بنات شهرزاد - حديقة لطفية الدليمي / نبيل سليمان
كل شيء يسقط من الزمن: تلك هي حقيقة الوجود التي تجوهره كما تجوهر الإنسان، والسؤال يظل لائباً: أين يسقط الزمن؟قلب المرأة وحده يلاحق نبض الزمان الخفي: حقيقة أخري تشكل السؤال اللائب كما تشكل حقيقة الوجود. وكل ذلك هو الأسّ الروحي الذي تقوم عليه رواية لطفية الدليمي( حديقة الحياة).
في هذا الأسّ هي ذي جنات وروابي معشبة، أشجار مثقلة بالثمار والزرازير المنقطة وعصافير الحب، دجلة يفيض علي الأجراف وتبلغ مياهه الرائقة التي لها ألق البلور عتبات البيوت: إنها الطبيعة التي ليست إطاراً أو تزويقاً في رواية (حديقة الحياة)، بل جوهر للكتابة تخلخله وتنقضه كتابةُ الحرب: هجت أسراب الحمام والعصافير والزرازير وغابت الشحارير والبلابل منذ سقط أول صاروخ علي بغداد.
وفي الأسّ الروحي لرواية (حديقة الحياة) هي ذي الموسيقي أيضاً، لا تشكل فقط احدي الشخصيات المحورية (ميساء)، بل تأتي كالطبيعة نسغاً لمفردات وعبارات الرواية، نسغاً للغتها ولنبضها الإنساني الحار. الزمن، الطبيعة، الموسيقي، الحرب، الأنوثة: هو ذا ما يقوم به عالم هذه الرواية، وكل واحد من هذه المكوّنات يفعل في الآخر فعله العميق، فإذا بالأب (غالب) يفعم عشّ الحب الذي يضمّه مع الأم (حياة) ومع البنت (ميساء) بمقطوعات الكمان لغانم حداد وبألحان التركي مراد أورهان والإيطالي باغانيني، لتسحق الموسيقا الروح وتهيج شهوة الحياة في آن. لكن الحرب تغيّب الأب، وميساء التي ولدت عندما بدأ القصف ـ وهي إذن حرب الخليج الأولي ـ سيصيبها فقد أبيها بالذهول سنتين، وستبيع الأم حتي جهاز التيلفزيون لتفي بنفقات علاج البنت، وستعمل في مشغل الخياطة أم نور إضافة إلي عملها مدرسة للأدب العربي، لكن ميساء تظل ذاهلة حتي (تقرر) فجأة أن تشفي، وتواصل التدريب علي الكمان، ودراسة الآثار كما تمني أبوها، بينما كانت الأم تريدها عالمة فيزياء، لعلها تخترع شيئاً يوقف تدهور الزمن في أجساد الناس.تطل ميساء في الرواية وقد بلغت الرابعة والعشرين، ولديها ست سيدات وفتيات تعلمهن الموسيقا، فيما تجرب تأليف قطعة موسيقية تسكن خلجاتها وعقلها منذ أعوام بعيدة. وإذا كانت قد تخرجت من قسم الآثار منذ سنتين، فهي لم تشارك في التنقيب غير مرة واحدة في (أور) حيث تقول ميساء: وجدتني أعبث بالزمن وحيث أستخرج دهراً. ومع ميساء تطل أمها في الرواية: امرأتان غريبتان علي هذا العالم الذي فتكت به الحرب الأولي فالحرب الثانية فَنُذُرُ الحرب الثالثة، حتي بات رجال المدينة لا يرون الزهور ولا يتمايلون مع الريح أو علي إيقاع موسيقي، ولا يستطيعون ترديد كلمة عذبة لتتوغل موسيقاها في بزاتهم الجافة. لكأن الموسيقي تأنثت كالطبيعة في حديقة الأم حياة، كما تومئ هذه السطور وهي تؤشر إلي الذكورة أيضاً: "كما ينث المطرُ الناعمُ الوجهَ شهياً، يبعث الريّ في الجسد كله، تتعالي نغمة صادحة من كمان ميساء، فتجعل الليل الخامد بهياً، والعالم مكاناً آمناً يتيح للنساء أن يحلمن بحياة حقيقية، يعثرن فيها علي حب حقيقي منزه عن ألأغراض، ويلتقين برجال حقيقيين لم يعبروا طوق النار الذي ترك سحجات حريق علي أرواحهم وثقوباً سوداً في أفئدتهم".