آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري
- الأواصر الأزلية بين الماضي والحاضر والمستقبل
- الامـــــوات يــحـكـــــــــمـــون

قد يكون من المألوف ان يظل الحاكم في الحكم أكثر من دورتين. فلا يوجد إلا هو كزعيم أوحد، وأخ أكبر، وقائد مغوار، وعربي أبيْ. والناس مازالت مولعة بالخلاص وبظهور المخلّص، في ثقافة شعبية تعظم شهامة ابن البلد وشجاعة الفتوة في حارة الحرافيش. وقد يكون من الغريب ان تتم بيعة الحاكم أكثر من دورتين إلي مدي الحياة. فلم تنجب البلاد إلا هو. ولم تر الاوطان قائد مسيرة مظفرة مثله. وتعديل الدستور أمر سهل مادامت الاغلبية للحزب الحاكم. والكل مستفيد من الوضع القائم، السلطة والثروة في اليد. والدعم الخارجي مضمون. بل ان التوريث يتبع التجديد تلقائيا، توريث الحكم للابن، بعد تجديد الحكم للاب. فالتجديد مدي الحياة للاب تعني إلي أبد الآبدين، ليس فقط حتي نهاية العمر بل أيضا حتي نهاية الزمان.
هكذا عاشت الاسر الحاكمة، عائلات الملوك أو القبائل أو العشائر أو الدول، أمويين وعباسيين وغيرهم، بصرف النظر عن شخص الحاكم الاموي والعباسي. وقد توالت علي مصر القديمة حكم الاسرات. ويحكم العرب المحدثون باسم الاسر والقبائل. ولا فرق في ذلك بين ملكيات أو جمهوريات، بين ملوك وعساكر، بين أمراء وضباط، بين سلاطين وجنرالات. بل ان دولا بأكملها تسمي بأسماء قبائلها أو طوائفها أو دياناتها. فالشرعية الدينية في الغالب هي أساس الشرعية السياسية كما كان الحال في العصر الوسيط في الغرب، الإمبراطور البابا، والبابا الامبراطور، الكنيسة والدولة سلطة واحدة، وملكوت السماوات وملكوت الارض في يد ممثل السماء علي الارض.
وهكذا يحكم الاموات الاحياء. فالزعيم الراحل مازالت تتصدر صوره القاعات الكبري وحوائط المباني الفارهة. مازال يطل علي الناس من عليائه، وربما هو في النار. والابن قابع تحته. يستمد سلطته من سلطانه. صورته أصغر، وقامته أقصر. مازالت أقوال الاب الزعيم هي الاقوال الموروثة والملزمة والموجهة أكثر من الدساتير والقوانين. مازال في الذاكرة التي تحل محل الذهن. يسمع ويري كل شيء. مخيف في حياته، ومرعب في مماته. ولا يزال القهر مستمرا.
وتساعد الثقافة الشعبية علي ذلك. فالآخرة مازالت تحكم في الدنيا. والموت حياة أبدية. ويدل علي ذلك أهرامات الفراعنة لتخليد الراحلين. يأكلون ويشربون ويلبسون. ويخلدون آثارهم بالنقوش علي جدران المقابر والمعابد. ولا ضير ان يسرق اللصوص حليهم، ويتاجرون في آثارهم.
ليس المستقبل هو الغد للتخطيط له والسيطرة علي كوارثه بل هو المستقبل المطلق الذي لا يأتي إلا بعد الموت. فالحياة الفانية في الدنيا معبر وممر إلي الحياة الابدية في الآخرة. المستقبل القريب الذي لا نعرفه، ويحدده الغير لنا ويقرر مصيرنا فيه هو المستقبل البعيد الذي لا يأتي إلا في نهاية الزمان.
الثقافة الشعبية مولعة بالنموذج والقدوة من خارج التاريخ لاثارة الخيال، وحشد العزيمة، وتقوية الروح في لحظات الضعف والهزيمة. وما أكثرها في حياتنا المعاصرة. وسير الابطال تروي في المنتديات الشعبية وعلي المقاهي. وكل سامع هو أبو زيد الهلالي. وعن حق تشتد السلفية وتنتشر لان أصولها في الماضي الذي نحِّن إليه تعويضا عن الحاضر وتوقفنا فيه.
مازالت آثار القدماء محفورة في الاذهان. ومن سن سنة حسنة فله عشر أمثالها. ومن سن سنة سيئة فجزاؤه أعظم وأشد مما اقترفت يداه.
