|
|
ضفــــــاف - حزن معصوم عن الخطأ - نبيل سليمان / روائي وناقد من سورية من وصية الشيرازي يرسم للقصيدة المائلة عتبتها: "كن / كشجرة / الصندل.../ تعطّر الفأسَ/ وهي تقطعها!". ثم, وفي تسع وثلاثين شهقة مرقّمة, ينفخ تكوينها, أي تكوينه, أي تكويننا, أي تكوين الكون, فيكون أن تنهض هي ـ القصيدة المائلة ـ أو يكون أن تنهض أنتَ أنتِ, أي ينهض هو, أي الشاعر الذي اشتهر باسم عادل محمود, وربما اشُتهر أيضاً بالصحفي أو بالصياد أو بالقاصّ. وربما زيد أن له خلال ثلاثين سنة خمسة عنوانات في الشعر (قمصان زرقاء للجثث الفاخرة ـ ضفتاه من حجر ـ مسودّات عن العالم ـ استعارة مكان ـ حزن معصوم عن الخطأ) وعنواناً في القصة (القبائل) وعنواناً في المقالة (ضمير المتكلم) وعنوانات أعجزت العدّ في الصداقة والعشق والثقافة والعواصم والجهْر والحلم. وبعض ذلك وسواه سترسله علي طريقتها (القصيدة المائلة) و(القصيدة المسمارية) و(القصيدة الزرقاء) في وإلي العنوان الجديد: حزن معصوم علي الخطأ، فتحار القراءة في السبيل حيرة الشيرازي أو حيرة شجرة الصندل أو حيرة الفأس، أي حيرة عادل محمود المزنّر بالشال المنقّط بالأحمر، والذي يعلم أنه نمش علي تفاحة آدم الكبير، لأنها ليست حواءه وحده. وهي، أنثي الضباب، شقيقة الرجل وجميلته، ستكون لها وحدها في (القصيدة المائلة) شهقة، شهقتان، ثلاث، كما سيكون مثل ما لها للغائب، وفيما يتبقي من يتسع وثلاثين شهقة، ستكون هي كما سيكون الغائب، ذلك الحاضر الشاعر المجبول من أسئلة الهواء وجواب المطر، من المسافة بين صدر قديم ويأس جديد، من قيمة ومن مستقبل غامض، لكأنه عالمه ـ تكوينه: طاولة الكتابة والأقلام التي أُهديتْ له من حفيف الغروب، شهوة البقاء، قسوة الألوان، ماء الأغاني، وثراء غامض أيضاً ملء (القصيدة الزرقاء) المرصودة للشعراء المبتدئين المرصودين لذلك العالم ـ التكوين. أولاء يستعينون بأخطاء اللغة المحكية كي يكونوا أقرب إلي صواب القلب، يمضون إلي خطيئة الوعد المكرر، وعادل محمود يرسم ـ كما في (القصيدة المائلة) وفي كل قصيدة ـ مشهداً مشهداً، يعري الشعراء المبتدئين ويؤرخ لزمن الدخول في حصّالة الأحزاب وكهف الخطابة القصوي، وينقض ما أرّخ، والشعراء المبتدئون يستعينون والآهات الحديثة في المقاهي وبالقصص اليومية وبالنثر وبالأساطير، وعادل محمود لايني يؤثثنا بالطلبة والمنظفات والتقوي، بالخاسرين والمبتدئين، ثم يؤثثنا بلفتات (ماري) في الفضاء المترامي من الفرات إلي قاسيون طوال سبعة آلاف عام، فينضج القول في بدائية كل شيء: "في زمن بدائي / في يهود بدائيين / في عرب بدائيين / في محاولة الخروج من النص". وهنا، ينفلت السؤال من الشعراء المبتدئين إلي الشعراء جميعاً، إلينا جميعاً: "ما الذي نفعله نحن / شعوب الانتظار البدوي / غير أن نستذكر صرخة الجوع فيها". هنا، تلوّح (القصيدة الزرقاء) وهي تمضي بتحوير بيتين من نصٍ إيروتيكي ليصيرا: "بلادكم يجوع الحرُّ فيها / وتُمحي في دياركم العقولُ / إذا ما طاف عقلي في رباها / تحيّر.. هل سيسكتُ أم يقول؟".. في الطريق إلي (القصيدة المائلة). تطلع (القصيدة الزرقاء). وفي الطريق إلي هذه القصيدة تطلع (القصيدة المسمارية)، لكأنها مع القصائد التي سبقتها وتبعتها ـ وبخاصة قصيدة (عاديات) ـ طقوس الشاعر التي يلاقي بها عالمه ـ تكوينُه القراءةَ. وهو إذن في (القصيدة المسمارية) ذلك الطائر الراحل الوحشي ذو الرغبة المسمارية، ذلك الماضي المنسوب إلي الماضي الذي نادي سبعة آلاف سنة في (القصيدة الزرقاء)، سوي الشاعر هذه المرة يسأل الماضي ـ إن كان ما يزال رحيماً ـ أن يكف عن (لائه) الناهية، عن (لا شك فيك)، عن (لولاك) "نحن زرعنا بالشيب.. / ثم من إغمادنا واحداً واحداً / في التراب". وهنا، كما هو الأمر خلل كل قصيدة في (حزن معصوم عن الخطأ) ستلوب القراءة علي السؤال وعلي الأشياء الصغيرة وعلي التشكيل وعلي البوح وعلي الجسد وعلي العناصر وعلي العزلة وعلي الصداقة وعلي.. الحزن. لذلك سيكون علي القراءة أولاً وأخيراً أن تمضي في (حزن معصوم عن الخطأ) أن تمضي كما اقترح عادل محمود، لتبلغ الفاتحة المستعارة من الراهب هوغوسان فكتور ـ من القرن الثاني عشر ـ فإذا بالإنسان غريب أينما أقام، وإذا بذي النفس الرقيقة قد حصر عشقه في وطن، وذي النفس القوية قد وسع عشقه كل أرض, أما ذو النفس التامة فقد أطفأ كل عشق. وعلي الرغم من ذلك، أو جرّاء ذلك، يكتب عادل محمود لشعر، ونقرأ. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1885 --- Date 12/8/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1885 --- التاريخ 2004 - 8 - 12 AZP09 NBSL |