بين مفصل وآخر من الحاضر الروائي، يستعاد الماضي. وإذا كان فقد الأب هو العلامة الفارقة في ذلك الزمن، فلعل ما يرسم جوهره كما يرسم واحدة من الدلالات الكبري للرواية، ذلك الرسم السومري المقدس الذي أهداه (غالب لحياة) (الأب للأم): رجل وامرأة وبينهما النخلة/ شجرة معرفة الخير والشر، ووراءهما الأفعي، وهما يمدان أيديهما إلي عذوق النخلة. أما الدلالة فتعلنها الرواية، تعلنها الأم حياة وتعلنها ميساء: الرجل والمرأة شريكان في المعرفة، وليس في الخطيئة. علي أن ميساء تحيا أزمتها مع من عشقت وعشقها: الشاب زياد الذي قضت الحرب علي أسرته، فتعهدت حياة تربيته في منزلها إلي أن أنجز دراسته الجامعية في المسرح، وصار وميساء خطيبين. لكن زياداً فتي من نار وصمت ورمل ودخان، ومساماته تفوح منها رائحة الحرب، ويلهبه ما كانت أمه تنفخ فيه: الرحيل، لذلك يرحل إلي أوروبا حيث يطّرد نجاحه، وتتواصل رسائله إلي ميساء، تدعوها إلي الخروج من العراق، وهي تكتب له منادية بعودته إلي العراق تتوسّل الرواية لسرد علاقة ميساء وزياد المذكرات تحت عنوان (من أوراق ميساء) والرسائل التي ترد في تلك الأوراق. وبالطبع ينضاف إلي ذلك ما تتعهد به الساردة. وحين يتعلق السرد خاصة بعلاقة شخصيتين أخريين (سوزان وغسان) فالوسيلة الفضلي تغدو الحوار ذا الطابع المسرحي. وليس يخفي هنا إفادة لطفية الدليمي من خبرتها في الكتابة الدرامية، كما لا يخفي فيما يتعلق بالموسيقي والآثار من خبرتها التي يدلّل عليها ثبت أعمالها. فالموسيقي عنونت واحدة من مجموعاتها القصصية (موسيقي صوفية)، كما كتبت سيناريو وثائقياً عن الموسيقي في الحضارة العراقية بعنوان (صدي حضارة). ولعل ما يؤكد كل ذلك هو النصّ الذي كتبته ميساء (الآثارية العاطلة عن العمل) بعنوان (كلكامش وشجرة الصفصاف). وعلي الرغم من كل ما تقدمَ في بهاء رواية (حديقة الحياة) يبدو لي أن شخصية سوزان لم تكن مقنعة، عندما عبرت هذه المدرّسة للإنكليزية، الثرية، عن رغبتها في أن تتحول إلي رجل. فلا مقدمات الرغبة (أزمتها مع خطيبها عبد المقصود ومع عاشقها ومعشوقها الفنان غسان) جاءت كافية، ولا انتهاء هذه الرغبة جاء مسوّغاً، ومثله رغبتها في الزواج من طبيبها قبل أن تعود إلي غسان الذي يرفض الرحيل ـ مثل ميساء ـ بينما تلحّ هي علي الرحيل، مثل زياد. ولعل هذا الخلل هو ما دفع بالحل القدري المباغت: موت عبد المقصود. ومن أسف أن هذا الحل القدري يتكرر في تتويج الرواية لدلالاتها، في نهايتها، حين يصور غسان مشرداً، وتري حياة الصورة في المعرض الذي أقامه غسان في حديقتها، وعزفت له ميساء، فإذا بحياة تعلن أن هذا المشرد هو الأب المفقود، فيجري الجميع إلي البحث عنه في مجاهل بغداد، ومهما يكن من خطأ أو صواب ما أقدّره هنا أو هناك من خلل، فقد كانت (حديقة الحياة) بحق تلك الإضافة الروائية المتميزة للطفية الدليمي.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1977 Date 26/11/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1977 --- التاريخ 2004 - 11 -26

AZP09
NBSL