هذه آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلي الآثار
الزمن حاضر، المستقبل البعيد أو الماضي البعيد. أما الحاضر القريب فهو محاصر بين الاثنين. ومن ثم نعيش خارج الزمان. يحكمنا الموتي من القبور أو المبعوثون من القبور. ويستمد الاحياء سلطانهم من الاموات. وقد كانت عبادة الاسلاف من مظاهر التدين عند بعض الشعوب. ويتوقف الزمن بتوقف الحاضر. فلا يصبح الحاضر ماضيا ولا يتحول إلي مستقبل. البدن في الحاضر والروح في الماضي أو المستقبل.
ويبدو ذلك واضحا في الخطاب الديني إذ يستثار الخيال بسيرة الاوائل العطرة. فننقل حاضرنا إلي ماضينا. كما يستثار الخيال بنعيم المستقبل الذي ينتظر الاخيار وعباد الله الصالحين. ولا فرق بين الخطاب الديني والخطاب السياسي. فالامة سياسيا كانت منتصرة سلفا لولا غوائل الزمن ومصائب الدهر. وستنتصر في المستقبل وتخرج من عنق الزجاجة. و(الصبر مفتاح الفرج).
وفي الثقافة الشعبية أيضا ما يدعو إلي الثورة علي حكم الاموات والتمرد علي استمرار القهر من وراء السماء بعد ان اختفي القاهر من الدنيا بالموت. فالكل ميت و(لكل أجل كتاب). ولا أحد يبقي في هذا العالم إلي الابد (كل من عليها فان، ويبقي وجه ربك ذو الجلال والاكرام). ولا حكم يدوم. ولا سلطان يبقي، و(تلك الايام نداولها بين الناس).
وإذا كان الانبياء يموتون انك ميت وهم ميتون فلماذا يبقي الحكام خالدين في الدنيا أبدا يحكمون الارض وهم في السماء كما كانوا يحكمون وهم في الارض؟ وما الضامن انهم في السماء قادرون علي الحكم؟ وما الدليل علي انه في أعلي عليين وليسوا في أسفل سافلين؟ وما البرهان علي ان ابنه سيد شباب أهل الجنة أسوة بالحسين سيد شهداء أهل الجنة، وقد كان يتعلم من أبيه الطغيان في دنياه؟ والبقاء للامة ان اختفي قادتها، (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. أفان مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم).
بل ان الامام الغائب له نائبه الذي يحكم باسمه. ولا يعقد علي إمام غائب. بل ان تطبيق الشريعة مرهون بحضور الامام، ولي المسلمين. فلا حكم لغائب. وانتظار عودته قد تطول ولكنه عائد ليملأ الارض عدلا كما ملئت جورا.
ولماذا يظل الناس في رعب بعد ان تنفسوا الصعداء بنهاية عصر الزعيم؟ لقد كان شعار الملكية في الماضي: (مات الملك يحيا الملك). وشعارنا اليوم: (يحيا الملك الاب) و(يحيا الملك الابن) مع انه (كل من عليها فان، ويبقي وجه ربك ذو الجلال والاكرام( وأيضا (كل شيء هالك إلا وجهه).
لن يتحرر المحكوم من سيطرة الحاكم إلا إذا اختفت مظاهر التخليد للحكام ابتداء من ألقاب التعظيم والاجلال والتي قد تصل إلي حافة التقديس، أصحاب الجلالة، والعظمة، والسمو، والسعادة، والنيافة، والمعالي والرؤساء. وكثير منها من صفات الله أو أسمائه. ووضع صورهم أموات وأحياء يجعل الغائب حاضرا، والميت حيا. والدعوة لهم في خطب الجمعة كما كان الحال منذ الامويين تدعيما للسلطة السياسية بالشرعية الدينية.
ان الحاكم الذي يعيش في قلوب الناس لقضاء مصالحهم هو الاخلد. لذلك لا يحتاج صلاح الدين ولا الظاهر بيبرس ولا محمد علي ولا عبد الناصر ان يحكموا التاريخ من فوق السماء لان آثارهم ما زالت علي الارض. تحن إليهم الشعوب كلما أعوزتم الكرامة والاستقلال وعزة الامة، وكلما تذكرهم الفقراء من عامة الناس.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1956 Date 18/10/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1956 --- التاريخ 2004 - 10 -18

AZP07
HSHN