آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري
- المفتـــاح السحـــري
- ماذا منحتنا الشعارات الفارهة ؟

بين الحين والآخر تظهر في حياتنا الثقافية والسياسية بعض المفاتيح السحرية في صيغة شعارات تعطي الغريق طوق النجاة. وتقوم هذه الشعارات بالتنفيس عن آلام الناس وتعطيهم آمالاً خادعة في المستقبل. وبكثرة تكرار هذه المفاتيح السحرية ولا شيء يتغير سئمها الناس، ولم يعد يصدقها أحد. فصمت الآذان، وانقشع الخيال. وأصبح الذي يحرك الناس هو فعل في الواقع، تغير ملموس، شيء يرونه بالفعل. فالواقع أصدق من الخيال، مقاومة بالفعل ضد قوات الاحتلال خير من عشرات الصور عن استقلال العراق ووحدة أراضيه، وشهيد بالفعل في فلسطين خير من عشرات المبادرات لتحرير فلسطين، وحركة مرجعية في النجف خير من النداءات للحفاظ علي المقدسات.
ولذلك أسباب في وجداننا السياسي والثقافي المعاصر. فبعد اختفاء الناصرية بعد عبد الناصر حدث رد فعل نفسي ووجداني علي الحلم المجهض، والتجربة التي لم تتم. ففلسطين لم تتحرر بل احتلت بالكامل بعد 1967، وظهرت الطبقات الجديدة من العسكريين والبيروقراطيين. وتضخمت بتضخم جهاز الدولة. وظهرت الطبقة المتوسطة بدعوي الرأسمالية الوطنية من تجار الجملة والمقاولات وبزوغ القطاع الخاص. وتحطمت التجربة علي أسنة الحرية في الداخل واختلاف شعارات الثورة عن تطبيقاتها وممارستها، وعلي فوهة المدافع في الخارج بالعدوان المتكرر عليها منذ العدوان علي غزة في 1955، والعدوان الثلاثي في 1956، ثم العدوان الأخير في 1967 الذي أنهي التجربة الناصرية وأسقط ما تبقي من شعاراتها.
وتوالت الشعارات كمفاتيح سحرية رغبة في الإنقاذ واستئناف التجربة ولو بالقول دون العمل، وكمخدر دون إجراء أي عمليات جراحية لتصحيح مسار الأوطان. وحل الخيال محل الواقع، والوهم بدل الحلم. والناس في حاجة إلي طوق نجاة ومفتاح سحري في ثقافة تؤمن بالمعجزات والحلول المفاجئة، ولدي شعوب قادرة علي الصبر، وتعتبره مفتاح الفرج. وفي كل مرة يساعد الشعار علي عبور (عنق الزجاجة). فالفرج قريب، وأزمة و(تعدي) و(ربنا خلق كل إنسان ورزقه معاه)، و(السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)، و(المتعوس متعوس ولو علّقه علي راسه فانوس)! بدأت المفاتيح السحرية منذ هزيمة 1967، أولها (العلم والتكنولوجيا) فقد كان أحد أسباب الهزيمة أننا لم نستعد علميا لها. (وانتظرناهم من الشرق فآتونا من الغرب) و(لا يغني حذر من قدر) كما جاء في خطاب الاستقالة للزعيم عبد الناصر ليلة 8 حزيران (يونيو) 1967، لم نحسن رصد الطيران المنخفض، ولم نحم خطوطنا الخلفية، ولم نحسن الانسحاب المنظم من سيناء، وفرشنا القوات في العراء دون غطاء جوي لأن القائد كان في الجو، ولم نضع الطائرات في حظائر ومطارات سرية طبقا للنكتة الشهيرة (محطة المطار السري). وباختصار كم قال الشاعر:
(دخلنا الحرب بمنطق الناي والربابة
التي ما قتلت ذبابة)
فكان من الطبيعي أن يوضع شعار (العلم والتكنولوجيا) بناء علي التجربة المستفادة من أجل استرداد الأراضي المحتلة، والدفاع عن كرامة العرب، ورد الاعتبار لجيش مصر وسوريا.
