|
|
ضفـــــــاف - سلام لإبراهيم الجرادي - نبيل سليمان / روائي وناقد من سورية ابراهيم الجرادي شاعر سوري يدرّس في جامعة صنعاء منذ عهد نوح. وقد جمعتني أول مرة بهذا اليمني بلدته (الرقة) عام 1967. كنت مدرّساً للغة العربية تخرّج للتو من جامعة دمشق, يناوش الرواية, وكان شاعراً وقاصّاً بامتياز، يلوّح بالبكالوريا وينادي الشام من تلك البلدة الفراتية التي لم يكن فيها شارع معبد, وكانت أفئدة الذكور فيها تتلوي حين تلوح عباءة ما قرب مدخل ثانوية البنات. بين متابعة ابراهيم الجرادي للدراسة في موسكو ومنعرجات الحياة الثقافية والسياسية السورية, تواترت وتناءت وتوترت لقاءاتنا, وجهاً لوجه أو عبر ما يكتب من الشعر ومن المقالة, وهو هو كما عرفته منذ سبع وثلاثين سنة: الشرس المشاكس والودود الرهيف. لذلك لم ولن أصدق أن يُؤسَر ابراهيم الجرادي في مؤسسة تعليمية أو زوجية أو حزبية, ولا في سكة بعينها من سكك الإبداع. ولقد تجدد ذلك لي وتأكد وأنا أقرأ له آخر ما نشر ـ من يدري ما هو آخر ما كتب؟ ـ تحت عنوان رئيسي (آراء في سفينة الجزع) وعنوان فرعي (ريبورتاجات شعرية)، مع هامش يبيّن أنها من إصدار قادم تحت عنوان "محاولة رد اعتبار لأبي جهل". من تلك الريبورتاجات واحد خصّ به ابراهيم الجرادي الشاعر السوري عادل محمود في مجموعته الأخيرة (حزن معصوم عن الخطأ), والتي كتبت منذ أسابيع احتفاءً بها في هذه الزاوية. لكنّ لإبراهيم الجرادي سكّته الخاصة في الاحتفاء أو التهشيم, كأن يقول: "معصوم؟ من؟ ها.. اسمع لأْ.. تعال! اسكت,. غلط ! الحزن, آ, معصوم! أفهم! لماذا؟ "أنوثة الشبابيك" "أرض واسعة كافية للاحتلال؟" شعر؟ ماذا؟ اسكتْ! تيس! شعر / نثر (...) شعر / نثر. اسكتْ. نمْ. استيقظْ. رحْ ره! ره! افهمْ! معصوم! مفهوم! إن هذا, وأيم الله, لشعر أيضاً!!". ولقد بدت لي سكّة ابراهيم الجرادي هذه هي السكة الوحيدة الممكنة للقول بعدما أخذتُ جرعات هائلة من الشعر خلال الأسبوعين الماضيين من مهرجان إلي مهرجان في الصيف السوري الساخن (الحافل) بالمهرجانات الرسمية والأهلية. فأية سكّة أخري ممكنة وأنت تجد نفسك وجهاً لوجه ـ كأنها أول مرة ـ أمام السؤال اللائب بين الشعر والنثر, بينما تصفعك الادعاءات ـ كأنها أول مرة ـ بقصيدة النثر وبالحداثة وما بعدها وبموت القارئ وبالبياض والصمت وقتل الآباء وو..؟ ستتهيب الجواب وأنت مندسٌ في الحشد. أجل, حشدّ طوعي من أجل الشعر يلوب عليه الشعراء في العواصم ويفرحون به ويشكون منه في الأقاليم. وستصغي إلي تفجّع الشاعر العراقي محمد مظلوم في مراراته التي ترسم عراق الاحتلال وعراق الديكتاتورية وعراق المستقبل التائه, وستتجرأ علي أن تهمس لجارك أو جارتك: هذا ترجيع لقديم الشاعر وقديم سواه, وربما ترجيع الترجيع. وستؤخذ بتشكيلات عباس