آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري
- المشروع النهضوي القومي أمام الاستحقاقات
- هل تقوم الثقافة علي ساق واحدة؟

الثقافة في مصر هي ركيزتها الأولي منذ دعوة التوحيد عند إخناتون. وذكرها في القرآن بأنها بلد الخير والأمان، وفي الحديث بأنها بلد المصاهرة والجهاد والنضال والمقاومة (جندها خير أجناد الأرض وشعبها مرابط إلي يوم القيامة). ثم تعدد الكتابات حول (فضائل مصر) حتي نهضة مصر عند الطهطاوي (فليكن هذا الوطن مكانا لسعادتنا أجمعين نبنيه بالفكر والحرية والمصنع) و(شخصية مصر) لجمال حمدان حول عبقرية المكان.
ولم تكن الثقافة فقط (روح الشعب) تحفظ كيانه وتحافظ علي وحدته وتمده بخبرته التاريخية المتراكمة في أمثاله العامية وسير الأبطال الشعبيين بل كانت أيضا اختيار الدولة ودعامة نظامها السياسي. فلا يستطيع نظام سياسي أن يحكم في مصر من دون رؤية ثقافية ومشروع ثقافي تتبناه أجهزة الدولة مباشرة خاصة المؤسسات الثقافية ويشارك فيه الإعلام الذي هو جهاز الدولة في توجيه الرأي العام والسيطرة علي حركة الشعب، لذلك كانت الثقافة ثقافة سياسية بالضرورة من جهة الدولة وثقافة شعبية من جهة الناس.
كانت الثقافة في مصر عبر تاريخها الطويل تتكون من روافد ثلاثة. الأول الوافد الخارجي. فمصر بلد مفتوح الحدود، في علاقات وتفاعل مع الحضارات المجاورة، في الشمال عند الآشوريين والبابليين في الشام والعراق، وفي الجنوب في بلاد نبط والنوبة والسودان. وفي فترات قوتها كانت تعطي أكثر مما تأخذ كما أعطت اليونان في العهد الفرعوني، وأخذت منهم في العهد العربي الإسلامي. كما أخذت من فارس والهند، وفي فترات ضعفها كانت تأخذ أكثر مما تعطي كما تأخذ الآن من الغرب الحديث.
واصطلح علي تسمية هذا العنصر الأول الوافد. كما عرف أيضا باسم الترجمة. عندما تكون مصر قوية فإنها تترجم من منطلق معرفة الآخر من أجل احتواء ثقافته وإعادة توظيفها لصالح البقاء والنهضة. وهو ما سماه القدماء النقل. ولا يعني مجرد ترجمة عن طريق المطابقة، مطابقة النص العربي بالنص اليوناني، وكلما دقت المطابقة عظمت الترجمة بل كان نقل القدماء إبداعا، لا يهدف إلي إيجاد نص عربي مطابق للنص اليوناني بل إعادة كتابة النص اليوناني لمتلقي جديد، هي الثقافة العربية الإسلامية ومن منظورها، اعتزازاً بالوافد من دون إهماله واستبعاده، وتأكيداً للذات المنفتحة علي الثقافات المجاورة دون تصلب أو تشدد أو نعرة ثقافية بدعوي الاكتفاء الذاتي وأن (القرآن) به كل شيء و(ترجيح أساليب القرآن علي منطق اليونان). لم يكن للهدف نشر الثقافة اليونانية واستعمالها لمحاربة الثقافة العربية الإسلامية وحصارها لأنها أكثر تخلفا وأقل تقدما بل من أجل تطويرها وتنميتها وتحديثها. فالوافد وسيلة، والموروث غاية. وكان اختيار الأعمال المنقولة طبقا لحاجة المجتمع العربي الإسلامي الجديد للفلسفة والعلم. فنقلت أمهات الأعمال الفلسفية التي بلغت ذروتها في أعمال أرسطو، وأمهات الكتب العلمية التي بلغت ذروتها في المؤلفات الطبية لجالينوس. كان المجتمع الجديد في حاجة إلي العقل والعلم. وكانت لديه الحرية الكافية لذلك. كان النقل الأول تعبيرا عن موقف حضاري أصيل من دون إحساس بالنقص أمام المنقول. واستمر ذلك حتي عصر الترجمة الثاني، عصر الطهطاوي الذي كان يعيد بناء الوافد طبقا لمفاهيم الموروث. فالعقلانية الغربية هي التحسين والتقبيح عند المعتزلة، وقانون نابليون (الشرطه) تعادل الشريعة، ومونتسكيو هو ابن خلدون فرنسا، وابن خلدون هو مونتسكيو المسلمين. والتاريخ الغربي جزء من التاريخ العربي الإسلامي وامتداد له.