وبعد الانتصار العسكري في تشرين الاول (أكتوبر) 1973، وتحقيق بعض متطلبات الشعار علي المستوي العسكري بدأ التحول السياسي في الرؤية العامة للدولة، من الاشتراكية إلي الرأسمالية، ومن التحالف مع الاتحاد السوفييتي إلي التحالف مع الولايات المتحدة، ومن القطاع العام إلي القطاع الخاص، ومن (ما يؤخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) إلي (حرب أكتوبر آخر الحروب) و(السلام خيار استراتيجي). ولما بدأت الآثار الوخيمة لسياسة الانفتاح الاقتصادي في الظهور، وبعد غلاء الأسعار في يناير 1977، قامت جماهير عبد الناصر تدافع عن حقوقها في انتفاضة كانون الثاني (يناير) 1977 في نفس الشهر ونفس العام. وكان الخطأ في رأي الدولة عدم التمهيد لذلك تدريجيا حتي يبتلع الشعب غلاء الأسعار سلعة سلعة، وخطوة خطوة. اتُّهم الناصريون والماركسيون والشيوعيون والملحدون والموتورون بأنهم وراء انتفاضة (الحرامية) التي وزعت المواد التموينية علي المواطنين في الأحياء الفقيرة، ووزعت ممتلكات علب الليل في شارع الهرم علي الجموع الفقيرة دون تدمير مستشفي أو مدرسة. ونتيجة لذلك رُفع شعار (العلم والإيمان) وأن (ما لا إيمان له لا أمان له). وزاد التمسح بمظاهر الإيمان في أجهزة الإعلام وفي ممارسات الدولة ورئيسها آنذاك مع التبشير بمجموعة جديدة من القيم (أخلاق القرية)، (كبير العائلة). في الوقت الذي تصاغ فيه القوانين الاستثنائية مثل (قانون العيب)، وتستمر الأحكام العرفية حتي مذبحة ايلول (سبتمبر) 1981.
واستمرت المفاتيح السحرية للنهضة بالبلاد وتجنب وقوع الأخطاء. فبالنسبة للجيش (إلكترون في يد كل جندي) إشارة إلي تحديث السلاح، وتنويع مصادره، ودعاية للعلم بطريقة الفلاح وكأن الإلكترون فأس في يد المزارع أو بقرة يجرها العامل الزراعي. تحديث عن طريق التخلف، وصعود إلي القمر علي طريقة (يامّه القمر ع الباب). دخل الجامعيون الجيش، وتم تحديثه بجهد رجال الجيش وعلم الأكاديميات، وليس عن طريق الخيال الشعبي، والشعار السياسي، والمفتاح السحري.
ونظرا لتطلع الفقراء للمشاركة في ثراء الأغنياء بعد سياسة الانفتاح، وتوفير العمالة في القطاع الخاص بعد رفع الدولة أيديها عن توظيف الخريجين حتي تضخم جهاز الدولة بسبب البطالة المقنعة، وغياب العمال المهرة والفنيين، وتحولا من أيام الحرمان واشتراكية الفقر في الجمهورية الأولي ظهر شعار (عربة وفيلا) لكل مواطن كمفتاح سحري جديد يدغدغ عواطف الناس ويلعب بأشواقهم، ويستثير حاجاتهم، ويشبع رغباتهم حتي علي مستوي الصورة الفنية بعد أن أجهض الحلم الاشتراكي القومي في الجمهورية الأولي. وزاد عدد العربات الفارهة، وعدد الفيلات والقصور في المدن وعلي السواحل ولكن للأغنياء الجدد وليس لقدماء الفقراء، لمهربي الأموال ونواب القروض ولرجال الأعمال وللمضاربين علي العقارات ومشتري القطاع العام وللمستثمرين بدعوي إيجاد فرص عمل جديدة وتوفير احتياجات المواطنين وسد النقص في الصناعات الوطنية. والفقراء يزدادون فقرا بقدر ما يزداد الأغنياء غني. وظهرت التنبؤات: من لم يغتن في هذا العصر فلن يغتني أبدا. من لم يسرق ولم ينهب ولم يختلس ولم يهرّب ولم يغش ولم يفسد في هذا العصر فلن يحدث بعد ذلك أبدا. وجمع الحكم بين السلطة والثروة. إذا أراد التخلص من أحد سرب إلي الإعلام ملف فساده. وإذا أراد الإبقاء علي أحد أخفاه حتي يدين الجميع له بالطاعة والولاء وتنتفخ الجيوب و(الكروش) في زمن الحداثة والتحديث.
