|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري - ما الذي يمنع من حرية التفكير؟ - هيمنة التاريخ الساكن والتقاليد والسلطة المتجبّرة موانع للحرية المبدعة يكاد يعاني الجميع من غياب الحريات السياسية للأفراد ومن ثم غياب الديمقراطية في نظم الحكم. ويمكن علاج هذا الغياب بمزيد من الحريات السياسية عن طريق حرية الصحافة، وحرية تكوين الأحزاب، وحرية الانتخابات ومسؤولية الحكومة أمام البرلمان واحترام الدستور. مع ذلك يئن الجميع من غياب الحريات الفكرية وهي الشرط الأساسي للحريات السياسية. ولا يمكن سن القوانين دفاعا عن الحرية الفكرية لأن حرية التفكير نشاط ذهني خالص قبل التحقق في موضوعات تخضع للتشريعات الاجتماعية. فموانع حرية التفكير داخلية قبل أن تكون خارجية، في النفس قبل أن تكون في الواقع، في الضمير قبل أن تكون في المجتمع. ويمكن إجمالها في ستة موانع: 1 ــ مانع النص. ولا يعني النص النص الديني وحده بل يعني سلطة المدون. فقد عرفنا بأننا حضارة نص، وليست حضارة عقل، حضارة كتاب وليست حضارة طبيعة. فمصدرنا الأول في المعرفة هو القرآن أو الكتاب أو المصحف. تتلوه السنة المدونة بعد روايتها شفاهيا تتلوها نصوص المذاهب العقائدية والفقهية وكتابات الأولين في الطبقات والحوليات. وهي ليست خاصة بالقرآن وحده بل هي أيضا صحف إبراهيم وموسي، ومزامير داود وحكمة سليمان والتوراة والإنجيل، والألواح والأسفار. وتقوم كلها بدور السلطة، سلطة النص الذي يطاع. فهو الذي يحدد تصورات العالم. وهو الذي يضع معايير السلوك. ويضم إليه الأمثال العامية. فهي نصوص شفاهية تقوم بنفس الدور علي نحو بعدي من أجل فهم الوقائع وتبريرها وإيجاد قوانين لحدوثها. وتقوم مقام النص في الفهم وإن لم تقم مقامه في التشريع. النص كتاب مسطور والحقيقة أن النص ليس مانعا من حرية الفكر لأن النص كتاب مسطور لا ينطق إنما ينطق به الرجال. ويخضع للتأويل والفهم. به حقيقة ومجاز، وظاهر وتفسير. يحتاج إلي جهد إنساني لتخصيص العموم وتطبيقه في الزمان والمكان. يقوم النص فقط بدور الافتراض الذي يمكن التحقق من صدقه في التجارب الإنسانية الفردية والجماعية. يقلل الجهد النظري في البحث عن المبادئ العامة من أجل التركيز علي التفصيلات والتطبيقات العملية. ويعطي أكبر قدر من اليقين والموضوعية بدلا من الوقوع في النسبية والشك واختلاف وجهات النظر. كما أنه يقلل الجهد المبذول في النص وتقصير الطريق حتي يخصص الجهد الأكبر للعمل. فقد يظل الإنسان يبحث ويطول البحث وينتهي العمر والعمل في حاجة إلي اقتضاء فعل لم يتم الوصول إليه بعد. فكما أن حضارتنا حضارة نص فإنها أيضا حضارة تأويل. النص يقيد (فلا اجتهاد مع النص). والتأويل يحرر، فهناك اجتهاد في فهم النص. 2 ــ وقد يكون التاريخ قيدا علي حرية الفكر. فما زال الوعي لدينا متجها نحو الماضي ومفتوحا عليه أكثر مما هو متجه نحو الحاضر أو نحو المستقبل. فالماضي ما زال حيا في الحاضر. ونتكلم عن الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسي وعيسي ومحمد وكأنهم أحياء بيننا. وبالإضافة إلي تاريخ الأنبياء هناك تاريخ الصحابة والتابعين الذين ما زالوا نماذج للاقتداء. وينقل الخطباء الحاضر إلي الماضي حتي يعيش السامعون في روعة الماضي تعويضا لهم عن مآسي الحاضر وهموم المستقبل. وهناك تاريخ المذاهب الفقهية وتاريخ مؤسسيها. فقد أغلق باب الاجتهاد. وأين لنا الآن من مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل. ويضاف إليهم تاريخ الصوفية وسيرهم العطرة، الحسن البصري ورابعة العدوية، الحسن البصري الذي يترك وراءه بركة من الدموع وهو ساجد، ورابعة التي أحبت الله وأخلصت له دون طمع في ثواب أو خوف من عقاب. وأين نحن من حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، ومن إمام الحرمين الجويني، ومن الشيخ الرئيس ابن سينا، ومن المعلم الثاني الفارابي، ومن فيلسوف الإسلام الكندي، ومن فخر الإسلام الرازي، ومن شمس الأئمة، وناصر الملة والدين إلي آخر هذه الألقاب التي أعطيت للقدماء حتي أحاطت بهم هالات التقديس ولم يصبح أمام المحدثين