ثم جاء عصر الترجمة الثالث في النصف الثاني من القرن العشرين سواء في مشروع ألف كتاب الأولي أو الألف كتاب الثانية أو المشروع القومي للترجمة ومن منطلق الضعف والإحساس بالنقص أما الوافد أن تمت الترجمة طبقا لنظرية المطابقة أي نقل النص الأجنبي في نص عربي مطابق. الهدف منه الترويج للوافد، وإيجاد ثقافة بديلة عن الثقافة الموروثة بل ومن أجل حصارها حتي تتحول الثقافة الوطنية من رافدها الموروث الذي يفرّخ الجماعات الإسلامية خصوم الدولة، والمعارض السياسي الرئيسي لها إلي رافدها الوافد. كان المهم هو الكم لا الكيف، وإغراق السوق الثقافي بأكبر قدر ممكن من التيارات الحديثة حتي لا تظل الثقافة الإسلامية هي الوحيدة المطروحة علي الساحة. فالوافد بديل عن الموروث وليس أداة لتطويره. وانتشرت في الاتساع علي حساب العمق. وكانت أقرب إلي الترجمة الحرفية خاصة في بعض الأعمال (الحديثة) لا تعيد كتابة النص من منظور المتلقي كما كان يفعل القدماء. صحيح أنها نافذة مفتوحة علي الثقافة الغربية، وتعريف بتياراتها المختلفة في خطاب ما بعد الاستعمار، وخطاب الحداثة، وخطاب المرأة، وخطاب الاستشراق. تنقل عن الغرب أكثر مما تنقل عن الشرق. فالثقافة ثقافة الغرب. والعولمة عولمة الغرب الأوربي والغرب الأمريكي، والقوة قوة الغرب، والاختيار السياسي هو اختيار الغرب وكما وضح في (مشروع الشرق الأوسط الكبير). وقد ينتهي المشروع القومي للترجمة إلي عكس ما يهدف إليه. إذا ما قرأه الشاب المثقف الجديد ووجد أنه لم يفهم الكثير منه إما لغرابة موضوعاته عليه أو لوعورة أسلوبه فإنه سرعان ما يهرب إلي ابن تيمية وابن القيم فيجد فيما أنتجه القدماء خيرا مما ترجمه المحدثون، وأن الاغتراب عن الوافد يؤدي إلي مزيد من الألفة للموروث.
إن الترجمة وحدها أي نقل الوافد إنما هو عنصر أول للإبداع الثقافي. ولو اقتصرت عليه تكون الثقافة عرجاء، تقوم علي ساق واحدة، أو عوراء تري العالم بعين واحدة أو ضيقة تتنفس برئة واحدة. لذلك لزم العنصر الثاني وهو النشر. ليس نشر التراث السلفي المحافظ الذي أصبح هو الغالب علي التراث الإسلامي كله وتروج له دور نشر التراث المدعمة من المؤسسات السلفية المعاصرة بما في ذلك شركات توظيف الأموال بل التراث العقلاني الذي نشره طه حسين عندما كان مسؤولا عن الثقافة في الجامعة العربية مثل (المغني في أبواب التوحيد والعدل) للقاضي عبد الجبار المغربي، وتراث ابن رشد العقلاني كله الذي أعده للنشر محمود قاسم في دار العلوم، والتراث الأصولي الذي يقم علي رعاية المصالح العامة مثل (الموافقات) للشاطبي الغرناطي الأندلسي. يمكن نشر كل ما نحتاج إليه في تحدياتنا المعاصرة وتأصيله في التراث القديم، كل ما يتعلق بالتراث الفقهي في التنمية وأن الأرض لمن يفلحها، وفي الملكية العامة مثل الركاز وهي المعادن في باطن الأرض والمياه والغابات. ويمكن أيضا نشر كل ما يتعلق بمقاصد الشريعة الحياة والعقل والعلم والعرض والثروة الوطنية، وكل ما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق المرأة والمواطنة والمجتمع المدني والرقابة علي الأسواق وجهاز الدولة عن طريق الحسبة، وكل ما يتعلق بالبيعة والاختيار والعقد. ولا يترك النشر فقط للهيئة العامة للكتاب أو للمجلس الأعلي للشؤون الإسلامية بل يتم داخل وزارة الثقافة كجزء من نشاط مؤسساتها في المشروع القومي للنشر بالإضافة إلي المشروع القومي للترجمة حتي يتفاعل الوافد مع الموروث من أجل إبداع حضاري يحافظ علي جوهر الموروث وجدة الوافد، ويبقيا معا علي أصالة الموروث ومعاصرة الوافد. وبهذه الطريقة تستطيع الثقافة أن تسير علي ساقين بدلا من أن تكون عرجاء تسير علي قدم واحدة من المستقبل إلي الحاضر كما يفعل الوافد أو من الماضي إلي الحاضر كما يفعل الموروث.
