفل الفلسطيني حيا أو ميتا. يفرّغ فيها خزانة رشاشه حتي لا يبقي شيء من فلسطين، أرضا أو شعبا، رجلا أو إمرأة، شابا أو طفلة حتي يطمئن إلي بقاء الاحتلال ودوام الاستيطان بالاستئصال. يريد تمزيق اللحم وتكسير العظم وتحويل الجسد إلي فتات حتي لا يبعث من جديد (قل من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم). وجندي آخر يعلق رأس فلسطيني مقطوع علي هوائية دبابته ليعلن للناس أنه يقطع الرؤوس مع تدمير البيوت وتجريف الأراضي دون أن يعلم أن اجتزاز رأس الحسين هو الوقود المستمر عند كل المظلومين والمضطهدين عبر التاريخ وإلي يوم الدين. وعينا الرأس تنظر إلي الجندي في تحد للتاريخ، للحاضر والمستقبل. ويضع الجندي في فم الرأس لفافة تبغ حتي تمحي من ذهنه صورة الفلسطيني وفي يده بندقية. وجندي ثالث يضع طفلا حيا علي مصفحته حتي يُصاب بالحجارة. يحمي المركبة بالجسد. فإما أن يقتل الفلسطيني الفلسطيني أو أن يتوقف الفلسطيني عن انتفاضة الحجارة. ويُمثـّل بجثث الشهداء حتي يطمئن الإسرائيلي أن الجثة لن تنتفض إلي الأبد دون أن يعلم أن الشهداء لا يموتون لا في الأرض ولا في السماء. شعب يعشق الشهادة في مواجهة شعب حريص علي الحياة. والفلسطينيون لا يرهبهم الموت بقدر ما يرتعش الإسرائيلي من الموت. وفي نفس الوقت تتاجر إسرائيل بالمحرقة وما فعلته النازية باليهود. فلا فرق بين النازية والصهيونية في التصفيات الجسدية واستئصال الأجساد، وتحويل الوجود إلي عدم، والموت إلي إماتة، والقتل إلي تقتيل. وماذا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟ وقد قامت كل الشرائع السماوية والأرضية علي حرمة الموتي، وعدم التمثيل بالجثث احتراما للموت. وألفت الروايات في ذلك مثل انتجونا ليوربيدس. وما يحدث في فلسطين يحدث في العراق. لا فرق بين جندي إسرائيلي وجندي أمريكي. ففي العراق لا يكفي احتلال الوطن، وقهر الشعب بل تدمر المدن كما دمرت الفلوجة وترك الضحايا بلا مدافن، موتي بلا قبور كما كتب جان بول سارتر. وتتعفن الجثث أياما وأسابيع دون حرمة لميت أو احترام لشريعة أو قانون، وتدفن الجثث بالعشرات دون هوية في مقابر جماعية، يواريها التراب بلا أهل ولا أصدقاء حتي لا يعود الشهيد كذكري حتي في قلوب الناس. وتتوالي أخبار تعذيب الأجساد ليس فقط في سجن أبي غريب بل في باقي السجون كراهية للجسد العربي، جسم الجريمة. ويطلق الجندي الأمريكي النار علي الجسد المتحرك حتي ولو كان إمام مسجد ذاهب للصلاة. يخشي حركة الأجساد التي قد تؤتيه الموت فجأة وعلي غير انتظار. لذلك أُمر الجندي الأمريكي في فيتنام بإطلاق النار علي كل شيء يتحرك حتي ولو كان غصن شجر من نسمة هواء يحسبه مقاتلا فيتناميا. يريد الأمريكي تثبيت الحركة وإيقاف العالم حتي يتمكن من السيطرة عليه. والغريب أنه في الثقافة الغربية المعاصرة مذاهب لاحترام الجسد أنا جسدي عند جابريل مارسل. والجسد هو وسيلة الاتصال بالعالم والتعامل مع الآخرين والكلام عند ميرلوبونتي. بل إن السيد المسيح سُمي الجسد المقدس أو الجسد العظيم. وشتان ما بين النظر والعمل، بين الفكر والممارسة طبقا للمعيار المزدوج المعروف في تعامل الغرب مع غيره من الشعوب. الجسد عند الإسرائيلي قيمة يريد حرمانها من الفلسطيني. لذلك تصور الله جسدا (واتخذ قوم موسي من بعده من حليهم عجلا جسدا). وهو جسد يخور (فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار). وما يطلبه الإسرائيلي هو كبر الجسد (قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم). وهو جسم خاو من أي روح، قوة بلا عدل (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم). فالجسد العربي لا يفني حتي ولو مُثـّل به. والجسد الإسرائيلي والأمريكي مجرد ظاهر وباطنه خراب. والغريب أنه يُعاب علينا أننا لا نعرف قيمة للجسد. نقطع الرأس، ونغتال الأبرياء. ونعامل المرأة عندنا كجسد في تعدد الزوجات، والضرب والعدوان الجسدي عليها. وجعلنا المرأة مجرد عضو جنسي. وغطينا العري بالحجاب. ولا يضيرنا أن تكون هذه الأرض من هذه الأجساد كما قال أبو العلاء: خفف الوطأ فما أظـــــن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد والخلود عند ابن رشد مرتان. مرة بالعقل عندما يتحول إبداع الفرد إلي تراث حضاري عام في عقل الإنسانية، ومرة أخري من خلال البدن الذي يتحول إلي تراب وطين ينبت فيه الزرع، ويزدهر فيه الاخضرار. فإذا كان الروح لا يفني فإن البدن أيضا خالد فتحية إلي الجسد العربي. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 2005 --- Date 5 / 1 /2005 جريدة (الزمان) --- العدد 2005 --- التاريخ 5 / 1 /2005 AZP07 HSHN |