إلا التقليد. وسارت بيننا بعض الشائعات أن السلف لم يتركوا للخلف شيئا. بل إن الخلف أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات. والعلماء طبقات أفضلهم الأولون، الصحابة، فالتابعون فتابعو التابعين، طبقات الصوفية، وطبقات المعتزلة، وطبقات الحنابلة. هناك أهل السنة والاستقامة في مقابل الخوارج الذين خرجوا علي الصراط المستقيم، والشيعة الذين تشيعوا ومالوا واتبعوا الأهواء، والمعتزلة الذين اعتزلوا العامود الرئيسي للمسجد. أهل السنة يقولون والآخرون يزعمون ويدعون ويتقولون. وهناك الفرقة الناجية الواحدة، هي فرقة الدولة الأموية، فرقة السلطان في مقابل الفرق الهالكة وهي فرق المعارضة. الأولي في الجنة والثانية في النار. ومن عصي الأمر وفارق الجماعة فهو كافر مرتد يجب قتله. والحقيقة أن كل هذه الأدبيات التي استقرت في التاريخ لها ما يعارضها في القرآن والحديث وأصول الفقه. فاختلاف الأئمة رحمة. والصواب متعدد. والكل راد والكل مردود عليه. وقد خلق البشر متعددي المشارب والمناهج والمآرب والألسنة للتعارف وللإثراء المتبادل. ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ولكنه جعلهم مختلفين. فالاختلاف غاية الخلق. وإيمان المقلد لا يجوز. والتقليد ليس مصدراً من مصادر العلم حتي ولو كان تقليد الصحابة والأئمة والاجتهاد مصدراً من مصادر التشريع. ويبعث الله علي رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. والمسئولية في النهاية فردية (وكلكم أتيه يوم القيامة فردا)، (وكلا ألزمانه طائره في عنقه). الخروج علي التقاليد والاعراف 3 ــ وما يمنع من حرية التفكير هو المجتمع والتقاليد والأعراف وما تربي عليه الناس من المهد إلي اللحد من إتباع التقاليد ومراعاة الأعراف وما يعتبره المجتمع (عيبا). وكل من خرج عليه فإنه ناقص التربية، قليل الأدب، وقح السلوك، منحرف الأخلاق والناس وما تعودوا وألغوا. مع أن الأنبياء من قبل قد ثاروا ضد تقاليد وأعراف أقوامهم كما فعل إبراهيم في نقد أبيه وقومه عن عبادة الأصنام. والتقاليد والأعراف من وضع الإنسان والمجتمع. وهي متجددة متغيرة لا تبقي علي حال. لا يوجد فيها معيار للصواب والخطأ بل هي ممارسات أقرب إلي الفولكلور والعادات الشعبية. هي جزء من الثقافة الشعبية كالاحتفالات والأزياء والأطعمة والموالد والطقوس. منها ما قد يعارض الشرع ومنها ما يتفق الشرع معه. فقد أتي الشرع وقضي علي عادة وأد البنات عند العرب (وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت)، وسوء معاملة العبيد فالناس إخوة، والمؤمنون أمة، ولا فضل لعربي علي عجمي إلا بالتقوي والعمل الصالح، وشرب الخمر لأنها مذهبة للعقل، وفقد للقدرة علي السيطرة علي الأفعال، والزنا لأنه كان فاحشة وساء سبيلا، واعتداءً علي الحرمات وخلَط الأنساب. وأقر عادات أخري مثل مناسك الحج وكل ما يتعلق بدين إبراهيم مثل السعي بين الصفا والمروة، والطواف حول الكعبة وصوم عاشوراء عند اليهود. بل إن اللفظ بالإضافة إلي معناه الاشتقاقي ومعناه الاصطلاحي هناك المعني العرفي. فاللغة للاستعمال. 4 ــ والتعامل مع السلطة السياسية أو الدينية، مانع لحرية التفكير. فالسلطة قاهرة تفرض رأيها علي الناس، وتجبرهم علي تبنيها. تفرض الرقابة علي أجهزة الإعلام وعلي دور النشر وعلي التدريس في الجامعات. فالسلطة مذهبية عقائدية. تتبني مذهبا وعلي الناس اعتناقه. والدول مذهبية منذ الدولة الأموية وتبنيها عقائد الأموية كما يسميها ابن رشد وعلي رأسها الاعتقاد بالقضاء والقدر. وتبنت الدولة الفاطمية عقائد الشيعة. واضطهدت الدولة المخالفين لها في الرأي حتي في المسائل النظرية الخالصة مثل خلق القرآن. وقد فرض الخلفاء الدعوة لهم علي المنابر ولعنة مخالفيهم. واستمرت الدولة الأيديولوجية حتي الآن. وكان آخرها الدولة القومية الاشتراكية وفي كل الحالات هي الدولة البوليسية التي تقبض علي المخالفين في الرأي. هي الدولة التي لا تقبل المعارضة الفكرية والرأي الأخر أو المعارضة السياسية والاختيارات السياسية البديلة. وقد أدي ذلك إلي اللامبالاة السياسية وعدم اشتغال الناس بالسياسة (لعن الله ساسي ويسوس)، (والباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح). ومع ذلك يستطيع المواطن أن يعارض سياسيا عن طريق المجاهرة بالرأي في القنوات الشرعية، ومقارعة الحجة بالحجة، والرأي بالرأي، والبرهان بالبرهان. فالساكت عن الحق شيطان أخرس. