ضفــــــــاف - عقـد مـن الوشـم - نبيل سليمان ـ روائي وناقد من سورية
احتفالاً بالطلاق دخلت شهلة صالون مرمر لأول مرة. كانت قد سمعت بالصالون من رئيستها في مطبعة السالمي أم يامن: بسّ روحوا شوفوا يا بنات! بدكْ تشقّري شعرك؟ بدّكْ تجعّديه؟ ولاّ بدّكْ ترفّّعي حواجبكْ وتِرْفَعيهن؟ لو تشوفوا البنات الزغار شو بيعملوا. والله العظيم أَزغرْ منّكْ يا شهلة. اللي بدّها تكبّر بزازها واللي بدّها تزغَّر طيزها واللي... مدام مرمر أكيد ساحرة.
صافحت شهلة الساحرةَ بتهيّب. وحين سألتها عما يمكن أن تقدم لها, تلعثمتْ وقالت:
- فنجان قهوة حلو.
- قالت مدام مرمر بمرح:
- تكرمْ عينك يا حلوة. بسّ أنا عمْ أسألكْ عن اللي ممكن أعملْ لك إياه: شعرك؟ أظافركْ؟ ولاّ بدّكْ شي تاني؟
كانت عينا مدام مرمر تتفحصان شهلة وهي تسألها. ولعل ذلك ما ضرّج وجنتيّ شهلة واستفزها, فسألت وهي تهرب من عيني الساحرة:
- شو يعني شي تاني؟
- بطن, ورك, إجرين. بسّ اسم الله حارسك أنتِ كاملة مكمّلة.
قالت الساحرة وهي تمسك بيد شهلة وتقودها إلي غرفة أخري تتوهج بصور فاتنة لم تعرف من صاحباتها إلا نانسي عجرم, وفي تلك الغرفة تعرفت علي رحاب نجا.
كرمي لأم يامن رفضت مدام مرمر أن تأخذ من شهلة أجراً لقاء قصّ شعرها وتسريحه. وإثر زيارتها الثانية للصالون توالت لقاءاتها برحاب. وربما كان ذلك في البداية مداورة لرغبتها في ملامسة سحر مدام مرمر. لكن سحراً آخر لرحاب أخذ يأسرها: أصغر مني بكم؟ عشر سنين؟ وهاهي طافرة من آخر الدنيا للشام. سنة ثالثة مكتبات ومروّجة لصالون مرمر!
إلي عالم ملون ستقود رحاب صديقتها الجديدة: مثل حاجبي بروك شيلدز وشمتُ. لماذا؟ لأنهما وحشيان. ولكن مطيع قال: شكلك شريرة. مطيع أول من صادفته بدربي في الشام. قلت له: مع السلامة. عندما وشمت حاجبيّ وشفتيّ لم تكن واحدة في قسم المكتبات ولا في كلية الآداب كلها تعرف الوشم. بعد مدة أزلت الوشم ورجعت المياه لمجاريها مع مطيع. لا تتركي ظنونك تلعب. أنا لازلت عذراء. لكن اللعين له فضل كبير عليّ. علمني مثل ما علمتني مدام مرمر. كان يحضر لي العدسات الملونة ويقول: بيعيها لزميلاتك والربح بيننا مناصفة. حتي لطالبات الثانوي صرت أبيع. كنت أسأل نفسي من أين تأتي المفعوصة بألفين ليرة؟ ولِكْ بثلاثة بأربعة؟ أقل عدسة بألف وخمسمية, والمفعوصة تتقصع وتمط صوتها: العيون سرّ تألّقك يا روحي. أنا أفضّل لون عيون ليلي علوي. تكرمي يا روحي! أما الزبونة الأفضل فهي من تبدل العدسات: روشنة شباب يا روحي. طبعاً كنت أتلهي عن الدراسة، لذلك ما كان أمامي إلا حبوب السهر في كل امتحان. تعلمت التدخين بسبب السهر والامتحان. ولكن بعدما عرفت طريق مدام مرمر ارتحت. مطيع هو من دلني علي الطريق, مع أني كنت قلت له مرة ثانية: مع السلامة, مدام مرمر تكسب الذهب مع أنها بدأت أفقر مني وأجهل. دورة قصّ شعر في بيروت. صالون صغير. نفخت شفتيها في بيروت. دورة تجميل. كبر الصالون. فتحت فرع الشباب وأنا ظننتها هسترتْ. مطيع كان يحلم بأن تكون له ذقن كلارك غيبل ولم يحقق له الحلم إلا فرع الشباب في صالون مرمر.

