|
|
لأجل الصحافة - نبيل سليمان - روائي وناقد من سوريا لم يبق لي إلا أن أستعيد ذلك الطعم الساحر للتعددية وحرية التعبير في الصحافة وسواها, مما تذوقت في مراهقتي سريعاً وعابراً قبل الوحدة السورية المصرية (1958 ـ 1961) وبعيدها في شبابي ـ أثناء الانفصال (1961 ـ 1963). وإذا كانت السذاجة وفرحة المراهقة بعبد الناصر والوحدة قد أنستاني معني الأحادية الصحافية وأحادية التعبير بعامة، مما عاشته الجمهورية العربية المتحدة، فقد تعلمت سريعاً وبمرارة أذية هذه الأحادية وكل أحادية. وكان الدرس المؤلم الأكبر من ذلك حين أعددت لكتابي (النقد الأدبي في سورية) وقلّبت في الدوريات الأدبية والثقافية السورية بين العشرينات والخمسينات من القرن العشرين، فخرجت منها بأغلب مادة الكتاب، واكتشفت ما كان للعدد المحدود من الكتاب والنقاد من عدد غير محدود من الدوريات قبل خمسين أو ستين سنة، ومنها: أصداء ـ الحديث ـ الدنيا ـ الصباح و و.. وكانت بخاصة مجلة النقاد وموران خمسينات القرن الماضي مما لم يبق منه غير مجلتي (الثقافة) و(الضاد)، كما لم يبق منهما غير الاسم. مع تأميم الصحافة ـ سريعاً ـ بات للعدد غير المحدود من الكتاب والنقاد عدد محدود من الدوريات. وهذا وحده بدأ يدفع بالكتابة الأدبية وغير الأدبية سنة بعد سنة إلي المنابر الخارجية، فضلاً علي أسباب أخري أقلها المكافأة المالية والبيروقراطية والرقابة. لقد جئت إلي دنيا الكتابة مطلع السبعينات من القرن الماضي لأجد صدقي إسماعيل يتسيد مجلة الموقف الأدبي في اتحاد الكتاب العرب، والتي سيرثها منه زكريا تامر، ثم يتعدد الوارثون. ومع هذه المجلة كانت ولم تزل مجلة المعرفة التي تصدرها وزارة الثقافة، والتي تعدد ورثة فؤاد الشايب لها: زكريا تامر وخلدون الشمعة ومحمد عمران و... إضافة إلي هاتين الشهريتين السوريتين كان ولم يزل فقر وخصوبة الصفحة الثقافية في الصحف اليومية الرسمية الثلاث (البعث ـ تشرين ـ الثورة) وبناتها في المحافظات، وصحافة المنظمات الشعبية، وما تصدر كل حين الصحف الكبري الثلاث من ملاحق ثقافية، كان أبرزها ملحق الثورة الذي استقطب في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي الفعالية الثقافية الناشطة، وبفضل خاص من الشاعرين علي سليمان ومحمد عمران، وقد كان لأدونيس فضل أيضاً في هذا الملحق أثناء محطته الدمشقية إثر خروجه من بيروت الحرب الأهلية. لقد كتبت الكثير ولم أزل في بعض هذه المنابر التي يتداول الكتّاب الإشراف عليها منذ ثلاثة عقود. وإذا كنت لم انضم يوماً الي هذه المعمعة، فقد كنت أفرح دوماً لأية خطوة إلي الأمام مهما تواضعت، ومن ذلك فرحي بفصلية الآداب الأجنبية منذ صدورها، برغم عثراتها وتعثرها، وفرحي بعودة جريدة النور التي أذكرها منذ ما قبل الجمهورية العربية المتحدة. أما فرحي بما أسفرت عنه حرية الصحافة وتعددها من إصدار صحف ـ بروشورات أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وصحف الإعلان التي توزع مجاناً، أما فرحي بهذا كله، فيا للهول! لكن الفرح وحده مثل الشكوي وحدها، لا يقدم ولا يؤخر. ويبدو أن الانتقاد كالمعاضدة لا يجديان أيضاً. ففي سورية فعالية ثقافية كبيرة ومهمة يزداد ضيق الدوريات عنها وبها، كما يتضاعف أذي خلط الأوراق والمعايير، ووطأة الشللية والمحسوبية والبيروقراطية الإدارية وجهلها، وعنت الرقابة الذي أخذ يتراجع إلا في دوريات اتحاد الكتاب. فما الذي يجدي إذاً؟ إلي أن يصل السؤال إلي جواب سأظل مع أقراني نحلم بمنابر ثقافية جديدة لا تصدرها الدولة ولا الأحزاب ولا المنظمات الشعبية أو المهنية وما شابهها من كل ملحقات الدولة وأحزابها. وسيظل كثيرون يحلمون بآلية جديدة قوامها التعددية وحرية التعبير، سواء للمنابر الثقافية الراهنة أم للمنابر التي سيجود الزمن بها، لا مناص. ومن دون ذلك ـ وسواه الكثير ـ سيظل حديث النهوض الثقافي محدوداً: خطوة إلي الأمام، خطوتان إلي الوراء، أو العكس، ليس الفرق بكبير، وإلا، فهل يعقل أن يظل كاتب قيوماً علي منبر ثقافي من المهد إلي اللحد، ويتصرف به كأنه مزرعته؟ هل يعقل أن يتسيد منبراً ثقافياً كاتب فقست عنه البيضة لتوها بنصف موهبة وبلا خبرة؟ هل يعقل أن تكون مكافأة القصة أو البحث الذي استغرق من صاحبه أسبوعاً أو شهراً: عشرين دولاراً أو أربعين، علي الرغم من أن هذا الرقم يداعب نصف المرتب الشهري لمعلم أو شرطي؟ إلي متي سيظل فلان أو علان ينظر إلي كل كلمة علي أنها مريبة حتي يثبت العكس؟ ها هو السؤال يغدو أسئلة، فهل من مجيب؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1953 Date 28/10/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1953 --- التاريخ 2004 - 10 -28 AZP09 NBSL |