ومع المشروع القومي للترجمة والمشروع القومي للنشر يأتي المشروع القومي للتأليف أو الإبداع. وهو الحصيلة الطبيعية لتفاعل الوافد والموروث في ظروف العصر وتحدياته. فالوافد نقل عن المحدثين، والموروث نقل من القدماء. وكل منهما نقل. ومن دون تفاعل المستقبل والماضي في أتون العصر وناره، يتصادمان كما هو الحال الآن في حالة الاستقطاب الشديد التي يعيشها هذا الجيل بين السلفية والعلمانية والذي يصل إلي حد الحرب الأهلية بين الأخوة الأعداء والتي كلفت حتي الآن ما يزيد علي المائة ألف شهيد في الجزائر. وما زالت الخطورة علي فلسطين والعراق وسوريا وغيرها من الساحات العربية. لم تستغرق الترجمة الأولي في عصر المأمون أكثر من جيلين، القرن الثاني الهجري، نشأ بعدها الإبداع عند الكندي فيلسوف العرب في القرن الثالث. ونحن نترجم في نهضتنا الحالية منذ قرنين من الزمان أي علي مدي أكثر من أربعة أو خمسة أجيال، وما زال الإبداع الفكري متأخرا، يلهث وراء الإبداع الأدبي والفني. لقد طالت الترجمة أكثر من اللازم لأنها قامت بهدف نقل المعلومات، ومزاحمة الموروث، وليس إعادة كتابة الوافد من أجل أن يتفاعل مع الموروث. تلك كانت مهمة اللجنة المصرية للتأليف والترجمة والنشر التي أسسها أحمد أمين وزكي نجيب محمود. فقد كانت علي وعي تام بالعناصر الثلاثة التي عليها تعتمد النهضة الثقافية. بل إنها أعطت الأولوية للتأليف علي أنه الغاية النهائية من الترجمة والنشر باعتبارهما وسيلة. لم يكن هدفها إيجاد بديل للفكر الإسلامي أو محاصرة التيار الإسلامي بل تطوير الفكر الإسلامي وترشيد تياره بوسائل جديدة.
ولا يكفي أن يكون هدف المشروع القومي للترجمة والمشروع القومي للنشر والمشروع القومي للتأليف هو مجرد النشر وملء المكتبات وطباعة المؤلفات في مكتبة الأسرة في مهرجان القراءة للجميع، مكتبة في كل أسرة، وكمبيوتر في كل بيت، والكترون في يد كل جندي كما كان يقال في الجمهورية الثانية بل يواكب ذلك حوار وطني بين كل مدارس الفكر والعمل من دون استبعاد أي منها في المؤسسات الثقافية. فلا توجد خصومة في الفكر بل حوار وتفاعل وإثراء متبادل. هذا هو الوعي الثقافي عبر التاريخ. فالثقافة لها استقلالها عن النظام السياسي واختياراته. لا يهم من الذي يحكم في القصر بل ما الذي يتحكّم في العقل. يحكم القصر علي الأمد القصير. ويتحكّم العقل علي المدي الطويل. (إنك ميت وهم ميتون). وسبحان من له الدوام.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1891 --- Date 21/8/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1891 --- التاريخ 2004 - 8 - 21

AZP07
HSHN