***

قبل أن تختفي رحاب من صالون مرمر وتنقطع عن شهلة لتصير الوشيّشة, كانت شهلة قد جربت تجعيد شعرها مرة, وتلوين خصلة بالفوشيا مرة. وكانت رحاب قد أصابتها بالعدوي, فتمنت أن يكون لها أنف جوليا روبرتس أو صدر هيفاء وهبي, وأن تكون لسرتها حلقة, بل لحلمة من حلمتيها, بل للسانها, ولكن مستحيل يا رحاب. ما من مستحيل يا شهلة. كيف يا رحاب؟ صالون مرمر يا شهلة. مدام مرمر شريكة المركز التجميلي للدكتور طرفة خير الله. تجميل الأنف يبدأ بعشرين ألف ليرة ويصل إلي الستين. مدام مرمر تقبل بالتقسيط كرمي للزبونة الفقيرة مثلك, وبلا كفالة. بالمجمّع 21 دكتورة اسمها ربي، أظنّ ربي، كبّرت قفاها في باريس. صدقيني كبّرت قفاها ولكن المسكينة صار لها فردة أكبر من فردة. من صحح العيب؟ مركز الدكتور طرفة, ولكن عن طريق مدام مرمر. الدكتورة ربي زبونة الصالون من يومه الأول, ومثلها كثيرات من أكابر البلد. ومن الأصاغر من هي الزبونة يا رحاب؟
تجدد السؤال عندما بات جلياً أن الأثر الذي تركه الطوفان في عنق شهلة شائه ولن يزول إلا علي يد الدكتور طرفة خير الله: رحاب تؤكد، ومدام مرمر تؤكد, وعيون الزميلات في السوق الحرة تؤكد, وعيون الزملاء التي ترتد جزعة عن الأثر الممتد من تحت الأذن حتي الحنجرة, وتتملي متحسرة وتؤكد؟
قال الدكتور طرفة: بسيطة. وغاب دقائق لتتأمل مكتبه علي مهل: شهادة الإيزو, لوحة الشفتين التي ستجعل شهلة تبتسم وهي تقرأ في أسفلها: تمّها قد الفستقة تقول خاتم سليمان. ولوحة الأربعينية القصيرة العبلاء التي ستجعل ابتسامة شهلة أكبر وهي تقرأ في أسفلها: يخزي العين مكبسّة تكبيس. وهذا إعلان فاقع تحت زجاج الترابيزة: نحت الجسم ـ شفط الشحوم ومعالجة السيلوليت ـ فريق من الأطباء المتخصصين وخبراء التجميل؛ ودخل الدكتور طرفة فرأت شهلة نفسها تسأل:
- مدام مرمر شريكتك دكتور؟
ثم رأت نفسها تعتذر عن خطأ لابد أنها ارتكبته كي يضحك الدكتور الذي سيلمس ذقنها بجرأة, وسيمرر بجرأة أكبر أنامله علي عنقها كأنه ربيع ذات مساء بعيد. وسيطلب منها أن تستدير, ويرفع شعرها عن العنق المشدوه, ثم يقول: بسيطة, ثم يداعب أذنها ويقول: مدام مرمر تأخذ نسبة علي الزبونة. وربما قال أيضاً: مدام مرمر صديقتي منذ الصغر, ولأنك صديقتها تخلت عن نسبتها مما ستدفعين, وأنا سأتخلي عن نسبة, فودت شهلة أن تسأله عن السبب, أو أن تشكره, لكن عنقها افتقد أنامله فسكتت. ولم تستطع من بعد أن تنبس وهو يقترح أن يزين هذا العنق الجميل عقد من الوشم, فلا يبقي للطوفان أثر.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1916 --- Date 16/9/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1916 --- التاريخ 2004 - 9 - 16

AZP09
NBSL