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الإسلام. والدين النصيحة لأولي الأمر ولعامة الناس. وتلك وظيفة المحتسب، وهي الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية أي الرقابة علي ما يحدث في المجتمع من فساد وغش وتدليس وليس في ضمائر الناس. والخوف من السلطة الدينية أيضا يمنع التفكير الحر. فالسلطة الدينية تعتبر نفسها وريثة الدين، والمفسرة الوحيدة لنصوصه، والحارس عليه، والأمين علي تطبيقه. ورجال الدين بشر في النهاية. وهم موظفون في الدولة، ويأتمرون بأمرها. يبررون للسلطان قراراته، ويشرعون له أفعاله سلما أو حربا، اشتراكية أو رأسمالية. وتستعملها السلطة السياسية للسيطرة من خلالها علي الرأي العام وإضفاء الشرعية عليها إذا ما نقصتها الشرعية، وأتت بانتخابات مزيفة، واتخذت قرارات، واتبعت سياسات ضد مصالح الشعوب، وقامت ضدها الهبات الشعبية. هنا تتصدي السلطة الدينية لمطالب الناس بطاعة أولي الأمر (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). فالسلطان يفهم ما لا يفهمه الشعب، ويعرف مصالحه أكثر مما يعرف الشعب مصالح نفسه. ومع ذلك قامت المعارضة باستمرار باسم حرية التفكير والاعتقاد ضد السلطة الدينية كما فعل كونفوشيوس في الدين الصيني القديم، وبوذا في الدين الهندوسي، والسيد المسيح في الدين اليهودي، وآريوس في الدين المسيحي، ومارتن لوثر مؤسس حركة الإصلاح. وكما فعل الحلاج والعز بن عبد السلام وابن تيمية والأفغاني ومحمد عبده وسيد قطب. الخوف مانع لحرية الفكر 5 ــ وقد يمنع الخوف من المحافظة الشعبية التقليدية من حرية التفكير. ويظهر فكر ممالئ للناس، يدغدغ عواطفهم الدينية، وتشددهم في الممارسة الحرفية. وسلطة الناس لا تقل رهبة عن السلطة السياسية والسلطة الدينية. هي سلطة التقليدية والمحافظة الموروثة منذ ألف عام والتي تحولت إلي ثقافة شعبية ترتكن علي جانب واحد هو المحافظة. ثم أصبحت المحافظة هي الدين. وكل خروج عليها فهي ردة وكفر وإلحاد حتي فيما كان يعتبره القدماء من صلب الدين مثل العقل والحرية والمصالح العامة وجمع القرآن ونقد الرواية والتأويل وحق الاختلاف وشرعيته. ولا غضاضة أن تمالئ السلطتان السياسية والدينية هذه المحافظة الدينية. فهي خير سند لهما في السيطرة علي الناس. مع أن الناس قادرة أيضا علي التمييز بين الغث والسمين، بين النافع والضار، بين من يبغي الصالح العام ومن يسعي إلي مصلحة شخصية. فالخوف من العامة ليس له ما يبرره (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل). وقد سجد سحرة فرعون لموسي لما رأوا برهانه علي نبوته قبل أن يأذن لهم فرعون. والوعي الفردي له استقلاله عن الوعي الجماعي (وإذ قال رجل مؤمن من آل فرعون أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم). وطالما استطاع الخطباء والزعماء السيطرة علي العامة. 6 ــ وأخيرا الخوف من النفس مانع من حرية التفكير. إذ يتوهم المفكر أن حرية التفكير خطر عليه ستلحق به الأذي والضرر له ولأسرته لمكانته ووظيفته وتمنعه مما يتطلع إليه من مناصب وحظوة. يخشي من الرقابة والاضطهاد فيضع رقابة علي رقابة، واضطهاداً فوق اضطهاد حتي يفقد الصدق في القول والتعبير. ويصبح الكلام خطابا أجوفا بلا معني أو قصد (وتخشون الناس والله أحق أن تخشوه(، ومن ثم كانت البداية في حرية التفكير نزع الخوف من النفس، والثقة بها، والصدق في القول والتعبير (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم(، (وحقت كلمة ربك صدقا وعدلا). فمتي تزيل الأمة عن نفسها موانع حرية التفكير؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1882 --- Date 9/8/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1882 --- التاريخ 2004 - 8 - 9 AZP07 HSHN |