آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر من مصر
- حرية الفنان وتقليدية المتلقي
- أعراض العنف سياسية

انتشر خبر مقتل السينمائي الهولندي (فان جوخ) المعاصر علي يد أحد المسلمين الغاضبين لأنه أخرج فيلما غاضبا عن المرأة في الاسلام، يكرر فيه ما قيل عشرات المرات في الموضوع من مستشرقين غربيين بل ومن بعض المفكرين والكتاب العرب والمسلمين. فهذه ليست أول مرة يتعرض الاعلام والفن في الغرب لهذا الموضوع. بل ان الغرب وضعه بندا في مشروع (الشرق الأوسط الكبير) وسماه (الجندر). وموّل معظم بحوث المرأة في الوطن العربي. وأفسح في اعلامه للنساء الكاتبات اللاتي ينقدن وضع المرأة العربية والاسلامية في الثقافة والمجتمع والتاريخ.
وأيدت الحركات النسوية. وهي قضية داخلية أيضا عرضها الاصلاحيون فيما يسمي الآن بقانون الأحوال الشخصية فيما يتعلق بشروط الطلاق، وتعدد الزوجات، والحضانة، والجنسية. بل تساءل البعض عن قضايا الشهادة والميراث والحجاب بعد أن نالت المرأة حقها في التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والسياسية. وهي قضايا اجتهد فيها بعض القدماء. وتابعهم بعض المحدثين. فقد تغير الواقع، وتوقف الاجتهاد. فنشأت الأزمة. والغرب ينتظر التجريح والتشويه طعنا في الثقافة ليبرر عدوانه علينا، والتدخل في شئوننا باسم الدفاع عن حقوق الانسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق الأقليات، وحرية الأديان.
لقد تعود الغرب علي الفن الملتزم، وتأكيد دور الفن في قضايا التغير الاجتماعي. فالفن للحياة. وهي المدرسة التي اعتززنا بها في فننا وأدبنا الحديث. كما تعود الغرب علي حرية التعبير كحق من حقوق الانسان الطبيعي، حرية التفكير أولا ثم حرية التعبير ثانيا. وقام بأكبر نقد اجتماعي وفني وسياسي لماضيه وحاضره. بل نقد تراثه ودينه، وسخر من عقائده ورموزه الدينية. وأخرج الأفلام عن السيد المسيح مثل (يسوع المسيح سوبر ستار) يجعله من المغنين الجدد (الهيبيز)، عاشقا للحياة، وأحب مريم المجدلية. كما نقد ديدرو في (الراهبة) حياة الرهبنة التي لا تتفق مع الاحساس مع الحياة. بل لقد وضع الغرب أسطورة أنه وحده حضارة النقد والرفض في حين أن حضارات الغير هي حضارة التسليم والتبرير.
والمتلقي عندنا تقليدي. مازال يحرم التصوير، وعرض الأنبياء بل والصحابة كموضوعات للفن في التصوير أو السينما. فلا يجوز التشخيص. بل ان البعض مازال متأثرا ببعض فتاوي القدماء في تحريم الفن عموما، الموسيقي والغناء، والتصوير خصوصا. ومازالت الاتجاهات المحافظة ترفض أي اجتهاد جديد يُضاف الي اجتهاد القدماء. فباب الاجتهاد قد أغلق، ولم يترك السلف للخلف شيئا، وليس في الامكان أبدع مما كان. ولم نتحمل رواية مثل (الآيات الشيطانية) لأديب مغمور جعلناه مشهورا بفتوي قتله لأنه طعن في الأنبياء والصحابة وآل البيت. وكانت انتفاضة الحجارة في ذروتها. فخسرنا باليمين ما كسبناه باليسار، خطوة الي الامام وخطوتان الي الخلف. وما كان يعمل له المصلحون باستمرار دفاعا عن الاسلام، حضارة، وثقافة، وحرية، واحتراما للغير، خسرناه في غمضة عين. وأكدنا الصورة المشبوهة للاسلام في أجهزة الاعلام الغربية عن تخلفنا، وأننا ضد الرأي الآخر وحرية الاعتبار. وأصبح الغرب هو الحامي لقيمنا التي عليها أقمنا الحضارة الاسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان والزيتونة والقرويين والأندلس وسمرقند وطشقند وبخاري. وهاجر المفكرون والمبدعون من الوطن العربي والعالم الاسلامي خارج الأوطان. وتركوا مصر وسوريا وبنغالادش وباكستان وايران بحثا عن حرية التفكير والتعبير في الغرب. فالغرب يفكر ونحن نكفّر. فكيف نفكر في زمن التكفير؟ ووضعنا الحراس علي أبواب مفكرينا وأدبائنا خشية من اغتيال المتعصبين المتشددين.