بيضون ونزيه أبو عفش وعبده وازن وقاسم حداد, ليفجأك في اليوم التالي ريبورتاج آخر من ريبورتاجات ابراهيم الجرادي مهدي إلي (الشاعر القاص ـ قاسم حداد أمين صالح): "أهذا رنين الأفخاخ أم إنه نشيج الأرض وهي تتقصف كالقش تحت مداخل الخطأ..؟". لكن التباس الشعر بالنثر لن يفسح لك طويلاً, ولا لهذا الحشد المؤدب. ولأنّك تتهيّب الالتباس ـ كأنها أول مرة ـ لا يبقي أمامك إلا أهون, الشرور ـ أتراه أهونها حقاً؟ ـ وهو أخطاء القراءة, كأن لا يكفي أن يقرأ الشاعر أو الشاعرة قراءة واجبٍ ثقيل, أو بحيادية, أو باستعلاء, أو بالزعيق الذي لا تحتمله قصيدة عمودية. وإذ تلطو خلف أخطاء القراءة المنتسبة إلي الصف الثالث أو الرابع أو الخامس ـ فقط ـ من المرحلة الابتدائية أو مرحلة التعليم الأساسي, وتجهر بحنقك وبغيظك, يلكمك شاعر بالقاموس الكومبيوتري أو بلَحْن المتنبي أو بالإنصاف في مسائل الخلاف, فتنفجر مذكراً بالباطونجي الذي لا مناص أمامه من أن يجيد عدّة حرفته: الإسمنت والحصي والرمل والماء و.. فلماذا لا يجيد الشاعر والكاتب عدّته الوحيدة ـ لغته؟ هكذا تلجأ من جديد إلي ريبورتاج آخر من ريبورتاجات ابراهيم الجرادي, لكنك لا تكتفي بإهدائه الريبورتاج (إلي النقاد المياومين كباراً وصغاراً وبين وبين), بل تهديه أيضاً إلي الشعراء والكتّاب كباراً وصغاراً وبين بين, وتقرأ: "اللغة ديك اللغة دجاجة وفي اللغة عصيان, وعصيان اللغة من موروثها ودمها. واللغة كما نحن, ترث وتورّث ونصف اللغة ـ قلْ نصف اللغة ولا تخف ـ نافر صرد, موجع, فج, صلد, فاجر, ماكر داعر, مستوحش متوحش.. الخ.. الخ.. وفي هذا جماله (ربما)! (...) ولو لم يكن للغة دمها المهدور و"عبثها" المعهود, و"طيشها" وزعلها, ونفورها, وأمراضها المزمنة الخاصة لما التقطنا صنفاً منها متوارياً متهادياً, واضحاً ضابحاً مبلّلاً بدمه نسميه, أحياناً, الشعر." غير أن السؤال اللائب بين الشعر والنثر يفجؤك من جديد, لكأنها أول مرة. ولأنّك تحب ابراهيم الجرادي وتخشاه, تلجأ مما تقدم إلي ريبورتاج أخير أهداه (إلي ابراهيم الجرادي) وتقرأ: اللغة, وحدها, تستغّل الحنين المتصاعد من قلبك كالبركان وتشعل به عيدان الكلام وستنسي أخطاء الشعراء في القراءة وأخطاء الكتّاب الإملائية والنحوية في الروايات والمداخلات و.. وستنسي ما لابدّ من بدّه بدُّ, مادام الشعراء والكتّاب يكتبون بالفصحي, أي ـ ببساطة ـ أن يعرفوها كي يدمّروا ويطوّروا ويجرّبوا وينجوا من جهلة الجاهل ومن قول القائل: "ألا لا يجهلنْ أحد علينا / فنجهل فوق جهل الجاهلينا"، وسلاماً يا ابراهيم الجرادي. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1902 --- Date 2/9/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1902 --- التاريخ 2004 - 9 - 2 AZP09 NBSL |