|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - الازمات تلتف حول الاعناق - الحوار بين الاستبعاد والاحتواء الكل يتساءل: كيف الخروج من الأزمة الراهنة؟ وهي أزمة مزدوجة، أزمة في نظم الحكم في الداخل، وأزمة في كيفية التعامل مع الخارج في عالم ذي قطب واحد. وتتمثل أزمة نظم الحكم في الداخل في التوقف في المكان، وصعوبة الحركة في أي اتجاه. فالأوضاع تزداد تعقيدا يوما وراء يوم. ولا حل إلا بمزيد من سيطرة الدولة علي حركة المجتمع بالرغم من الصياح في الداخل بضرورة تقوية مؤسسات المجتمع المدني ومشاريع الإصلاح في الخارج التي تريد إضعاف الدولة وتقوية المؤسسات المدنية وعلي رأسها القطاع الخاص القادر علي التعامل مع العولمة وقوانين السوق. وتتمثل أزمة الخارج في مزيد من سيطرة القطب الواحد علي العلاقات الدولية خاصة بعد نجاح اليمين المحافظ في الإدارة الأمريكية لدورة ثانية تعطيه الشرعية لتبرير سياساته العدوانية، اليوم العراق وأفغانستان، وغدا سوريا وإيران والسودان. والنظام العربي لا حول له ولا قوة لتفككه وضعف إدارته، وغموض رؤيته. ولم يبق له إلا المهادنة أو التفرج علي ما يحدث مع إحساس بالعجز، وبعدم القدرة علي الفعل، (أزمة وتعدي)! من مظاهر الأزمة وصول النظام العربي إلي منتهاه. فقد طالت مدة الأحزاب الحاكمة أكثر مما ينبغي. تجاوزها الزمن وهي لم تتجاوزه. العالم تغير وهي لم تتغير. ومن طول التعود علي النظام في الخارج وفي الداخل ثبت العقل السياسي في اختيار واحد، وتوقف الخيال السياسي عن إيجاد البدائل. فتكلست الحياة السياسية مما أدي إلي تفسخ المجتمع حتي تناثرت شظاياه. ولم يعد يجمعها جامع إلا الإحساس بالعجز والإحباط والضياع. وانعكست الأزمة أيضا علي أحزاب المعارضة التي لم يتجدد فكرها ومازالت تعارض في أطرها النظرية القديمة، ليبرالية العشرينيات أو ماركسية الأربعينيات أو قومية الستينيات أو إسلامية السبعينيات. يري كل حزب نفسه أنه البديل الوحيد عن السلطة القائمة. يحكم بمفرده كما تحكم السلطة بمفردها. عينه علي السلطة. فاقترب منها أكثر مما يجب مهادنة أو بعدا وشوقا. وكلما اقتربت من الحكم انعزلت عن الناس. ولم تجد الجماهير من يعبر عنها، لا الحزب الحاكم ولا أحزاب المعارضة. تصفية المقاومة أصبح الكل في خطر، الحاكم والمحكوم. اليمين يشتد في الخارج، وتقوي المحافظة فيه. وتستنفر قواها ضد "الإرهاب" دفاعا عن الأمن والاستقرار. وتحاصر كافة أنواع المعارضة في الداخل والخارج حتي يبقي الأمر علي ما هو عليه لصالح النظام الداخلي والقطب الأوحد الخارجي. تصفي المقاومة في العراق وفي فلسطين، وتقصي في أفغانستان والشيشان حتي تجهض في باقي الأوطان قبل ولادتها، باستثناء بؤر هنا وهناك مازالت تمارس العنف في الداخل والخارج كعنف رمزي. والجميع خائف مترقب، الدور القادم علي من؟ والانتفاضة القادمة أين؟ والخلاص القريب متي؟ والدماء تسيل في كل مكان. يُقتل من يُقتل، ويُدمّر من يُدمر. والنازحون بالآلاف. وأصوات الاستغاثة تعلو. والآذان صماء، والقلوب تدمي. و أخيرا ظهرت بارقة أمل في الحوار الوطني في عديد من الأوطان، ومصر في مقدمتها. الحوار بين أحزاب المعارضة الرسمية أو الأحزاب تحت التأسيس لوضع سياسات بديلة تعبر عن مصالح الناس وكرامة الأوطان حتي ينشط الخيال السياسي، وإيجاد مخرج للأزمة الراهنة. وسرعان ما تم الحوار بين أحزاب دون أخري، إبقاء البعض، واستبعاد البعض الآخر. نشأ حوار وطني في مصر أخيرا بين أحزاب المعارضة الرسمية دون التيارات السياسية الأخري التي تتحكم في الشارع السياسي دون أن يعترف بها الحزب الحاكم رسميا وأهمها حركتان: الإخوان والشيوعيون، وهما الجناحان الرئيسيان في الحياة السياسية منذ الأربعينات. فولد الحوار ميتا، لا يمثل إلا الأحزاب التي تتصور نفسها سلطة بديلة. وأصبح حوارا رسميا بين قادة أحزاب وليس حوارا وطنيا بين تيارات وحركات جماهيرية، وقوي سياسية، يشارك فيها