الحوار والنقاش
ولم تكن هذه سنة القدماء بل كان طريقهم هو الحوار والنقاش والرد كما فعل أئمة أهل السنة مثل ابن تيمية في (الرد علي المنطقيين)، (نقض المنطق)، (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، والرد علي الشيعة والقدرية. وكما فعل الغزالي في (الرد الجميل علي من بدل التوراة والانجيل)، والباقلاني في (التمهيد في الرد علي المعطلة والجهمية)، وابن الراوندي في (الرد علي ابن الراوندي الملحد) وغيرها من الردود. بل امتد التقليد الي الشعراء في مناقضات الجرير والفرزدق. وأصبح الخلاف عند الأصوليين موضوع علم مستقل هو علم الخلافيات، وعلم التعارض والتراجيح. وانتهوا الي أن الحق متعدد، وكل الآراء صائبة، (للمخطئ أجر وللمصيب أجران). صحيح أن تاريخنا أيضا مملوء بالغضب: ذبح الجعد بن درهم، تقطع ابن المقفع، وصلب الحلاج، وقتل السهروردي، وشنق سيد قطب وغيرهم من الشهداء الا أن الغاية كانت سياسية خالصة. فقد كان الجعد بن درهم من أوائل المعتزلة الذين عارضوا الحكم الأموي، وابن المقفع من الذين طالبوا بمساواة العجم بالعرب، والحلاج لأنه شارك في وقاد ثورة القرامطة، والسهروردي لأن صلاح الدين كان يخشي علي النضال ضد الصليبيين من محبة الصوفية التي قد تدفعهم الي موالاة الأعداء. وصحيح أيضا أن الغرب سقط منه شهداء الفكر. فقد أجبر سقراط علي شرب السم لاتهامه بالسخرية من آلهة اليونان وافساد أخلاق الشباب. وحكم علي كثير من المعارضين للسيطرة الكنسية الرومانية في عصر الآباء علي حرية الاعتقاد بالهرطقة والكفر. وحرق أموري البيني لأنه كان يقول بوحدة الوجود. واستشهد العديد من المفكرين الأحرار في عصر النهضة، توماس مور لأنه تصور مدينة فاضلة خالية من الظلم والقهر، وجيوردانو برونو لأنه دافع عن مركزية الشمس ودوران الأرض حولها. وكانت المقصلة مصير كل المعارضين في الثورة الفرنسية في عصر الارهاب مثل ميرابو ودانتون وغيرهم. وطُعن اسبينوزا بالسكين لأنه أنكر العهد الخاص بين الله وبني اسرائيل مدافعا عن ميثاق أخلاقي عام للبشر جميعا، ميثاق الطاعة والتقوي والعمل الصالح. ثم تغير الغرب في عصوره الحديثة بعد اعلان حقوق الانسان وان كان مازال يخترق حقوق الشعوب.
ان خطورة الوضع في هولندا هو العنف والعنف المضاد. قتل المخرج السينمائي كفعل وحرق المدرسة الاسلامية كرد فعل، وتضييق الدولة الخناق حول حريات المسلمين واقامتهم والهجرة اليها بعد أن بلغوا المليون ووصلوا الي أعلي المناصب. ويأتي الفيلم في هولندا بعد الحجاب في فرنسا، والبقية تأتي. واليمين الأوروبي في تصاعد. والمحافظة الجديدة في أمريكا كسبت الرهان. والعداء للاسلام والمسلمين مازال مستمرا منذ حوادث واشنطن ونيويورك منذ ثلاثة أعوام. و(صراع الحضارات) مازال يعطي الضوء الأخضر للخلاص من حضارات التخلف والعنف وكراهية الآخر، ورفض الحداثة. وقد تكون الغاية القصوي الخلاص من الاسلام والمسلمين في الغرب بعد أن أصبح الاسلام الدين الثاني في أوروبا بعد المسيحية، والدين الثالث في أمريكا بعد اليهودية. والكل يخشي أن تصبح أوروبا الغربية بعد أوروبا الشرقية وروسيا بل واسرائيل دولا اسلامية في غضون قرن من الزمان، أقل أو أكثر. فمن الآن يأتي الاضطهاد، وتخرج الدعوات لطرد المهاجرين بعد الحد من الهجرات. بين المسلمين والغرب مسافة زمنية تبلغ خمسة قرون. فالغرب في آخر عصوره الحديثة ونحن في بداية عصورنا الحديثة. ومازلنا نحاول انهاء عصورنا الوسيطة، القهر والتسلط كما أغلق الغرب عصوره الوسطي ومحاكم التفتيش. ومن ثم لزم الاسراع في العبور التاريخي، وفك حصار الزمن حتي ننعم بالحرية في الداخل والخارج. ولا يوجد حل للعنف المتبادل الا الفهم المتبادل، ووضع كل طرف في اطاره الزمني ومرحلته التاريخية، ثم فك حصار الزمن واللحاق بمسار التاريخ.
هذه محاولة لفهم ما حدث وليس تبريرا له. ومجموع الخطأين لا يكوّن صوابا.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1993 Date 19/12/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1993 --- التاريخ 19 / 12 /2004

AZP07
HSHN