ولم تتوقف المفاتيح السحرية عن الدوران بالرغم من أنها لم تفتح بابا مغلقا واحدا. وكانت تدور في فراغ دون أن يُفك مزلاج أو يُحل (ترباس). والآن يرفع شعار آخر، ويقدم مفتاح سحري جديد (كمبيوتر لكل مواطن). فالقضية هي تحديث المعلومات، وطرق الاتصال، والتمكن من نظم المعلومات الحديثة من المهد إلي اللحد. اطلبوا العلم ولو عند ميكروسوفت وبيل جيتس والولايات المتحدة الأمريكية التي لم تــُكتشف بعد في عصر الرسول وقد عرفناها نحن أكثر مما عرفنا الصين التي كان يعرفها الرسول! والكمبيوتر ينظم المعلومات ولا يعطي علما. ويقوم بدور الأرشيف القديم ولكنه لا يدون وثيقة جديدة. ولا يزيد المواطن ذكاء بل يقل الاعتماد علي عقله. ويظن أن الجهاز الذي أمامه به أسرار الكون، وفتح مغاليق الأمور. ونكون كالبدوي، العربة الفارهة أمامه ويعشق (الهجن)، والقصر الفاخر خلفه ويستظل بالخيمة في (البر)، ويمتلك أحدث الأسلحة المستوردة من مخازن السلاح الأمريكية، ويرقص بالسيف، ويركب الدبابة والمصفحة ويقود الطائرة ويمتشق الخنجر، ويتعامل مع الإنترنت، ويحضر العالم كله أمامه ويمص القات بين فكيه وهو (يخزّن). وكما قال الشاعر: (لبسنا قشرة الحضارة، والروح جاهلية). وفي نفس الوقت ومن أجل التغطية والتعمية والتستر علي الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي يكثر الحديث عن (طهارة اليد) و(الشفافية) والانتماء وتنشد الأغاني (يا حبيبتي يا مصر)، (أصله ماعداش علي مصر)، (أوعي تقول أخذت إيه من مصر، بل قول أعطيت إيه لمصر) تنويعا علي ما قاله جون كنيدي، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق، الذي لم تتحمله قوي الفساد وجماعات الضغط في وطنه (ليست القضية ما أعطته أمريكا لك بل القضية هي ما أعطتيه أنت لأمريكا). فالمفاتيح السحرية أيضا ليست صناعة محلية بل تدخل ضمن المستورد والوافد. لذلك لا تفتح الأبواب الموصدة التي علاها التراب وغطي مزاليجها الصدأ.
وعلي فرض الاستمرار في رفع هذه الشعارات، والتلويح بمفاتيح سحرية جديدة لا تفتح شيئا فلماذا لا نجرب مفاتيح سحرية أخري لعلها تصيب هذه المرة لتغير الواقع وتحرك المجتمع وتغير مسار التاريخ مثل (حرية لكل مواطن)، (عدل لكل مواطن)، (خبز لكل جائع)، (رشرفة ماء لكل عطشان)، (سكن لكل قاطن في العراء)، (لباس لكل عارٍ)، (مدرسة لكل طفل)، (جامعة لكل طالب)، (عمل لكل عاطل)، (مواصلات لكل متنقل). تلك مآسي الوطن واحتياجات المواطنين ومعاناتهم في الحياة اليومية. فالمواطن يعاني من القهر والفقر في الداخل، لا حرية ولا خبز. ولماذا لا ترفع شعارات (كرامة لكل مواطن)، (استقلال وطني لكل وطن)، (إرادة وطنية لكل شعب)، (تنمية مستقلة لكل مجتمع). فمأساة الوطن ليست فقط في القهر والفقر في الداخل بل أيضا في التبعية وضياع الكرامة في الخارج. فمن ليس معنا فهو ضدنا. ولم يدخل بيت الطاعة فمصيره مثل فلسطين والعراق وأفغانستان، وإيران وسوريا والسودان علي قائمة الانتظار. والنظم السياسية محاصرة بين المطرقة والسندان، مطرقة الخارج، العولمة والعالم ذي القطب الواحد، وسندان الداخل، ضغط الشعوب واقتراب هباتها الوقتية أو ثوراتها الدائمة. وعلي فرض رفع هذه الشعارات والتلويح بهذه المفاتيح السحرية فإنها سرعان ما تنقضي مثل غيرها، وتصب في دائرة النسيان إلي أن تقوم غيرها. ومفكرو السلطة وفقهاء السلطان وأيديولوجيو النظام لم تفرغ عقولهم ولا فتاويهم بعد.
قد لا يوجد مفتاح سحري لأي شيء. فالسحر لا وجود له. هو جزء من بنية الخرافة التي مازالت تسيطر علي الشعوب. إن للثورة شروطها، وللنهضة متطلباتها، وللإصلاح مقوماته، وللتغيير قواعده. وأولها القضاء علي عقلية المفاتيح السحرية و(افتح يا سمسم) والإمساك بـ (علي بابا والأربعين حرامي).

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1901 --- Date 1/9/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1901 --- التاريخ 2004 - 9 - 1

AZP07
HSHN