الجميع، وتعرضها أجهزة الإعلام. تنبع من قلب الحياة السياسية، وتصبح علامة علي المسار الوطني. بل إن هذا الحوار الرسمي سرعان ما لفظه النظام لأنه لا يقبل الحوار فهو صاحب السلطة والثروة لا يقتسمها مع أحد. ولا يتعدي الأمر تحسين الصورة أمام أجهزة الإعلام الغربية. الحوار الوطني الرسمي ولأول مرة يجتمع الإخوان والشيوعيون المستبعدون في حوار خاص بهم بعيدا عن الحوار الوطني الرسمي. وينتهي العداء التاريخي بينهما منذ الأربعينات وحتي الآن، في العهدين الليبرالي والقومي. وقد يتغير مجري التاريخ في حياة المعارضة. وتتمايز بين المعارضة المستأنسة، السلطة البديلة في غزل مع السلطة القائمة لتجميل الموقف السياسي والاشتراك الصوري في الحكم، وتحقيقا للتعددية السياسية، ومعارضة شعبية قائمة بالفعل وقادرة علي تحريك الجماهير. المعارضة الأولي صورة بلا مضمون. والثانية مضمون بلا صورة. للأولي وجود شرعي وليس لها وجود فعلي. وللثانية وجود فعلي وإن لم يكن لها وجود شرعي. الأولي عينها علي السلطة والثانية عينها علي التاريخ. إن التغير السياسي ليس في الحزب الحاكم. فلا فرق بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة كسلطة بديلة، إنما التغير السياسي في القدرة علي إيجاد سياسات بديلة للسياسات القائمة من أجل حل الأزمة الراهنة في التوقف عن الحركة وحصار الزمن والخروج من التاريخ. التحرك والمناورة ليست التبعية خيارا أوحدا، ولا الاستقلال تنقصه الإمكانيات. إذ يمكن التحرك والمناورة حتي إذا استأسدت قوة واحدة كبري بنظام العالم وفرضت سلطانها عليه. الخيال السياسي بلا حدود. وليست أمامه موانع مادامت إرادة فك الارتباط بالقوة المهيمنة متوافرة. وليست المناطحة السياسية أو حتي العسكرية بالمواجهة هو الخيار البديل إذ تتعدد أساليب المقاومة. ومنها الحوار الوطني مع الخارج حول جدوي استعمال القوة التي تخلق عداءا شعبيا كما هو الحال في العداء الشعبي للهيمنة الأمريكية. كما تؤدي إلي عدم استقرار للنظم الداخلية بل ولنظام العالم. وإرهاب الدول يسبب إرهاب الأفراد. وهيمنة القوي الكبري علي نظام العالم يسبب مقاومة الشعوب. ولا تجدي الحركات السرية. فالعيون في كل مكان. إنما الحوار الوطني العلني، والمعارضة الشرعية قد تكون قادرة علي بيان أن بقاء الحكم يكون أضمن بالحوار مع الداخل وليس بالتبعية للخارج، وأن الانفتاح علي الداخل يكون هو المخرج إذا ما تعقدت الأمور في الخارج (أشداء علي الكفار رحماء بينهم). إن تكون جبهة وطنية للإنقاذ في الداخل تمثل كل الأحزاب والتنظيمات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والفاعليات الأساسية فيه تتفق علي برنامج موحد للعمل الوطني قد يكون هو المخرج من الركود السياسي الحالي. ولها رصيدها في التاريخ لدي عديد من الشعوب في لحظات الحسم التاريخي. تجميع القوي وأن تجميع القوي في الداخل يكون مقدمة للتعاون الإقليمي والتعاون المتبادل بين دول الجوار، واستقطاب أجنحة الوطن الشاردة التي تبحث عن مراكز استقطاب أخري خارج أوطانها. والاتحاد الأوروبي ومنظمة جنوب شرق آسيا خير شاهد علي ذلك. ويمكن زيادة فاعلية المنظمات الإقليمية القائمة مثل الجامعة العربية، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي. إن نجاحا واحدا يشعر به الناس لقادر علي أن يحول السياسات القائمة في الداخل والخارج مثل نظم الحكم في المغرب وتركيا، والتجربة الماليزية والأندونيسية والإيرانية الإصلاحية. والحوار مع النفس يسبق الحوار مع الآخر، والحوار مع الجميع دون استبعاد أي طرف خاصة لو كان فاعلا في الحياة السياسية. هو حوار لتجميع القوي الوطنية المستقلة. لا تقصي أحدا ولا يحتويها أحدا. تهدف إلي تغيير الواقع والعودة إلي التاريخ. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1997 Date 24/12/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1997 --- التاريخ 24 / 12 /2004 AZP07 HSHN |